معاني أيام الإسبوع باللغةالإنجليزية والعربية ,‘,‘
,‘,‘
Saturday = day of Saturn = يوم زحل
,‘,‘
Sunday = day of the sun = يوم الشمس
,‘,‘
Monday = day of the moon= يوم القمر
,‘,‘
Tuesday = The god of war day = يوم إله الحرب
,‘,‘
Wednesday = the king of the gods .= يوم ملك الآلهه
,‘,‘
Thursday = the god of sky day = يوم إله السماء
,‘,‘
Friday = day of Frigg = يوم إله الحب
,‘,‘
كنتم تتوقعون معناها؟؟؟
مفاجأة صح !!
منقول
الجمعة، 23 أبريل 2010
الخميس، 22 أبريل 2010
ظاهرة الشعر الحديث أحمد المجاطي مداخل لدراسة المؤَلف
ظاهرة الشعر الحديث
أحمد المجاطي
مداخل لدراسة المؤَلف :
المدخل الأول : النقد من حيث هو مفهوم
يعتبر النقد عملية وصفية تنطلق مباشرة بعد الإبداع، و تكون غايتها قراءة الأثر الأدبي،و مقاربته بهد ف استقصاء مواطن الجودة و النقص فيه.
و يرتبط النقد في الغالب بالوصف و التفسير و التأويل و الكشف و التحليل و التقويم، و ينصب كل ذلك على النص أو الأثر المنقود.
و يمر العمل النقدي عبر مجموعة من الخطوات و المراحل ، يمكن ترتيبها مثل ما يلي:
* قراءة النص أو الأثر المنقود و ملاحظته.
* تحليل مضمونه وشكله.
* تقويمه إيجابا و سلبا.
* توجيه المبدع من خلال عملية تغذية راجعة *(feed back)، يمده بها العمل النقدي.
و من أهم وظائف النقد توجيه دفة الإبداع، وإضاءة الطريق للمبدعين المبتدئين و لكبار الكتاب على حد سواء. وكشف مواطن القوة و الضعف في الأثر الإبداعي، و التمييز بين الجودة و الرداءة، و الطبع و التكلف، و الصنعة و التصنع. كما يعرف النقد المبدعين بما وصل إليه الإبداع من تطور، في النظرية و الممارسة، و يجلي لهم طرائق التجديد و مدارسه و تصوراته الجمالية و الفلسفية و الفنية، قصد إبعادهم عن التقليد .
المدخل الثاني:المسار النقدي الأدبي في المغرب في القرن العشرين
إذا كان النقد الأدبي فاعلية قرائية بعدية تتطلب مادة إبداعية قبلية تقرأها و تشتغل عليها و تستولد منها و حولها أسئلتها و تأملاتها و إشكالاتها البانية لخطابها و المحركة لوتائرها، و هو يتطلب "وعيا" نظريا و منهجيا، يضبط صنيعه و يجعله على بينة كافية بالصنيع الأدبي الذي يتعامل معه، فإنه لم يكن بالإمكان ، قبل ستينيات القرن العشرين، الحديث عن "مشهد نقدي" في المغرب، وإنما كانت هناك كتابات لبعض الأدباء المغاربة هي عبارة عن ردود عفوية و ملاحظات انطباعية تقييمية، أكثر منها كتابات نقدية. ومن هؤلاء الأدباء نذكر: عبد الله كنون، و أحمد زياد، و عبد الرحمان الفاسي، و محمد بلعباس القباج...
كانت ستينيات ق20، نقطة انطلاق "الوعي" النقدي الحديث في المغرب، و كانت وراء هذه الانطلاقة عوامل و ملابسات سوسيوثقافية، يمكن تلخيصها في الآتي :
1/ حصول المغرب على استقلاله السياسي و تفرغه لمشاكله الداخلية.
2/ انطلاقة الجامعة المغربية، و تأسيس كلية الآداب و العلوم الإنسانية.
3/ ظهور أعمال أدبية تنتمي لأجناس أدبية حديثة.
4/ الازدهار النسبي للصحافة الأدبية ( ملاحق ثقافية، مجلات أدبية متخصصة)
5/ انفتاح المغرب على لحركة الثقافية و الأدبية في المشرق العربي (القاهرة، بيروت، بغداد).
6/ تأسيس اتحاد كتاب المغرب، و مساهمته في التحسيس بسؤال الثقافة و الأدب .
تضافر هذه العوامل وغيرها، كان حافزا للوعي النقدي الحديث في المغرب، و كان صدور بعض الأعمال الروائية و الشعرة على الخصوص، أوائل ستينيات ق 20، فرصة سانحة أطلقت النقد المغربي الحديث، و لعل أبرز من مثل هذه الحقبة هم: محمد برادة، و أحمد اليابوري، و محمد السرغيني، و أحمد المجاطي، و حسن المنيعي، و إبراهيم
السولامي.
لقد تخرج على أيدي هؤلاء الأساتذة و غيرهم، مع طلائع سبعينيات ق 20، جيل جديد من النقاد و المبدعين هم الذين سيؤثثون المشهد النقدي المغربي بعطائهم،و هم الذين سيملأون فضاءه بأصواتهم و أفكارهم، و ستتفرع معهم الأنحاء التي انتحاها النقد في المغرب بعد ذلك، من نقد شفوي، و صحفي، و جمعوي، و جامعي، و سجالي...
و قد ساهمت هذه الجهود، بلا شك، في التأسيس لوعي نقدي جديد، يتوخى إعادة النظر في شروط القراءة و أدبية النص المقروء، لكنها لم تخل من هنات أجملها ذ. نجيب العوفي في أربع هي :
1/ المنهاجوية : ويقصد بها ارتهان الناقد غير المشروط للمنهج على حساب النص المقروء.فيستعاض عن المبدإ المعروف( النص و لا شئ غير النص) بمبدإ مضاد ( المنهج و لا شئ سوى المنهج). فتكون النتيجة الحتمية آخر المطاف هي اغتراب النص، و المنهج، و الناقد، و المتلقي.
2/ الارتحال السريع بين المناهج و النماذج : الذي تحول عند البعض إلى قطيعة قسرية بين المحطات المنهجية، و إلى سلسلة من النواسخ و المنسوخات.
3/ غياب النقد عن النقد : و هيمنة النزعة الوصفية التحليلية على النزعة التقييمية التأويلية، مما يجعلنا، في آخر التحليل، تجاه خطاب علموي شكلاني متعال، غايته الأولى ة الأخيرة، أن يعيد كتابة النص و يفكك أجزاءه و عناصره، ثم يعيدها إلى أماكنها أو يتركها لحما على وضح. و من تم تتساوى النصوص المقروءة و توضع في سلة واحدة.
4/ غياب شخصية الناقد في قراءته و ارتباك لغته النقدية، معجما و مصطلحا.
و قد استمر النقد العربي في المغرب، على عواهنه، يصارع كل أشكال النقص فيه، و يحاول أن يؤسس هويته العربية المغربية ، لكن طريقه لتحقيق ذلك لا زال يبدو طويلا، و مليئا بالأشواك، والمطبات ، التي نتمنى أن يتجاوزها من سيأتي في هذا القرن الواحد و العشرين.
المدخل الثالث : صـاحــب المــــؤَلــــف
جمع أحمد المجاطي بين خاصيتي الإبداع و النقد لذلك جاءت كتاباته مفيدة و مقنعة في آن معا. و كان قد ولد في الدار البيضاء سنة 1936، تلقى دراسته بين الدار البيضاء و الرباط ودمشق . و درس بكل من جامعة محمد بن عبد الله بفاس و جامعة محمد الخامس بالرباط. اعتبر من المؤسسين لحركة الحداثة الشعرية بالمغرب. فاز بجائزة ابن زيدون للشعر التي يمنحها المعهد الإسباني/ العربي للثقافة بمدريد عام 1985، كما فاز بجائزة المغرب الكبرى للشعر سنة1987.
توفي أحمد المجاطي سنة 1995، مخلفا وراءه عطاءً متميزا في الشعر و النقد و التدريس.
المدخل الرابع : طبــــيعــة المــؤَلَف
يعتبر كتاب " ظاهرة الشعر الحديث" دراسة نقدية تتبع مسار تطور الشعر العربي الحديث، و البحث في العوامل التي جعلت الشاعر العربي الحديث ينتقل من مرحلة الإحياء و الذات إلى مرحلة التحرر من قيود التقليد، مع رصد العوامل و التجارب التي غذت التجديد في الشعر العربي :
·على مستوى المضمون: من خلال تجربة الغربة و الضياع، و تجربة الموت ، مع ما ميز كل تجربة من
مظاهر و خصوصيات.
·على مستوى الشكل و البناء الفني: في اللغة و السياق و آليات التعبير و خاصة الصورة الشعرية و الأسس الموسيقية.
دراســـــة الـــكـــتـــاب
الـقراءة الـمضمونــيـة:
الفصـــــــل الأول : التطور التدريجي في الشعر الحدـيث.
القسم الأول: نحو مضمون ذاتي.
·الشعر العربي القديم:
أمران مهمان يحددان التطور في الشعر العربي،عند أحمد المجاطي، هما: الحرية و الاحتكاك بالثقافة الأجنبية.
و في الشعر العربي القديم لم يتحقق هذا التطور إلا جزئيا، في مرحلتين:
◄ في العصر العباسي، مع شعراء رفعوا لواء الحداثة الشعرية و التحول، أمثال: أبي نواس،
و أبي تمام، و المتنبئ.
◄ في شعر الموشحات الأندلسية خاصة على مستوى الإيقاع العروضي.
و مع هيمنة معايير القصيدة العمودية التي كان يدافع عنها نقاد اللغة ظل هذا التجديد محدودا و ضئيلا.
نستنتج أن الشعر العربي القديم ظل – في مجمله - ثابتا و محافظا على الأصول، و لم يحقق تطورا ملحوظا بسبب انعدام الحرية الإبداعية و ضعف الاحتكاك بالثقافات و الآداب الأجنبية.
·التيار الإحيائي :
كانت العودة إلى التراث الشعري العربي في مراحل إشراقه، أهم مرتكز يقوم عليه التيار الإحيائي قصد
تجاوز ركود عصر الانحطاط و مخلفات كساد شعره و الخروج من الأزمة الشعرية التي عاشها شعراء عصر النهضة.
و يعتبر محمود سامي البارودي أهم زعماء هذا التيار، إذ نظم شعره متوسلا بالبيان الشعري القديم، مما جعل هذا التيار حركة تقليدية محافظة جراء مجاراتها طرائق التعبير عند الشعراء القدامى، و وضعف اطلاع أصحابه على الآداب الأجنبية.
·التيار الذاتي:
تداخلت عدة عوامل سياسية و اجتماعية و تاريخية، للدفع نحو تجاوز شعار العودة إلى التراث، و الأخذ بشعار البحث عن الذات الفردية و الإعلاء من شأنها، مما أنتج تيارا ذاتيا في الكتابة الشعرية العربية الحديثة، تشكل عبر الجماعات الأدبية الآتية:
(أ)جماعة الديوان:
و تضم كلا من العقاد و شكري و المازني، الذين آمنوا بأن الشعر وجدان، لكنهم اختلفوا في التعبير عن هذا الإيمان، مما أعطى تمايزا في مضامين إبداعهم الشعري، يمكن تجسيده كالآتي:
العقاد شكري المازني
- "مفكر قبل أن يكون شاعرا"
- غلب التفكير على الوجدان و الشعور
- قصيدة"الحبيب" غلب فيها المنطق العقلي على ما هو وجداني داخلي.
- من طبيعة الشعر عنده أن ينطلق من النفس بصورة طبيعية.
- تعامل مع الأشياء تعاملا مباشرا أساسه الانفعال المباشر دون تدخل من العقل أو توغل في أعماق النفس
- تأمل في أعماق الذات، و انصرف عن الاهتمام بالعقل الخالص.
- المعاني جزء من النفس تدرك بالقلب لا بالعقل،مما أنتج لديه شعر الاستبطان و استكناه أغوار الذات
نصل مما سبق إلى أن ميزة الشعر الذاتي عند جماعة الديوان هي التمايز و التفرد و التغني بشعر الشخصية،و ليس دعوة لإبداع شعر متشابه الوسائل و الغايات. و لعل مرجع اهتمام الجماعة بالعنصر الذاتي أمران:
إعادة الاعتبار للذات المصرية التي كانت تعاني من الانهيار التام .
انتشار الفكر الحر بين مثقفي و مبدعي مصر، فعبروا عن أنفسهم باعتبارها قيما إنسانية ذات وزن.
(ب) تيار الرابطة القلمية :
تجاوز مفهوم الوجدان مع شعراء الرابطة القلمية، الذات ليشمل الحياة و الكون في إطار وحدة الوجود الصوفية، فقالوا بوجود روابط خفية، تشد الكائن الفرد إلى الكون جملة، و أن من شأن هذه الروابط الرفع من مكانة الفرد، و تقريبه من الذات الإلهية حتى تغدو العودة إلى الذات عبارة عن تفتح العالم بكلياته و جزئياته، و قد اختلفت سبل العودة إلى الذات عند كل من جبران خليل جبران، و ميخائيل نعيمة، و إيليا أبي ماضي.
جبران نعيمة أبو ماضي
- انقطع إلى التأمل في نفسه، مؤمنا بأن ملكوت الله في داخل الإنسان.
- لا مجال لمحاولة التحرر من الفساد
- الصلاح و الطلاح شيء واحد، ووجودهما ضروري كوجود الليل و النهار.
- آثر حياة الفطرة على تعقد الحضارة.
- هرب بأحلامه إلى الغاب.
- قدم عن المجتمع المتحضر صورة حافلة بالضجيج و الاحتجاج و الخصومة.
- استعصم بالخيال و ركن إلى القناعة و الرضى.
- فر من الحضارة المعقدة إلى القفر أو إلى الغاب.
- عاد إلى نفسه ليتأسى روحيا.
رغم معاصرة شاعر الرابطة القلمية للمد القومي العربي، إلا أنه ظل حبيس الذات و المضامين السلبية مثل اليأس و الخنوع و الاستسلام و القناعة، مخالفا حقيقة الوعي القومي المستلزم للأفعال الإيجابية و التغيير الثوري و ترجمة المشاعر إلى الواقع العملي.
(ج) جماعة أبوللو:
أسسها الدكتور أحمد زكي أبو شادي سنة 1932، ارتكزت في مفهومها للشعر على التغني بالذات و الوجدان، إذ رأت في ذات الشاعر مصدر ما ينتج من شعره، بشكل يسمح بتعرف هذه الذات من خلال النظر في شعر صاحبها. يرى أحمد المجاطي أن معاني الشعر عند أصحاب هذه الجماعة تتميز بالسلبية نظرا لتعاطيهم مع مواضيع الطبيعة و الهروب من الحياة الواقعية إلى الذات المنكمشة، و من المدينة نحو الغاب، و اصطباغ شعرهم بالخيبة و الحرمان و اليأس بالمرارة و المعاناة من الاغتراب.
انتهت جماعة أبوللو بالانفصال و التمزق و الهجرة و الفرار، فتعددت الاتجاهات المختلفة التفاصيل، و المتحدة عند انفصال الشاعر المصري عن مجتمعه.
القسم الثاني: نحو شكل جديد.
اتخذ تطور القصيدة العربية منحى متكاملا، ارتكز على مبدإ العودة إلى الذات، إذ أدرك الشاعر الوجداني أن كل تجربة جديدة لا تعبر عنها إلا لغة تستوفي صيغتها التعبيرية و صورها البيانية و إيقاعاتها الموسيقية من التجربة نفسها. و من تم راح يعتمد للتعبير عن تجربته الذاتية أشكالا تختلف في خصائصها عما ألفه التيار التقليدي من أشكال كان مصدرها امتلاء الذاكرة و تقليد النموذج.
و يمكن إجمال خصائص الشكل في القصيدة الوجدانية في ما يلي:
·سهولة التعبير: راح الشاعر الوجداني الحديث يقترب من أحاديث الناس، موظفا لغة الحديث المألوف و لغة الشارع كما عند العقاد في قصيدة"أصداء الشارع" من ديوان "عابر سبيل"، إذ أصبحت السهولة صفة أساسية في أسلوبه.
·الصورة البيانية: صارت تعبيرية و انفعالية و ذاتية ملتصقة بتجربة الشاعر الرومانسي، يريد بها شرح عاطفة أو بيان حالة، بعد أن كانت عند الإحيائيين زخارف و أصباغا تراد لذاتها.
·الوحدة العضوية: ابتغى الشاعر الوجداني ربط العواطف و الأحاسيس و الأفكار ببعضها ربطا يظهر القصيدة بمظهر الكائن الحي، لكل عضو من أعضائه دور هام يحدده مكانه من الجسد، فربط القافية و الوزن، مثلا، بالأفكار و العواطف الجزئية لا بموضوع القصيدة بوصفه كلا موحدا، فنظموا قصائد ذات موضوع واحد و قواف متعددة و أوزان مختلفة.
هذه المحاولات التجديدية انحصرت على مستوى الشكل بفعل الحملة التي شنها النقاد المحافظون على هذه الحركة التجديدية النامية و محاولاتها المستهدفة للغة و الأوزان و القوافي و الصور البيانية.
اصطبغت نهاية هذه التيارات التجديدية بالحزن إن على صعيد المضمون أو الشكل:
فعلى صعيد المضمون: انحدر إلى مستوى البكاء و الأنين و التفجع و الشكوى، و هي معان ممعنة
في الضعف وتكشف عما وراءها من مرض و خذلان.
و على صعيد الشكـــل : فشل في مسيرته نحو الوصول إلى صورة تعبيرية ذات مقومات خاصة
و مميزات مكتملة ناضجة، و كان فشله بفعل النقد المحافظ الذي استمد قوته مما كان الوجود العربي التقليدي يتمتع به من تماسك و مناعة قبل نكبة فلسطين، و الذي سيتغير بعد النكبة.
الفصـــــــــل الثاني : تجربة الغربة و الضياع.
لم يكنِ الشاعر العربي الحديث بمعزل عن المؤثرات العامة المحيطة به، بدءاً بواقع الهزيمة الأسود مع نكبة فلسطين عام ، مرورا بالمد القومي الوليد، وصولا إلى انهيار الواقع العربي و ما أحدثه من زرع الشكوك في نفوس المثقفين و المبدعين، و إسقاط كل الوثوقيات العربية التقليدية و الثوابت المقدسة و الطابوهات. لقد مكنت كل هذه الاهتزازات الشاعر العربي الحديث من خلخلة الثوابت، و الانفتاح على ثقافات العالم، شرقه و غربه، و كذا على التراث العربي، فكان :
1/ استيعاب الروافد الروافد الفكرية القادمة من الشرق، ( مذاهب صوفية، تعاليم متحدرة من الديانات
الهندية و الفارسية و الصابئة...)
2/ الاستفادة من الفلسفات الغربية الحديثة ، من وجودية و اشتراكية...
3/ التفاعل مع أشعار: بابلو نيرودا، و بول ايليوار، و لويس أراكون، و كارسيا لوركا،
و ماياكوفسكي، و ناظم حكمت، و توماس إليوت....
4/ التأثر بأشعار جلال الدين الرومي، و عمر الخيام، و فريد العطار، و طاغور....
5/ الانفتاح على الثقافات الشعبية ( سيرة عنترة بن شداد، سيرة سيف بن ذي يزن،سيرة
أبي زيد الهلالي، كتاب ألف ليلة و ليلة....)
6/ التعمق في القرآن الكريم، و في الحديث النبوي الشريف.
7/ التمعن في الشعر العربي القديم.
بكل ذلك غدا الشعر العربي الحديث وسيلة لاستكشاف الإنسان و العالم تعبر عن ثمار الرؤيا الحضارية الجديدة التي استقرت عند بعض الشعراء المحدثين الكبار، من أمثال السياب و نازك الملائكة و البياتي و صلاح عبد الصبور و خليل حاوي و أدونيس و غيرهم.
و من الموضوعات التي تسجل حضورها بكثرة في الشعر العربي الحديث، تجربة الغربة و الضياع التي يرجع الدارسون عوامل بروزها إلى ثلاثة هي:
(أ ) التأثر بشعر توماس إليوت، خاصة في قصيدته " الأرض الخراب"
(ب) التأثر بأعمال بعض المسرحيين و الروائيين الوجوديين أمثال: ألبير كامو، و جون بول سارتر،
و بعض النقاد مثل: كولن ولسون، خاصة في دراسته عن اللامنتمي ، و هي أعمال ترجمت إلى اللغة العربية و ساعدت في تبني الشباب موجة من القلق و الضجر انعكست في أشعارهم
(ج) عامل المعرفة، باعتبار المعرفة سلاح الشاعر الحديث.
إلا أن أحمد المجاطي لا يقر بكون هذه المصادر هي الوحيدة التي شكلت سبب نغمة الكآبة و الضياع و التمزق، بل هو يرى أن هناك جذورا لهذه النغمة تتمثل في تربة الواقع العربي الذي حولته النكبة إلى خرائب و أطلال، ذلك أن النكبة في نظره أهم عامل في الدفع نحو آفاق الضياع و الغربة بالشعر العربي الحديث، فليس الأمر مجرد نغمة سوداء استقدمها الشعراء بقدر ما هو مأساة حقيقية مصدرها هذا الواقع المنحل و ذلك التاريخ الملوث اللذين قدر على الشاعر العربي الحديث أن يحمل لعنتهما مما يؤكد أصالة هذه التجربة و ضرورة البحث عن جذورها في الواقع، و تصوير أهم مظاهرها البارزة في القصيدة العربية الحديثة، و التي نذكر منها :
1.الغربة في الكون:
حين حلت النكبة، و طرد العربي الفلسطيني من أرضه، و نفي من أمجاده و تاريخه، و حاصرته المهانة و الذل، و انفصل عما حوله من أشياءَ و قيمٍ، مال إلى الشك في كل شيءٍ، و كان الشاعر بفعل حساسيته المفرطةِ، أبلغ من جسد هذا الميل حين جرب أن يحس بوحدته و تفرده في الكون، و تولى أمر نفسه بنفسه، فشكك في الحقائق و مال إلى التفلسف الوجودي ( الأنطولوجي )، و تفسير الكون عقلا ومنطقا، بفعل إحساسه بالعبث و القلق و المرارة المظلمة، و ممن جسد هذا الميل نذكر: صلاح عبد الصبور، و السياب، و أدونيس، و يوسف الخال .
2.الغربة في المدينة:
آمن الشاعر العربي الحديث بأن هدف الشعر هو تفسير العالم و تغييره، لذا وجد في المدينة المجال الأنسب لتحقيق هدفه، على اعتبار أنها تمثل الوجه الحضاري للأمة بكل أبعاده الذاتية و الموضوعية، و تتخذ قناعا سياسيا و اجتماعيا و ثقافيا و اقتصاديا .
لكن المدينة العربية فقدت كثيرا من مظاهر أصالتها، حين غزتها المدينة الأوربية، فأضحت بمصانعها الحديثة
و عماراتها الشاهقة و طرقاتها الفسيحة، قالبا لا يناسب واقع الأمة العربية المهزومة مما غذى إحساس الشاعر العربي الحديث بالغربة في علاقته بالمدينة مكانا و ناسا وقيما و أشياءَ، فكان أن سلك في تصوير هذه المدينة طرقا متعددة، فقد صورها في ثوبها المادي و حقيقتها المفرغة من كل محتوى إنساني، كما فعل أحمد عبد المعطي حجازي في ديوانه (مدينة بلا قلب).كما اهتم الشاعر العربي الحديث بالناس في المدينة، فقدمهم صامتين يثقلهم الإحساس بالزمن، مشغولين بأنفسهم، لا يكاد يلتفت الواحد منهم إلى الآخر.
و رغم هذه المواقف السلبية من المدينة فإن الشاعر الحديث لم يستطع الهروب منها إلى الريف أو الغاب، كما فعل الرومانسيون، فقد وجد أن المدينة تحاصره، كما عند السياب مع بغداد، إذ وجد أن الخلاص منها يكمن في الموت، كما عند صلاح عبد الصبور في قصيدة (الخروج).
3.الغربة في الحب:
فَشَلٌ ثالث يضاف إلى فشل الشاعر العربي الحديث في فهم أسرار الكون و في التأقلم مع المدينة، إنه فشله في الحب الذي بات زيفا مصطنعا و بريقا واهما، ذلك أن هموم الشاعر العربي الحديث كثيرة متنوعة، و تركيبته النفسية معقدة لا ينفع معها ترياق الحب بمفهومه الروحي أو المادي، فلم تعد المرأة بجسدها و أنوثتها و رقتها و جمالها قادرة على تخليصه من همه القاتل، بل إن العلاقة بين الزوجين تحولت إلى عداوة و قتال كما عند خليل حاوي في قصيدته (الجروح السود) من ديوانه (نهر الرماد)، و الحب يموت كما عند عبد المعطي حجازي، أو يصاب بالاختناق كما عند صلاح عبد الصبور.
4.الغربة في الكلمة:
كانت رغبة الشاعر العربي الحديث أن تكون كلمته قوة و حركة وفعلا، غير أن الزمن لم يلبث أن حول الكلمة على لسانه إلى حجر كما قال أدونيس في قصيدة (السماء الثامنة) من ديوان (المسرح و المرايا)، فعاشت الكلمة بذلك غربتها الذاتية في واقع لا يربي سوى الصدى و خنق الجهر، و قتل الكلام الصارخ، مما جعل الشاعر يلوذ بالصمت، كما فعل البياتي في قصيدة (إلى أسماء) من ديوان (سفر الفقر و الثورة) رغم كونه عذاب و سكون و حزن، حين اكتشف أن نضاله بالكلمة لن يتجاوز تصوير الواقع البشع الذي خلقته الهزيمة و حكمت عليه بمعاناته و الاكتواء بناره، دون أن تمتلك الكلمة ميزة الحركة و الفعل.
خلاصة الفصل:
هكذا شكلت هذه التنويعات الأربعة الأبعاد المختلفة لتجربة الغربة لدى الشاعر العربي الحديث و التي تبلورت في مفهوم دال واحد هو : الغربة في الواقع الحضاري، سواء تمظهرت من خلال جانب واحد أو أكثر، فقد كان هدفه الأساس هو البحث عن الخلاص الكلي إيمانا منه أن وراء كل ظلمة نوراً، و أن الموت نفسه وسيلة إلى الحياة حين لا تبقى أية وسيلة أخرى، فكان هناك ارتباط وثيق بين معاني الضياع و الغربة و معاني اليقظة و التجدد و البعث، و حصل تداخل بين بين المعاني جميعها في قصائد الشعراء المحدثين.
الفصل الثالث تجربة الحياة و الموت
لم يكن حال الأمة العربية كله مدعاة لليأس و الغربة و الضياع و السأم و الحزن، ذلك أن العشرين سنة التي تلت النكبة قد شهدت هزات عنيفة و تغيرات واسعة شملت العالم العربي كله ، مما ولد حالا آخر ممثلا في إيقاع الأمل و الحياة و اليقظة و التجدد ، بسبب ما تم إنجازه واقعيا و سياسيا بدءاً بثورة مصر سنة مرورا بتأميم قناة السويس و رد العدوان الثلاثي وصولا إلى استقلال أقطار العالم العربي...الشيء الذي انعكس في أشعار بعض شعراء هذه المرحلة، ذكر منهم أحمد المجاطي أربعة هم : بدر شاكر السياب و خليل حاوي و أدونيس 1952 و عبد الوهاب البياتي.
لقد رفض الشاعر من هؤلاء الموت، موت الحياة الذي ليس بعده بعث، و قَبلَ بموت تكون معه الحياة،فعانق بذلك الرفض و الثورة و النضال ، و التجدد و الأمل و التحول و الحياة.
يرى المجاطي أن هؤلاء الشعراء هم أفضل من يمثل هذا الاتجاه، و يعدد الخصائص التي توحد بينهم في ما يلي:
* ارتباط تجربتهم بالحياة و الموت.
* ارتباط تجربتهم بالواقع الحضاري للأمة.
* رغبتهم في الانتصار على جميع التحديات التي تواجه الذات و الكون و الزمن و الجماعة.
* استخدامهم للمنهج الأسطوري.
* استشراف المستقبل.
لقد استفاد الشاعر الحديث من مجموعة من الأساطير و الرموز الدالة على البعث و التجدد، استلهمها من الوثنية البابلية و اليونانية و الفينيقية و العربية، و من المعتقدات المسيحية و من الفكر الإنساني عامة، و من هذه الأساطير نذكر: تموز ، و عشتار ، و أورفيوس ، و طائر الفينيق ، و مهيار الدمشقي ، و العنقاء ، و السندباد ، و عمر الخيام ، و الحلاج... مما أرز منهجا نقديا و أدبيا و فلسفيا يسمى بالمنهج الأسطوري، يصوغ فيه الشاعر مشاعره و رؤاه، و مجمل تجربته في صور رمزية، يتم بواسطتها التواصل عن طريق التغلغل إلى اللاشعور حيث تكمن رواسب المعتقدات و الأفكار المشتركة.
أدونيس:
ركز الكاتب في دراسته لأدونيس على ديوانيه( كتاب التحولات و الهجرة في أقاليم النهار و الليل) و ( المسرح و المرايا )، فلاحظ أن ما يميز تجربة الحياة و الموت عند أدونيس، من خلالهما، هو صدورها عن ذات محتقنة بفحولة التاريخ العربي،في واقع يفتقر إلى الفحولة و الخصب،و محتقنة بجموح الحضارة العربية قبل أن يسلط سيف الاستعمار على عنقها.
كان موقف أدونيس من الواقع العربي المنهار هو موقف الرافض للموت، لذلك كان في شعره اتجاهان:
·اتجاه ينطلق من الحيرة و التساؤل، و البحث عن وسيلة للبعث.
·اتجاه ينطلق من اكتشاف مفهوم التحول بصفته وسيلة لدفع الواقع العربي نحو البعث و التجدد.
و الاتجاهان معا متكاملان منسجمان مع موقف احتقان الذات بفحول التاريخ العربي و إمكانية البعث، و بإمكانية التحول التي تدور حولها معاني الحياة و الموت عند أدونيس.
لقد كان المنهج الأسطوري بارزا جليا في شعر أدونيس ، عكس مفهوم التحول الذي انفلت من إطار هذا المنهج أحيانا، ليؤسس عالما شعريا لا نهاية فيه للعمليات الكيميائية بين عناصر الذات و الأشياء، و الروح و المادة و الحياة و الحصاد، من أجل أن يتحقق النصر الكامل للحياة، مما جعل شعر أدونيس أقل ارتباطا بحركة التاريخ العربي، إذ أمعن في تخطيها و تجاوزها طمعا في إقامة حوار غريب مع زمن لم يجئ بعد.
خليل حاوي:
عبر خليل حاوي في دواوينه الثلاثة ( نهر الرماد ) و ( الناي و الريح ) و بيادر الجوع )، عن مبدإ آخر غير مبدإ التحول، هو مبدأ المعاناة، الحاضر في مقدمات قصائده و في شعره، معاناة الموت و معاناة البعث، على إيقاع من الأمل و اليأس بصور الخراب و الدمار و الجفاف و العقم، و قد وظف في شعره أسطورة تموز و أسطورة العنقاء ، دلالة على الخراب الحضاري و التجدد مع العنقاء.
و يرى أحمد المجاطي في تجربة الشاعر خليل حاوي، تجربة عظيمة قائمة على التوافق بينها و بين حركة الواقع في حقبة من تاريخ الأمة العربية، و على قدرته على تجاوز ذلك الواقع و تخطيه، و على معاينة ملامح الواقع المرعب المنتظر.
بدر شاكر السياب:
تناول السياب في الكثير من قصائده معاني الموت و البعث، فعبر عن طبيعة الفداء في الموت، معتقدا أن الخلاص لا يكون إلا بالموت، بمزيد من الأموات و الضحايا كما في قصيدة " النهر و الموت"
لقد عمل السياب على استثمار الإطار الأسطوري ليحول الموت إلى فداء، ليجعل الفداء ثمنا للموت، كما فعل في قصيدة " المسيح بعد الصلب " مثلا حين استخدم رمز المسيح للتعبير عن فكرة الخلاص.
و يرى الكاتب أن إدراك السياب لجدلية الحياة و الموت، و تحويل الموت إلى فداء، قد يكون له علاقة بمزاجه، أو التركيب الغريب لعقله الباطن، و يقر الكاتب أن السياب عرف كيف يفيد من ذلك في تتبع معاني الحياة و الموت على مستوى الواقع الذاتي و الحضاري.
عبد الوهاب البياتي:
تحمل أشعار البياتي قضية الصراع بين الذات و موت الحضارة و بعثهما، من خلال جدلية الأمل و اليأس، و قد تمت صياغة هذه القضية في أشعار البياتي من خلال ثلاثة منحنيات هي:
1. منحنى الأمل : و فيه انتصار ساحق للحياة على الموت، و تمثله الأعمال الشعرية التالية : ( كلمات لا تموت / النار و الكلمات / سفر الفقر و الثورة )، إذ يظهر الشاعر مناضلا يعيش الأمل لصالح الحياة، فيغدو السقوط حياةً و الهزيمة انتصارا و الموت حياةً.
2.منحنى الانتظار: و فيه تتكافأ الحياة مع الموت و يمثله ديوان (الذي يأتي و لا يأتي )و فيه أربعة خطوط هي: خط الحياة و خط الموت و خط الاستفهام و خط الرجاء و التمني.
3.منحنى الشك: يتم فيه انتصار الموت على الحياة، و يمثله ديوان (الموت و الحياة)، و هو يكشف زيف النضال العربي، لأنه لا موت بدون نضال و لا بعث بدون موت.
يصل الكاتب إلى حكم مفاده أن قدرة البياتي على كشف الواقع هي سبب اهتمامه بالموت، و أن اهتمامه بالحياة مصدره إيمانه بالثورة، و الصراع بين الحياة و الموت. و أنه من كل ذلك تفجرت صور الأمل و اليأس و صور القلق و الانتظار.
خلاصة الفصل:
لم يغفل المجاطي، و هو ينهي مقاربته هذه التجربة، التنويه بإضافتها النوعية المتمثلة في المضامين و كشف الواقع و استشراف المستقبل، مما جعل منها تجربة مرتبطة بحركة التاريخ خلال العشرين سنة الفاصلة بين النكبة و النكسة، رغم كونها لم تأت أكلها، و يحدد الكاتب العوامل التي حالت دون وصول هذه التجربة للجماهير العربية في:
1.عامل ديني قومي: الخوف مما يمكن أن تمثله هذه التجربة من تطاول على التراث باسم الشعر.
2.عامل ثقافي: وقوف جماعة من الشعراء و النقاد في وجه ما هو جديد.
3.خوف الحكام من المضامين الثورية لهذه التجربة، مما جعلهم يلجأون إلى المصادرة و المنع و السجن و النفي.
الفصل الرابع الشـكـــل الجـــديـــد
تقديـــــــــــــــم:
إذا كان لكل تجربة شعرية إطارها السوسيوتاريخي، فإن لها كذلك أدواتها التعبيرية و وسائلها الفنية التي تمدها بالقيمة الجمالية لتجعل منها تجربة متميزة متكاملة في البناء العام للقصيدة و اللغة و طريقة التعبير و توظيف الصور البيانية و الرموز و الأساطير .
و لأن الشكل الفني ليس قالبا أو نموذجا أو قانونا ، بل هو حياة تتحرك أو تتغير، فقد حرص الشاعر العربي الحديث على تجاوز الشكل القديم، فأقام بناءً من التحولات التي خلخلت العناصر الأساسية للشكل الشعري، مثل اللغة و الإيقاع و التصوير... و هي تحولات كان لها أثر كبير على سياق القصيدة و بنائها العام أيضا.
فما التحولات التي رأى المجاطي أنها أصابت عناصر الشكل الشعري في القصيدة العربية الحديثة ؟ .
1/ تطور اللغة في الشعر الحديث:
يرى أحمد المجاطي أن لغة الشعر الحديث تتصف بكثير من الخصائص التي لايمكن أن تظهر من دراسة ديوان واحد، بل تحتاج لكثير من التأمل و البحث في لغة الشعر الحديث، و هي الخصائص التي يسميها الناقد ب ( المميزات الثورية للغة الشعر الجديد) و منها :
·النفس التقليدي في لغة الشعر الحديث: لغة جزلة و عبارة فخمة و سبك متين، على غرار الشعر القديم ، وتبدو هذه الخاصية عند السياب في دواوينه القديمة و المتأخرة، خاصة قصيدته " مدينة بلا مطر" و قصيدة " منزل الأقنان" .
·البعد عن لغة الحديث اليومية: كما عند أدونيس و البياتي و محمد عفيفي مطر و صلاح عبد الصبور...، إذ تبتعد لغة الشعر عندهم عن لغة الحديث الحية بعدا يمنح مفرداتها قيما و دلالات مغايرة لما تحمله في الاستعمال الشائع.
·السياق الدرامي للغة الشعر الحديث: كما نجد عند محمد مفتاح الفيتوري في قصيدته " معزوفة لدرويش متجول" إذ يشغل لغة درامية متوترة نابعة من صوت داخلي منبثق من أعماق الذات، و متجها إليها.
2/ التعبير بالصورة في الشعر الحديث:
لقد تجاوز الشاعر الحديث الصور البيانية المرتبطة بالذاكرة التراثية عند الشعراء الإحيائيين، و الصور المرتبطة بالتجارب الذاتية عند الرومانسيين ، إلى صور تقوم على توسيع مدلول الكلمات من خلال تحريك الخيال و التخييل و تشغيل الانزياح و الرموز و الأساطير و توظيف الصورة/ الرؤيا و تجاوز اللغة التقريرية المباشرة إلى لغة الإيحاء.
و لعل تجاوز الشاعر للصورة البيانية قد ساهم في إبعاد تجاربه الشعرية عن دوق عامة الناس، مما منحهم نوعا من التبرير لوصف الشعر الحديث بالغموض.
3/ تطور الأسس الموسيقية للشعر الحديث:
إن الشاعر الحديث و هو يسعى إلى بناء نظام موسيقي جديد، لم يكن يهدف إلى هدم الأصول الموسيقية الموروثة، بل كان غرضه أن يتحرر من بعض القيود بالقدر الذي يمنح له من الحرية ما يسعفه في التعبير عن عواطفه و أحاسيسه و فكره... و لاشك في أن ذلك القدر من الحرية الذي تمتع به قد أتاح له أن يطوع تلك القوانين و أن يطورها ، و أن يضيف إلى الخصائص الجمالية للبحور التقليدية ، خصائص جمالية أخرى تستمد أصولها من التطور الذي أصاب المضامين الشعرية نفسها.
لقد وجد الشاعر نفسه، قديما، متقبلا خاضعا لقيود صرامة البيت و سياقه الهندسي، مما عطل تطور نظام موسيقى الشعر حتى أواخر العقد الخامس من القرن العشرين، حيث تحققت تطورات في الإطار الموسيقي للقصيدة العربية منها:
·تجاوز نظام الشطرين لصالح السطر الشعري.
·السطر الشعري قد يطول و قد يقصر بحسب ما يتضمن من نسق شعوري أو فكري.
·طول ذلك السطر قد يتراوح ما بين تفعيلة واحدة و تسع تفعيلات.
·إذا كان عدد التفعيلات في أية قصيدة تراثية محدداً و محصوراً تتوزعه الأعجاز و الصدور، فإن التفعيلات في القصيدة الحديثة تمثل عدداً لا يحيط به الحصر.
·ينظم الشاعر الحديث على ستة بحور هي المعروفة بالصافية و هي: الهزج (مفاعيلن)، و الرمل (فاعلاتن)، و المتقارب (فعولن)، و المتدارك (فاعلن)، و الرجز (مستفعلن)، و الكامل (متفاعلن).
·أصبح بمقدور الشاعر أن يستخرج من البحر الواحد أكثر من بناءٍ موسيقي واحدٍ.
·امتاز نظام التفعيلة بالمرونة و الطواعية.
·الخلط بين البحور داخل قصيدة واحدة، في محاولة لتفتيت وحدة البيت فيها، كما عند السياب في قصائده من ديوان " شناشيل ابنة الجلبي"، و أدونيس في قصيدة" مرآة لخالدة" من ديوان " المسرح و المرايا".
يرى أحمد المجاطي أن البحور المختلطة رغم ما تتوفر عليه من طاقات موسيقية كبيرة فهي لم تستغل لأسباب منها:
1.مسألة الزحاف : تولد إحساسٌ بالرتابة و الملل ناتج عن اعتماد التفعيلة كوحدة إيقاعية ثابتة، و لتكسير حد القافية و منحها مزيدا من التنوع و التلوين، لجأ الشاعر الحديث إلى الإكثار من استعمال الزحاف، فكان أن حصل الشاعر على أكثر من إيقاع من دون أن يلجأ إلى البحور المختلطة.
2.تنويع الأضرب : بهدف التنويع في الإيقاع و التلوين في النغم، عمد الشاعر الحديث إلى:
·توظيف تفعيلات تعود إلى أصل واحدٍ، كما في أبيات عبد الصبور ( مستفعلن ).
·تنويع الأضرب دون الاكتراث بقيود القافية.
·إدماج بعض البحور المتشابهة في بحر واحدٍ، مثل: الرجز و السريع.
3.فاعل في حشو الخبب : تظل مسألة تنويع الأضرب و القافية تلوينات مقبولة و ملتزمة بقوانين علم
العروض، إلا أن الخروج عن هذه القوانين يتمثل في استعمال (فاعل) بدل (فاعلن) في حشو بعض
أبيات الشعر الحديث، و هو خروج أصبح متفشيا في كثير من قصائد الشعر المعاصر الجديد، و مستساغا من قبل " الرأي العام" على حد تعبير كل من محمد النويهي و عز الدين إسماعيل.
4.مسألة التدوير : إن حركة المشاعر و الأفكار و الأخيلة قد تأخذ شكل دفقة تتجاوز، في اندفاعها،
حدود الشطر أو البيت الشعريين، مما نتج عنه نتيجتين:
·الأولى: تبرز في التعبير عن الدفقة دون الوقوع في التدوير، و بالتالي اللجوء إلى استعمال تفعيلة خماسية أو تساعية كما ورد عند نازك الملائكة و خليل حاوي.
·الثانية: و تظهر في اتساع الدفقة الشعورية و بالتالي الوقوع في التدوير الذي يتخلص من صرامة البيت ذي الشطرين و من انتظامه في نسق هندسي رتيب.
4/ نظام القافية في الشعر الحديث:
يمكن تلخيص التغييرات التي مست القافية باعتبارها جزءاً من البناء العام للقصيدة في ما يلي:
* الالتزام بالقافية باعتبارها نظاما إيقاعيا دون الالتزام بحرف روي واحدٍ.
* الربط بين إيقاع البيت و إيقاع القافية.
* التخلي عن القافية باعتبارها المرمى الأفقي النهائي للجمل المختلفة، و جعلها محطة وقوف اختيارية تستجمع فيها الدفقة الشعورية أنفاسها.
* جعل القافية لبنة حية في البناء الموسيقي العام للقصيدة.
* إخضاع البناء الموسيقي لحركة المشاعر و الأفكار.
* الابتعاد عن النزعة الهندسية الحادة التي عُرفت بها القوالب الموسيقية التقليدية .
و يرى الكاتب في آخر الكتاب أن الحداثة من العوامل التي كانت وراء وصف الشعر العربي الحديث بالغموض، إلى جانب ما تتطلبه القصيدة الحديثة من إعمال للجهد و استلزام لذوق قرائي جديد ، ثم انفصال هذا الشعر عن الجماهير ما دام لا ينزل معها إلى ساحة المقاتلة و النضال و الصراع ضد قوى الاستغلال و البطش و لا يشاركها في معاركها الحضارية .
القضايا النقدية في كتاب " ظاهرة الشعر الحديث"
إن قراءة كتاب أحمد المجاطي تجعلنا نقف على جملة قضايا نقدية عمل الكاتب على طرحها و مناقشتها و إبداء رأيه وفيها، و يمكن إجمال أهم هذه القضايا في ما يلي :
1. دور التجربة الذاتية:
يخلص المجاطي إلى أن تطور الشعر عموما يتنج عن تحقق عاملين يتمثلان في الاحتكاك بالثقافات و الآداب الأجنبية، و توفر مقدار من الحرية للشعراء يمكنهم من التعبير عن تجاربهم. و قد أدى تفاعل هذين العاملين في الشعر العربي الحديث إلى ظهور تيارات مختلفة في الخصائص و متفقة في الهدف ( إخراج الشعر العربي من إطار التقليد إلى حدود التعبير عن التجربة الذاتية كما يعيشها الشاعر)، منها الديوان و أبوللو و الرابطة القلمية... و قد أرجع المجاطي سبب الاهتمام بقضية الذات في الشعر العربي إلى :
* ظهور البورجوازية الصغيرة على مسرح الأحداث في مصر، و الالتحام بيم الأجيال الصاعدة و بين الحضارة الحديثة.
* معاناة شخصية الفرد المصري من انهيار تام ، و محاولة إعادة الاعتبار إلى ذاته المسحوقة.
* تشبع شعراء هذه التيارات بالفكر الحر، مما مكنهم من فرص التعبير عن أنفسهم بكل حرية.
و إذا كان شعراء هذه التيارات قد استطاعوا التمرد على بنية القصيدة التقليدية و موضوعاتها، فإنهم قد ظلوا حبيسي معاني اليأس و التردد و القناعة و الاستسلام، رافضين الانفتاح على الحياة المتجددة، حتى أثروا في من جاء بعدهم، فتشابهت التجارب، و كثر الاجترار، وقلت فرص الجِدة و الطرافة.
2. الاغتـــراب:
يرى بعض الدارسين أن قضية الاغتراب في شعرنا الحديث ليست إلا نوعا من التأثر بأحزان الشاعر الأوروبي الحديث(شعر ت.س.إليوت) ، إلا أن المجاطي ينظر إلى هذه القضية في شموليتها و كليتها، ذلك أن الشاعر العربي الحديث إذا كان قد تأثر بهذه الرؤية الوافدة ، فإنه قد استجاب لها لأن الواقع العربي يتوفر على مشيرات كافية تسمح له بذلك.
إن أبعاد قضية الاغتراب و الحزن في شعرنا العربي الحديث تدور كلها حول موقف الذات الواعية من الكون و من المجتمع و من نفسها . و هي في محاولتها التوازن تبحث عن كل وسيلة، تبحث عن الموت نفسه، كما تبحث عن الجنون، فإن عز منالها فإنها تبحث عن الحب، و لكن الحب نفسه يكون قد مات مع فقدان القدرة عليه، فلا يبقى إلا الضياع.
و الحق أن نزعة الاغتراب و الحزن في شعرنا الحديث قد أضافت إلى التجربة الشعرية بعامة آفاقا جديدة زادتها ثراءً و خصباً، كما أنها ولدت طاقات تعبيرية لها أصالتها و قيمتها .
3. اللغة في الشعر الوجداني:
يرى المجاطي أن سهولة اللغة تعتبر من خصائص الشكل في القصيدة الوجدانية الحديثة، و المقصود بالسهولة الاقتراب من لغة الحديث المألوف. و أن الشاعر الوجداني لم يكن يلجأ إليها للتعبير عن همومه اليومية الصغيرة فحسب، بل عبر بها عن تجارب أعمق و أشد تجريدا.
كانت بواعث الشعراء الوجدانيين في هذا السياق تتمثل في التحرر من الرؤية التقليدية في التعامل مع اللغة العربية بالتراث الشعري و النثري. فإذا كانت بواعث الإحياء موضوعية مرتبطة بالبحث عن مخرج من وهاد التخلف التي آل إليها الأدب العربي عموما في عصور الانحطاط، فإن بواعث الشعراء الوجدانيين ذاتية تهم اختيار أنسب الوسائل اللغوية للتعبير عن حقيقة الذات و جوهرها دون تكلف أو تقليد.
4. موضوعة الحياة و الموت :
اقتنع العديد من الشعراء العرب بأن موت الحضارة العربية ليس موتا نهائيا، بل هو المرحلة الضرورية التي تسبق البعث و الانبعاث، و هو فاتحة لعصر جديد. و قد وجدوا في الأساطير و الرموز الحضارية التي تعتبر أن الانبعاث يأتي بعد الموت ( أساطير: الفينيق أو عشتار أو الخضر...)، مجالا واسعا لتأكيد تصورهم ذاك، إلا أن تعامل شعراء الحداثة مع هذا الموضوع تم بطرق مختلفة : ( أدونيس: التحول عبر الموت )، ( خليل حاوي: معاناة الموت و الحياة )، ( السياب: الفداء في الموت )، ( البياتي: جدلية اليأس و الأمل).
5. الشعر الحديث رؤيا :
يقدم مضمون الشعر العربي الحديث رؤى استشرافية متراوحة بين الأمل واليأس حسب طبيعة الشعراء و خلفياتهم، و كيفية تفاعلهم مع الواقع . و قد دافع المجاطي عن رؤيا شعراء الحداثة و رفض تحميلهم جزءاً من أسباب النكبة.
و تبدو قضية الرؤيا مرتبطة بمدى تأثير القصيدة الحديثة على المتلقي العربي، هذا التأثير الذي كان ضعيفا لأن الصلة بين هذا الشعر و القارئ العربي لم تكن موصولة لدواعٍ سياسية و دينية و قومية.
6. الغموض في الشعر الحديث :
يرى المجاطي أن هذا الشعر ليس غامضا في ذاته، و أن مرد هذا الغموض المفترض إلى تجديد شكل القصيدة و التغيير في نظامها الإيقاعي و تطوير صورها و كذا توظيف الرموز و الأساطير و الانفتاح على الثقافة الإنسانية مع ما يتطلبه الأمر من وجود قارئ مؤهل و ملم بهذه المرجعيات، إضافة إلى عدم تواصل الجماهير مع هذا الشعر لأسباب دينية و سياسية و قومية. كل هذه الأسباب و غيرها أدى إلى الحكم علي هذا الشعر بالغموض.
7. الشعر الحديث و الثورة و الجماهير:
يعتقد المجاطي أن الثورية الموجودة في الشعر العربي الحديث كانت واحدة من العوامل التي دفعت الحاكمين إلى التخوف منه، و العمل على خلق فجوة بينه وبين الجماهير. يضاف إلى ذلك التخوف القومي و الديني الذي اعتبر أن هذا الشعر يعمل على تحطيم المرتكزات الأساسية للأمة، و التخوفات السياسية المرتبطة بالخوف من المضامين الثورية لهذا الشعر، المتماهية مع مفهوم الالتزام الذي ساعد في توجيه حركة الحداثة الشعرية في بداياتها، و جعلها تبحث عن التفاعل مع القضايا العامة، و تبحث عن مقومات تساعد على تطوير المكونات الفنية.
8. مقومات التطوير في القصيدة الحديثة:
ينطلق تصور الكاتب من أن التجديد ينبغي أن يكون كليا، و إلا فإنه ليس تجديداً. و لذلك نجده ينتصر للقصائد التي طورت المضامين و الأشكال و اللغة و الصور، على حساب تلك التي جددت المضامين و اللغة و أهملت الجوانب الأخرى.
لقد دافع المجاطي عن التطوير الشامل، لكنه ظل معتدلا في تناوله لبعض الجوانب مثل :
·اللغة الشعريــة: التي أكد أنها لا ينبغي أن تكون مماثلة للغة اليومية، لأن ذلك سيجعلها أكثر اقترابا من السطحية.
·موسيقى الشعر: رفض المجاطي اعتبار الشعر الحديث ظاهرة عروضية ، و أكد أن ما أصبح يتحكم في هذه الموسيقى هو الدفقة الشعورية التي توجه الجمل الشعرية و الأسطر الشعرية و الأبيات.
·الصور البيانية: عرفت تطورا مهما باعتمادها الرموز و الأساطير، و لم تعد مجرد صور جزئية متفرقة، بل غدت صورا مرتبطة بالقصيدة كلها ، وبشعر الشاعر ككل.
القراءة الهيكلية الجهاز المفاهيمي المعتمد في الكتاب
تـــقــديـــم:
تعتمد كل دراسة نقدية كل جهاز مفاهيمي يوظفه الكاتب في مقاربة موضوعه ، و هذا الجهاز يتميز بوجود شكل من أشكال التطابق و الانسجام بين الموضوع المدروس و الأدوات و الوسائل المنهجية المعتمدة.
و لأن الجهاز المفاهيمي في كتاب " ظاهرة الشعر الحديث" للأستاذ أحمد المجاطي ، جهاز متشعب ، يستحيل جرد كافة مفاهيمه، في مقاربة مثل هاته، فسنكتفي باستخراج المفاهيم المحورية و الأكثر إفادة في دراسة الكتاب، و التي يمكن أن نذكر منها:
1. الشكل الجديد:
يقصد به الكاتب الحالة الجديدة التي أصبحت عليها القصيدة العربية الحديثة إثر تغير مضامينها و محتوياتها، مما يثبت العلاقة الجدلية بين الشكل و المضمون في الإبداع الأدبي ، فكلما تحول مجال اهتمام المضامين، و تغيرت طبيعة القضايا الصادرة عنها، كلما تحول الشكل التعبيري و الصياغة الفنية و الجمالية التي تعرض من خلالها هذه المضامين. و تتمثل المكونات البنائية التي مسها التحول و التغيير في :
* لغة القصيدة. * صور القصيدة . * بناء القصيدة . * موسيقى القصيدة.
2. الغربة / الاغتراب:
يعتبر هذا المفهوم من أكثر المفاهيم تداولا في الكتابات التي تطرح مشاكل المجتمع الحديث. و رغم تعدد و تباين تعاريف هذا المفهوم، فإن هناك عناصر مشتركة بينها هي : الانسلاخ عن المجتمع/ العزلة أو الانعزال/ العجزعن التلاؤم / الإخفاق في التكيف مع الأوضاع السائدة/ اللامبالاة/ عدم الشعور بالانتماء/ عدم الشعور بمغزى الحياة .
إن الغربة التي أحس بها الشاعر الحديث ناتجة عن إحساسه بأنه يعيش وسط أبناء جنسه غريبا عنهم، إنه اغتراب عن مجتمع انعدمت فيه القيم . و الشاعر الحديث، إذ يشعر بالاغتراب عن منابع ذاته الحقيقية، يشعر في الوقت نفسه بالخيبة و الألم ، فينمو لديه شعور حاد برفض النظام الذي يسير عليه العالم، وبرفض نفاق العصر و مجتمع الحياد و اللامبالاة، مجتمع الأوهام و الحقائق المزيفة و العلم الميت. و من تم يجد الشاعر نفسه عاجزا عن توكيد ذاته في الديمومة أو التاريخ . إنه يتحرك في زمن جزئي متقطع يسحقه و يبعثره. لذلك فالشعر عنده يبقى خيمة مسكونة بالحسرات، و فضاءً مملوءاً بالتجاويف و صدإِ الغيثِ.
3. اللاشعور الجمعي:
و هو مفهوم صاغه كارل غوستاف يونغ، و يعني أن اللاشعور يستمد تجاربه من الموروث الإنساني العام ، و ليس من تجارب الفرد الشخصية فقط. و هذا ما جعل الحديث عن هذا المفهوم برتبط بالحديث عن الرموز التي كررها الإنسان في كل زمان و مكان، و شكلت النماذج الأصلية التي كثيرا ما توجه السلوكات و التمثلات البشرية شأنها في ذلك شأن الأساطير التي تشكل خلاصة التجربة البشرية عبر كل الأزمنة، لذلك لم يكن مستغربا أن يجد القارئ تشابها بين مضامين الكثير من الأساطير و الرموز.
4. لغة الشعر:
مصطلح يطلق على اللغة التي تمنح الإبداع ما يميزه عن الكلام اليومي و المتداول، فرغم أن المواد التي يعتمدها الشاعر هي نفسها التي يستعملها كل متكلم، إلا أن الوظائف التي تؤديها لغة القصيدة تختلف عن غيرها. ذلك أن المواد الصوتية و المعجمية و التركيبية و الدلالية توظف بطريقة تمنح للوظيفة الشعرية الأولوية على غيرها من الوظائف الأخرى، وذلك بخلقها أثرا جماليا يجعلها منزاحة عن اللغة اليومية أو اللغة العلمية أو غيرها من اللغات التي تبحث عن تواصل مباشر و شفاف.
5. الرؤيا:
يقصد بشعر الرؤيا ذلك النمط من الإبداع الشعري القائم على إنتاج نصوص بوعي مسبق يرفض محاكاة النماذج الشعرية السابقة، و يؤمن بأن الإبداع يقع خارج المتداول و المألوف، و أنه ليس تصويرا للواقع، بل هو كشف جديد لعلاقاته الضمنية و غير المباشرة، و أن الأشياء المادية و المحسوسة و المعيشة ليست سوى تفاصيل و جزئيات يتجاوزها شاعر الرؤيا بتشييده لرؤياه التي تغوص في أعماق الحقائق غير المرئية مستحضرة تجربة الذات في تفاعلها مع التجربة المجتمعية و الإنسانية و هو ما يفسر توظيفه للرموز و الأساطير
أحمد المجاطي
مداخل لدراسة المؤَلف :
المدخل الأول : النقد من حيث هو مفهوم
يعتبر النقد عملية وصفية تنطلق مباشرة بعد الإبداع، و تكون غايتها قراءة الأثر الأدبي،و مقاربته بهد ف استقصاء مواطن الجودة و النقص فيه.
و يرتبط النقد في الغالب بالوصف و التفسير و التأويل و الكشف و التحليل و التقويم، و ينصب كل ذلك على النص أو الأثر المنقود.
و يمر العمل النقدي عبر مجموعة من الخطوات و المراحل ، يمكن ترتيبها مثل ما يلي:
* قراءة النص أو الأثر المنقود و ملاحظته.
* تحليل مضمونه وشكله.
* تقويمه إيجابا و سلبا.
* توجيه المبدع من خلال عملية تغذية راجعة *(feed back)، يمده بها العمل النقدي.
و من أهم وظائف النقد توجيه دفة الإبداع، وإضاءة الطريق للمبدعين المبتدئين و لكبار الكتاب على حد سواء. وكشف مواطن القوة و الضعف في الأثر الإبداعي، و التمييز بين الجودة و الرداءة، و الطبع و التكلف، و الصنعة و التصنع. كما يعرف النقد المبدعين بما وصل إليه الإبداع من تطور، في النظرية و الممارسة، و يجلي لهم طرائق التجديد و مدارسه و تصوراته الجمالية و الفلسفية و الفنية، قصد إبعادهم عن التقليد .
المدخل الثاني:المسار النقدي الأدبي في المغرب في القرن العشرين
إذا كان النقد الأدبي فاعلية قرائية بعدية تتطلب مادة إبداعية قبلية تقرأها و تشتغل عليها و تستولد منها و حولها أسئلتها و تأملاتها و إشكالاتها البانية لخطابها و المحركة لوتائرها، و هو يتطلب "وعيا" نظريا و منهجيا، يضبط صنيعه و يجعله على بينة كافية بالصنيع الأدبي الذي يتعامل معه، فإنه لم يكن بالإمكان ، قبل ستينيات القرن العشرين، الحديث عن "مشهد نقدي" في المغرب، وإنما كانت هناك كتابات لبعض الأدباء المغاربة هي عبارة عن ردود عفوية و ملاحظات انطباعية تقييمية، أكثر منها كتابات نقدية. ومن هؤلاء الأدباء نذكر: عبد الله كنون، و أحمد زياد، و عبد الرحمان الفاسي، و محمد بلعباس القباج...
كانت ستينيات ق20، نقطة انطلاق "الوعي" النقدي الحديث في المغرب، و كانت وراء هذه الانطلاقة عوامل و ملابسات سوسيوثقافية، يمكن تلخيصها في الآتي :
1/ حصول المغرب على استقلاله السياسي و تفرغه لمشاكله الداخلية.
2/ انطلاقة الجامعة المغربية، و تأسيس كلية الآداب و العلوم الإنسانية.
3/ ظهور أعمال أدبية تنتمي لأجناس أدبية حديثة.
4/ الازدهار النسبي للصحافة الأدبية ( ملاحق ثقافية، مجلات أدبية متخصصة)
5/ انفتاح المغرب على لحركة الثقافية و الأدبية في المشرق العربي (القاهرة، بيروت، بغداد).
6/ تأسيس اتحاد كتاب المغرب، و مساهمته في التحسيس بسؤال الثقافة و الأدب .
تضافر هذه العوامل وغيرها، كان حافزا للوعي النقدي الحديث في المغرب، و كان صدور بعض الأعمال الروائية و الشعرة على الخصوص، أوائل ستينيات ق 20، فرصة سانحة أطلقت النقد المغربي الحديث، و لعل أبرز من مثل هذه الحقبة هم: محمد برادة، و أحمد اليابوري، و محمد السرغيني، و أحمد المجاطي، و حسن المنيعي، و إبراهيم
السولامي.
لقد تخرج على أيدي هؤلاء الأساتذة و غيرهم، مع طلائع سبعينيات ق 20، جيل جديد من النقاد و المبدعين هم الذين سيؤثثون المشهد النقدي المغربي بعطائهم،و هم الذين سيملأون فضاءه بأصواتهم و أفكارهم، و ستتفرع معهم الأنحاء التي انتحاها النقد في المغرب بعد ذلك، من نقد شفوي، و صحفي، و جمعوي، و جامعي، و سجالي...
و قد ساهمت هذه الجهود، بلا شك، في التأسيس لوعي نقدي جديد، يتوخى إعادة النظر في شروط القراءة و أدبية النص المقروء، لكنها لم تخل من هنات أجملها ذ. نجيب العوفي في أربع هي :
1/ المنهاجوية : ويقصد بها ارتهان الناقد غير المشروط للمنهج على حساب النص المقروء.فيستعاض عن المبدإ المعروف( النص و لا شئ غير النص) بمبدإ مضاد ( المنهج و لا شئ سوى المنهج). فتكون النتيجة الحتمية آخر المطاف هي اغتراب النص، و المنهج، و الناقد، و المتلقي.
2/ الارتحال السريع بين المناهج و النماذج : الذي تحول عند البعض إلى قطيعة قسرية بين المحطات المنهجية، و إلى سلسلة من النواسخ و المنسوخات.
3/ غياب النقد عن النقد : و هيمنة النزعة الوصفية التحليلية على النزعة التقييمية التأويلية، مما يجعلنا، في آخر التحليل، تجاه خطاب علموي شكلاني متعال، غايته الأولى ة الأخيرة، أن يعيد كتابة النص و يفكك أجزاءه و عناصره، ثم يعيدها إلى أماكنها أو يتركها لحما على وضح. و من تم تتساوى النصوص المقروءة و توضع في سلة واحدة.
4/ غياب شخصية الناقد في قراءته و ارتباك لغته النقدية، معجما و مصطلحا.
و قد استمر النقد العربي في المغرب، على عواهنه، يصارع كل أشكال النقص فيه، و يحاول أن يؤسس هويته العربية المغربية ، لكن طريقه لتحقيق ذلك لا زال يبدو طويلا، و مليئا بالأشواك، والمطبات ، التي نتمنى أن يتجاوزها من سيأتي في هذا القرن الواحد و العشرين.
المدخل الثالث : صـاحــب المــــؤَلــــف
جمع أحمد المجاطي بين خاصيتي الإبداع و النقد لذلك جاءت كتاباته مفيدة و مقنعة في آن معا. و كان قد ولد في الدار البيضاء سنة 1936، تلقى دراسته بين الدار البيضاء و الرباط ودمشق . و درس بكل من جامعة محمد بن عبد الله بفاس و جامعة محمد الخامس بالرباط. اعتبر من المؤسسين لحركة الحداثة الشعرية بالمغرب. فاز بجائزة ابن زيدون للشعر التي يمنحها المعهد الإسباني/ العربي للثقافة بمدريد عام 1985، كما فاز بجائزة المغرب الكبرى للشعر سنة1987.
توفي أحمد المجاطي سنة 1995، مخلفا وراءه عطاءً متميزا في الشعر و النقد و التدريس.
المدخل الرابع : طبــــيعــة المــؤَلَف
يعتبر كتاب " ظاهرة الشعر الحديث" دراسة نقدية تتبع مسار تطور الشعر العربي الحديث، و البحث في العوامل التي جعلت الشاعر العربي الحديث ينتقل من مرحلة الإحياء و الذات إلى مرحلة التحرر من قيود التقليد، مع رصد العوامل و التجارب التي غذت التجديد في الشعر العربي :
·على مستوى المضمون: من خلال تجربة الغربة و الضياع، و تجربة الموت ، مع ما ميز كل تجربة من
مظاهر و خصوصيات.
·على مستوى الشكل و البناء الفني: في اللغة و السياق و آليات التعبير و خاصة الصورة الشعرية و الأسس الموسيقية.
دراســـــة الـــكـــتـــاب
الـقراءة الـمضمونــيـة:
الفصـــــــل الأول : التطور التدريجي في الشعر الحدـيث.
القسم الأول: نحو مضمون ذاتي.
·الشعر العربي القديم:
أمران مهمان يحددان التطور في الشعر العربي،عند أحمد المجاطي، هما: الحرية و الاحتكاك بالثقافة الأجنبية.
و في الشعر العربي القديم لم يتحقق هذا التطور إلا جزئيا، في مرحلتين:
◄ في العصر العباسي، مع شعراء رفعوا لواء الحداثة الشعرية و التحول، أمثال: أبي نواس،
و أبي تمام، و المتنبئ.
◄ في شعر الموشحات الأندلسية خاصة على مستوى الإيقاع العروضي.
و مع هيمنة معايير القصيدة العمودية التي كان يدافع عنها نقاد اللغة ظل هذا التجديد محدودا و ضئيلا.
نستنتج أن الشعر العربي القديم ظل – في مجمله - ثابتا و محافظا على الأصول، و لم يحقق تطورا ملحوظا بسبب انعدام الحرية الإبداعية و ضعف الاحتكاك بالثقافات و الآداب الأجنبية.
·التيار الإحيائي :
كانت العودة إلى التراث الشعري العربي في مراحل إشراقه، أهم مرتكز يقوم عليه التيار الإحيائي قصد
تجاوز ركود عصر الانحطاط و مخلفات كساد شعره و الخروج من الأزمة الشعرية التي عاشها شعراء عصر النهضة.
و يعتبر محمود سامي البارودي أهم زعماء هذا التيار، إذ نظم شعره متوسلا بالبيان الشعري القديم، مما جعل هذا التيار حركة تقليدية محافظة جراء مجاراتها طرائق التعبير عند الشعراء القدامى، و وضعف اطلاع أصحابه على الآداب الأجنبية.
·التيار الذاتي:
تداخلت عدة عوامل سياسية و اجتماعية و تاريخية، للدفع نحو تجاوز شعار العودة إلى التراث، و الأخذ بشعار البحث عن الذات الفردية و الإعلاء من شأنها، مما أنتج تيارا ذاتيا في الكتابة الشعرية العربية الحديثة، تشكل عبر الجماعات الأدبية الآتية:
(أ)جماعة الديوان:
و تضم كلا من العقاد و شكري و المازني، الذين آمنوا بأن الشعر وجدان، لكنهم اختلفوا في التعبير عن هذا الإيمان، مما أعطى تمايزا في مضامين إبداعهم الشعري، يمكن تجسيده كالآتي:
العقاد شكري المازني
- "مفكر قبل أن يكون شاعرا"
- غلب التفكير على الوجدان و الشعور
- قصيدة"الحبيب" غلب فيها المنطق العقلي على ما هو وجداني داخلي.
- من طبيعة الشعر عنده أن ينطلق من النفس بصورة طبيعية.
- تعامل مع الأشياء تعاملا مباشرا أساسه الانفعال المباشر دون تدخل من العقل أو توغل في أعماق النفس
- تأمل في أعماق الذات، و انصرف عن الاهتمام بالعقل الخالص.
- المعاني جزء من النفس تدرك بالقلب لا بالعقل،مما أنتج لديه شعر الاستبطان و استكناه أغوار الذات
نصل مما سبق إلى أن ميزة الشعر الذاتي عند جماعة الديوان هي التمايز و التفرد و التغني بشعر الشخصية،و ليس دعوة لإبداع شعر متشابه الوسائل و الغايات. و لعل مرجع اهتمام الجماعة بالعنصر الذاتي أمران:
إعادة الاعتبار للذات المصرية التي كانت تعاني من الانهيار التام .
انتشار الفكر الحر بين مثقفي و مبدعي مصر، فعبروا عن أنفسهم باعتبارها قيما إنسانية ذات وزن.
(ب) تيار الرابطة القلمية :
تجاوز مفهوم الوجدان مع شعراء الرابطة القلمية، الذات ليشمل الحياة و الكون في إطار وحدة الوجود الصوفية، فقالوا بوجود روابط خفية، تشد الكائن الفرد إلى الكون جملة، و أن من شأن هذه الروابط الرفع من مكانة الفرد، و تقريبه من الذات الإلهية حتى تغدو العودة إلى الذات عبارة عن تفتح العالم بكلياته و جزئياته، و قد اختلفت سبل العودة إلى الذات عند كل من جبران خليل جبران، و ميخائيل نعيمة، و إيليا أبي ماضي.
جبران نعيمة أبو ماضي
- انقطع إلى التأمل في نفسه، مؤمنا بأن ملكوت الله في داخل الإنسان.
- لا مجال لمحاولة التحرر من الفساد
- الصلاح و الطلاح شيء واحد، ووجودهما ضروري كوجود الليل و النهار.
- آثر حياة الفطرة على تعقد الحضارة.
- هرب بأحلامه إلى الغاب.
- قدم عن المجتمع المتحضر صورة حافلة بالضجيج و الاحتجاج و الخصومة.
- استعصم بالخيال و ركن إلى القناعة و الرضى.
- فر من الحضارة المعقدة إلى القفر أو إلى الغاب.
- عاد إلى نفسه ليتأسى روحيا.
رغم معاصرة شاعر الرابطة القلمية للمد القومي العربي، إلا أنه ظل حبيس الذات و المضامين السلبية مثل اليأس و الخنوع و الاستسلام و القناعة، مخالفا حقيقة الوعي القومي المستلزم للأفعال الإيجابية و التغيير الثوري و ترجمة المشاعر إلى الواقع العملي.
(ج) جماعة أبوللو:
أسسها الدكتور أحمد زكي أبو شادي سنة 1932، ارتكزت في مفهومها للشعر على التغني بالذات و الوجدان، إذ رأت في ذات الشاعر مصدر ما ينتج من شعره، بشكل يسمح بتعرف هذه الذات من خلال النظر في شعر صاحبها. يرى أحمد المجاطي أن معاني الشعر عند أصحاب هذه الجماعة تتميز بالسلبية نظرا لتعاطيهم مع مواضيع الطبيعة و الهروب من الحياة الواقعية إلى الذات المنكمشة، و من المدينة نحو الغاب، و اصطباغ شعرهم بالخيبة و الحرمان و اليأس بالمرارة و المعاناة من الاغتراب.
انتهت جماعة أبوللو بالانفصال و التمزق و الهجرة و الفرار، فتعددت الاتجاهات المختلفة التفاصيل، و المتحدة عند انفصال الشاعر المصري عن مجتمعه.
القسم الثاني: نحو شكل جديد.
اتخذ تطور القصيدة العربية منحى متكاملا، ارتكز على مبدإ العودة إلى الذات، إذ أدرك الشاعر الوجداني أن كل تجربة جديدة لا تعبر عنها إلا لغة تستوفي صيغتها التعبيرية و صورها البيانية و إيقاعاتها الموسيقية من التجربة نفسها. و من تم راح يعتمد للتعبير عن تجربته الذاتية أشكالا تختلف في خصائصها عما ألفه التيار التقليدي من أشكال كان مصدرها امتلاء الذاكرة و تقليد النموذج.
و يمكن إجمال خصائص الشكل في القصيدة الوجدانية في ما يلي:
·سهولة التعبير: راح الشاعر الوجداني الحديث يقترب من أحاديث الناس، موظفا لغة الحديث المألوف و لغة الشارع كما عند العقاد في قصيدة"أصداء الشارع" من ديوان "عابر سبيل"، إذ أصبحت السهولة صفة أساسية في أسلوبه.
·الصورة البيانية: صارت تعبيرية و انفعالية و ذاتية ملتصقة بتجربة الشاعر الرومانسي، يريد بها شرح عاطفة أو بيان حالة، بعد أن كانت عند الإحيائيين زخارف و أصباغا تراد لذاتها.
·الوحدة العضوية: ابتغى الشاعر الوجداني ربط العواطف و الأحاسيس و الأفكار ببعضها ربطا يظهر القصيدة بمظهر الكائن الحي، لكل عضو من أعضائه دور هام يحدده مكانه من الجسد، فربط القافية و الوزن، مثلا، بالأفكار و العواطف الجزئية لا بموضوع القصيدة بوصفه كلا موحدا، فنظموا قصائد ذات موضوع واحد و قواف متعددة و أوزان مختلفة.
هذه المحاولات التجديدية انحصرت على مستوى الشكل بفعل الحملة التي شنها النقاد المحافظون على هذه الحركة التجديدية النامية و محاولاتها المستهدفة للغة و الأوزان و القوافي و الصور البيانية.
اصطبغت نهاية هذه التيارات التجديدية بالحزن إن على صعيد المضمون أو الشكل:
فعلى صعيد المضمون: انحدر إلى مستوى البكاء و الأنين و التفجع و الشكوى، و هي معان ممعنة
في الضعف وتكشف عما وراءها من مرض و خذلان.
و على صعيد الشكـــل : فشل في مسيرته نحو الوصول إلى صورة تعبيرية ذات مقومات خاصة
و مميزات مكتملة ناضجة، و كان فشله بفعل النقد المحافظ الذي استمد قوته مما كان الوجود العربي التقليدي يتمتع به من تماسك و مناعة قبل نكبة فلسطين، و الذي سيتغير بعد النكبة.
الفصـــــــــل الثاني : تجربة الغربة و الضياع.
لم يكنِ الشاعر العربي الحديث بمعزل عن المؤثرات العامة المحيطة به، بدءاً بواقع الهزيمة الأسود مع نكبة فلسطين عام ، مرورا بالمد القومي الوليد، وصولا إلى انهيار الواقع العربي و ما أحدثه من زرع الشكوك في نفوس المثقفين و المبدعين، و إسقاط كل الوثوقيات العربية التقليدية و الثوابت المقدسة و الطابوهات. لقد مكنت كل هذه الاهتزازات الشاعر العربي الحديث من خلخلة الثوابت، و الانفتاح على ثقافات العالم، شرقه و غربه، و كذا على التراث العربي، فكان :
1/ استيعاب الروافد الروافد الفكرية القادمة من الشرق، ( مذاهب صوفية، تعاليم متحدرة من الديانات
الهندية و الفارسية و الصابئة...)
2/ الاستفادة من الفلسفات الغربية الحديثة ، من وجودية و اشتراكية...
3/ التفاعل مع أشعار: بابلو نيرودا، و بول ايليوار، و لويس أراكون، و كارسيا لوركا،
و ماياكوفسكي، و ناظم حكمت، و توماس إليوت....
4/ التأثر بأشعار جلال الدين الرومي، و عمر الخيام، و فريد العطار، و طاغور....
5/ الانفتاح على الثقافات الشعبية ( سيرة عنترة بن شداد، سيرة سيف بن ذي يزن،سيرة
أبي زيد الهلالي، كتاب ألف ليلة و ليلة....)
6/ التعمق في القرآن الكريم، و في الحديث النبوي الشريف.
7/ التمعن في الشعر العربي القديم.
بكل ذلك غدا الشعر العربي الحديث وسيلة لاستكشاف الإنسان و العالم تعبر عن ثمار الرؤيا الحضارية الجديدة التي استقرت عند بعض الشعراء المحدثين الكبار، من أمثال السياب و نازك الملائكة و البياتي و صلاح عبد الصبور و خليل حاوي و أدونيس و غيرهم.
و من الموضوعات التي تسجل حضورها بكثرة في الشعر العربي الحديث، تجربة الغربة و الضياع التي يرجع الدارسون عوامل بروزها إلى ثلاثة هي:
(أ ) التأثر بشعر توماس إليوت، خاصة في قصيدته " الأرض الخراب"
(ب) التأثر بأعمال بعض المسرحيين و الروائيين الوجوديين أمثال: ألبير كامو، و جون بول سارتر،
و بعض النقاد مثل: كولن ولسون، خاصة في دراسته عن اللامنتمي ، و هي أعمال ترجمت إلى اللغة العربية و ساعدت في تبني الشباب موجة من القلق و الضجر انعكست في أشعارهم
(ج) عامل المعرفة، باعتبار المعرفة سلاح الشاعر الحديث.
إلا أن أحمد المجاطي لا يقر بكون هذه المصادر هي الوحيدة التي شكلت سبب نغمة الكآبة و الضياع و التمزق، بل هو يرى أن هناك جذورا لهذه النغمة تتمثل في تربة الواقع العربي الذي حولته النكبة إلى خرائب و أطلال، ذلك أن النكبة في نظره أهم عامل في الدفع نحو آفاق الضياع و الغربة بالشعر العربي الحديث، فليس الأمر مجرد نغمة سوداء استقدمها الشعراء بقدر ما هو مأساة حقيقية مصدرها هذا الواقع المنحل و ذلك التاريخ الملوث اللذين قدر على الشاعر العربي الحديث أن يحمل لعنتهما مما يؤكد أصالة هذه التجربة و ضرورة البحث عن جذورها في الواقع، و تصوير أهم مظاهرها البارزة في القصيدة العربية الحديثة، و التي نذكر منها :
1.الغربة في الكون:
حين حلت النكبة، و طرد العربي الفلسطيني من أرضه، و نفي من أمجاده و تاريخه، و حاصرته المهانة و الذل، و انفصل عما حوله من أشياءَ و قيمٍ، مال إلى الشك في كل شيءٍ، و كان الشاعر بفعل حساسيته المفرطةِ، أبلغ من جسد هذا الميل حين جرب أن يحس بوحدته و تفرده في الكون، و تولى أمر نفسه بنفسه، فشكك في الحقائق و مال إلى التفلسف الوجودي ( الأنطولوجي )، و تفسير الكون عقلا ومنطقا، بفعل إحساسه بالعبث و القلق و المرارة المظلمة، و ممن جسد هذا الميل نذكر: صلاح عبد الصبور، و السياب، و أدونيس، و يوسف الخال .
2.الغربة في المدينة:
آمن الشاعر العربي الحديث بأن هدف الشعر هو تفسير العالم و تغييره، لذا وجد في المدينة المجال الأنسب لتحقيق هدفه، على اعتبار أنها تمثل الوجه الحضاري للأمة بكل أبعاده الذاتية و الموضوعية، و تتخذ قناعا سياسيا و اجتماعيا و ثقافيا و اقتصاديا .
لكن المدينة العربية فقدت كثيرا من مظاهر أصالتها، حين غزتها المدينة الأوربية، فأضحت بمصانعها الحديثة
و عماراتها الشاهقة و طرقاتها الفسيحة، قالبا لا يناسب واقع الأمة العربية المهزومة مما غذى إحساس الشاعر العربي الحديث بالغربة في علاقته بالمدينة مكانا و ناسا وقيما و أشياءَ، فكان أن سلك في تصوير هذه المدينة طرقا متعددة، فقد صورها في ثوبها المادي و حقيقتها المفرغة من كل محتوى إنساني، كما فعل أحمد عبد المعطي حجازي في ديوانه (مدينة بلا قلب).كما اهتم الشاعر العربي الحديث بالناس في المدينة، فقدمهم صامتين يثقلهم الإحساس بالزمن، مشغولين بأنفسهم، لا يكاد يلتفت الواحد منهم إلى الآخر.
و رغم هذه المواقف السلبية من المدينة فإن الشاعر الحديث لم يستطع الهروب منها إلى الريف أو الغاب، كما فعل الرومانسيون، فقد وجد أن المدينة تحاصره، كما عند السياب مع بغداد، إذ وجد أن الخلاص منها يكمن في الموت، كما عند صلاح عبد الصبور في قصيدة (الخروج).
3.الغربة في الحب:
فَشَلٌ ثالث يضاف إلى فشل الشاعر العربي الحديث في فهم أسرار الكون و في التأقلم مع المدينة، إنه فشله في الحب الذي بات زيفا مصطنعا و بريقا واهما، ذلك أن هموم الشاعر العربي الحديث كثيرة متنوعة، و تركيبته النفسية معقدة لا ينفع معها ترياق الحب بمفهومه الروحي أو المادي، فلم تعد المرأة بجسدها و أنوثتها و رقتها و جمالها قادرة على تخليصه من همه القاتل، بل إن العلاقة بين الزوجين تحولت إلى عداوة و قتال كما عند خليل حاوي في قصيدته (الجروح السود) من ديوانه (نهر الرماد)، و الحب يموت كما عند عبد المعطي حجازي، أو يصاب بالاختناق كما عند صلاح عبد الصبور.
4.الغربة في الكلمة:
كانت رغبة الشاعر العربي الحديث أن تكون كلمته قوة و حركة وفعلا، غير أن الزمن لم يلبث أن حول الكلمة على لسانه إلى حجر كما قال أدونيس في قصيدة (السماء الثامنة) من ديوان (المسرح و المرايا)، فعاشت الكلمة بذلك غربتها الذاتية في واقع لا يربي سوى الصدى و خنق الجهر، و قتل الكلام الصارخ، مما جعل الشاعر يلوذ بالصمت، كما فعل البياتي في قصيدة (إلى أسماء) من ديوان (سفر الفقر و الثورة) رغم كونه عذاب و سكون و حزن، حين اكتشف أن نضاله بالكلمة لن يتجاوز تصوير الواقع البشع الذي خلقته الهزيمة و حكمت عليه بمعاناته و الاكتواء بناره، دون أن تمتلك الكلمة ميزة الحركة و الفعل.
خلاصة الفصل:
هكذا شكلت هذه التنويعات الأربعة الأبعاد المختلفة لتجربة الغربة لدى الشاعر العربي الحديث و التي تبلورت في مفهوم دال واحد هو : الغربة في الواقع الحضاري، سواء تمظهرت من خلال جانب واحد أو أكثر، فقد كان هدفه الأساس هو البحث عن الخلاص الكلي إيمانا منه أن وراء كل ظلمة نوراً، و أن الموت نفسه وسيلة إلى الحياة حين لا تبقى أية وسيلة أخرى، فكان هناك ارتباط وثيق بين معاني الضياع و الغربة و معاني اليقظة و التجدد و البعث، و حصل تداخل بين بين المعاني جميعها في قصائد الشعراء المحدثين.
الفصل الثالث تجربة الحياة و الموت
لم يكن حال الأمة العربية كله مدعاة لليأس و الغربة و الضياع و السأم و الحزن، ذلك أن العشرين سنة التي تلت النكبة قد شهدت هزات عنيفة و تغيرات واسعة شملت العالم العربي كله ، مما ولد حالا آخر ممثلا في إيقاع الأمل و الحياة و اليقظة و التجدد ، بسبب ما تم إنجازه واقعيا و سياسيا بدءاً بثورة مصر سنة مرورا بتأميم قناة السويس و رد العدوان الثلاثي وصولا إلى استقلال أقطار العالم العربي...الشيء الذي انعكس في أشعار بعض شعراء هذه المرحلة، ذكر منهم أحمد المجاطي أربعة هم : بدر شاكر السياب و خليل حاوي و أدونيس 1952 و عبد الوهاب البياتي.
لقد رفض الشاعر من هؤلاء الموت، موت الحياة الذي ليس بعده بعث، و قَبلَ بموت تكون معه الحياة،فعانق بذلك الرفض و الثورة و النضال ، و التجدد و الأمل و التحول و الحياة.
يرى المجاطي أن هؤلاء الشعراء هم أفضل من يمثل هذا الاتجاه، و يعدد الخصائص التي توحد بينهم في ما يلي:
* ارتباط تجربتهم بالحياة و الموت.
* ارتباط تجربتهم بالواقع الحضاري للأمة.
* رغبتهم في الانتصار على جميع التحديات التي تواجه الذات و الكون و الزمن و الجماعة.
* استخدامهم للمنهج الأسطوري.
* استشراف المستقبل.
لقد استفاد الشاعر الحديث من مجموعة من الأساطير و الرموز الدالة على البعث و التجدد، استلهمها من الوثنية البابلية و اليونانية و الفينيقية و العربية، و من المعتقدات المسيحية و من الفكر الإنساني عامة، و من هذه الأساطير نذكر: تموز ، و عشتار ، و أورفيوس ، و طائر الفينيق ، و مهيار الدمشقي ، و العنقاء ، و السندباد ، و عمر الخيام ، و الحلاج... مما أرز منهجا نقديا و أدبيا و فلسفيا يسمى بالمنهج الأسطوري، يصوغ فيه الشاعر مشاعره و رؤاه، و مجمل تجربته في صور رمزية، يتم بواسطتها التواصل عن طريق التغلغل إلى اللاشعور حيث تكمن رواسب المعتقدات و الأفكار المشتركة.
أدونيس:
ركز الكاتب في دراسته لأدونيس على ديوانيه( كتاب التحولات و الهجرة في أقاليم النهار و الليل) و ( المسرح و المرايا )، فلاحظ أن ما يميز تجربة الحياة و الموت عند أدونيس، من خلالهما، هو صدورها عن ذات محتقنة بفحولة التاريخ العربي،في واقع يفتقر إلى الفحولة و الخصب،و محتقنة بجموح الحضارة العربية قبل أن يسلط سيف الاستعمار على عنقها.
كان موقف أدونيس من الواقع العربي المنهار هو موقف الرافض للموت، لذلك كان في شعره اتجاهان:
·اتجاه ينطلق من الحيرة و التساؤل، و البحث عن وسيلة للبعث.
·اتجاه ينطلق من اكتشاف مفهوم التحول بصفته وسيلة لدفع الواقع العربي نحو البعث و التجدد.
و الاتجاهان معا متكاملان منسجمان مع موقف احتقان الذات بفحول التاريخ العربي و إمكانية البعث، و بإمكانية التحول التي تدور حولها معاني الحياة و الموت عند أدونيس.
لقد كان المنهج الأسطوري بارزا جليا في شعر أدونيس ، عكس مفهوم التحول الذي انفلت من إطار هذا المنهج أحيانا، ليؤسس عالما شعريا لا نهاية فيه للعمليات الكيميائية بين عناصر الذات و الأشياء، و الروح و المادة و الحياة و الحصاد، من أجل أن يتحقق النصر الكامل للحياة، مما جعل شعر أدونيس أقل ارتباطا بحركة التاريخ العربي، إذ أمعن في تخطيها و تجاوزها طمعا في إقامة حوار غريب مع زمن لم يجئ بعد.
خليل حاوي:
عبر خليل حاوي في دواوينه الثلاثة ( نهر الرماد ) و ( الناي و الريح ) و بيادر الجوع )، عن مبدإ آخر غير مبدإ التحول، هو مبدأ المعاناة، الحاضر في مقدمات قصائده و في شعره، معاناة الموت و معاناة البعث، على إيقاع من الأمل و اليأس بصور الخراب و الدمار و الجفاف و العقم، و قد وظف في شعره أسطورة تموز و أسطورة العنقاء ، دلالة على الخراب الحضاري و التجدد مع العنقاء.
و يرى أحمد المجاطي في تجربة الشاعر خليل حاوي، تجربة عظيمة قائمة على التوافق بينها و بين حركة الواقع في حقبة من تاريخ الأمة العربية، و على قدرته على تجاوز ذلك الواقع و تخطيه، و على معاينة ملامح الواقع المرعب المنتظر.
بدر شاكر السياب:
تناول السياب في الكثير من قصائده معاني الموت و البعث، فعبر عن طبيعة الفداء في الموت، معتقدا أن الخلاص لا يكون إلا بالموت، بمزيد من الأموات و الضحايا كما في قصيدة " النهر و الموت"
لقد عمل السياب على استثمار الإطار الأسطوري ليحول الموت إلى فداء، ليجعل الفداء ثمنا للموت، كما فعل في قصيدة " المسيح بعد الصلب " مثلا حين استخدم رمز المسيح للتعبير عن فكرة الخلاص.
و يرى الكاتب أن إدراك السياب لجدلية الحياة و الموت، و تحويل الموت إلى فداء، قد يكون له علاقة بمزاجه، أو التركيب الغريب لعقله الباطن، و يقر الكاتب أن السياب عرف كيف يفيد من ذلك في تتبع معاني الحياة و الموت على مستوى الواقع الذاتي و الحضاري.
عبد الوهاب البياتي:
تحمل أشعار البياتي قضية الصراع بين الذات و موت الحضارة و بعثهما، من خلال جدلية الأمل و اليأس، و قد تمت صياغة هذه القضية في أشعار البياتي من خلال ثلاثة منحنيات هي:
1. منحنى الأمل : و فيه انتصار ساحق للحياة على الموت، و تمثله الأعمال الشعرية التالية : ( كلمات لا تموت / النار و الكلمات / سفر الفقر و الثورة )، إذ يظهر الشاعر مناضلا يعيش الأمل لصالح الحياة، فيغدو السقوط حياةً و الهزيمة انتصارا و الموت حياةً.
2.منحنى الانتظار: و فيه تتكافأ الحياة مع الموت و يمثله ديوان (الذي يأتي و لا يأتي )و فيه أربعة خطوط هي: خط الحياة و خط الموت و خط الاستفهام و خط الرجاء و التمني.
3.منحنى الشك: يتم فيه انتصار الموت على الحياة، و يمثله ديوان (الموت و الحياة)، و هو يكشف زيف النضال العربي، لأنه لا موت بدون نضال و لا بعث بدون موت.
يصل الكاتب إلى حكم مفاده أن قدرة البياتي على كشف الواقع هي سبب اهتمامه بالموت، و أن اهتمامه بالحياة مصدره إيمانه بالثورة، و الصراع بين الحياة و الموت. و أنه من كل ذلك تفجرت صور الأمل و اليأس و صور القلق و الانتظار.
خلاصة الفصل:
لم يغفل المجاطي، و هو ينهي مقاربته هذه التجربة، التنويه بإضافتها النوعية المتمثلة في المضامين و كشف الواقع و استشراف المستقبل، مما جعل منها تجربة مرتبطة بحركة التاريخ خلال العشرين سنة الفاصلة بين النكبة و النكسة، رغم كونها لم تأت أكلها، و يحدد الكاتب العوامل التي حالت دون وصول هذه التجربة للجماهير العربية في:
1.عامل ديني قومي: الخوف مما يمكن أن تمثله هذه التجربة من تطاول على التراث باسم الشعر.
2.عامل ثقافي: وقوف جماعة من الشعراء و النقاد في وجه ما هو جديد.
3.خوف الحكام من المضامين الثورية لهذه التجربة، مما جعلهم يلجأون إلى المصادرة و المنع و السجن و النفي.
الفصل الرابع الشـكـــل الجـــديـــد
تقديـــــــــــــــم:
إذا كان لكل تجربة شعرية إطارها السوسيوتاريخي، فإن لها كذلك أدواتها التعبيرية و وسائلها الفنية التي تمدها بالقيمة الجمالية لتجعل منها تجربة متميزة متكاملة في البناء العام للقصيدة و اللغة و طريقة التعبير و توظيف الصور البيانية و الرموز و الأساطير .
و لأن الشكل الفني ليس قالبا أو نموذجا أو قانونا ، بل هو حياة تتحرك أو تتغير، فقد حرص الشاعر العربي الحديث على تجاوز الشكل القديم، فأقام بناءً من التحولات التي خلخلت العناصر الأساسية للشكل الشعري، مثل اللغة و الإيقاع و التصوير... و هي تحولات كان لها أثر كبير على سياق القصيدة و بنائها العام أيضا.
فما التحولات التي رأى المجاطي أنها أصابت عناصر الشكل الشعري في القصيدة العربية الحديثة ؟ .
1/ تطور اللغة في الشعر الحديث:
يرى أحمد المجاطي أن لغة الشعر الحديث تتصف بكثير من الخصائص التي لايمكن أن تظهر من دراسة ديوان واحد، بل تحتاج لكثير من التأمل و البحث في لغة الشعر الحديث، و هي الخصائص التي يسميها الناقد ب ( المميزات الثورية للغة الشعر الجديد) و منها :
·النفس التقليدي في لغة الشعر الحديث: لغة جزلة و عبارة فخمة و سبك متين، على غرار الشعر القديم ، وتبدو هذه الخاصية عند السياب في دواوينه القديمة و المتأخرة، خاصة قصيدته " مدينة بلا مطر" و قصيدة " منزل الأقنان" .
·البعد عن لغة الحديث اليومية: كما عند أدونيس و البياتي و محمد عفيفي مطر و صلاح عبد الصبور...، إذ تبتعد لغة الشعر عندهم عن لغة الحديث الحية بعدا يمنح مفرداتها قيما و دلالات مغايرة لما تحمله في الاستعمال الشائع.
·السياق الدرامي للغة الشعر الحديث: كما نجد عند محمد مفتاح الفيتوري في قصيدته " معزوفة لدرويش متجول" إذ يشغل لغة درامية متوترة نابعة من صوت داخلي منبثق من أعماق الذات، و متجها إليها.
2/ التعبير بالصورة في الشعر الحديث:
لقد تجاوز الشاعر الحديث الصور البيانية المرتبطة بالذاكرة التراثية عند الشعراء الإحيائيين، و الصور المرتبطة بالتجارب الذاتية عند الرومانسيين ، إلى صور تقوم على توسيع مدلول الكلمات من خلال تحريك الخيال و التخييل و تشغيل الانزياح و الرموز و الأساطير و توظيف الصورة/ الرؤيا و تجاوز اللغة التقريرية المباشرة إلى لغة الإيحاء.
و لعل تجاوز الشاعر للصورة البيانية قد ساهم في إبعاد تجاربه الشعرية عن دوق عامة الناس، مما منحهم نوعا من التبرير لوصف الشعر الحديث بالغموض.
3/ تطور الأسس الموسيقية للشعر الحديث:
إن الشاعر الحديث و هو يسعى إلى بناء نظام موسيقي جديد، لم يكن يهدف إلى هدم الأصول الموسيقية الموروثة، بل كان غرضه أن يتحرر من بعض القيود بالقدر الذي يمنح له من الحرية ما يسعفه في التعبير عن عواطفه و أحاسيسه و فكره... و لاشك في أن ذلك القدر من الحرية الذي تمتع به قد أتاح له أن يطوع تلك القوانين و أن يطورها ، و أن يضيف إلى الخصائص الجمالية للبحور التقليدية ، خصائص جمالية أخرى تستمد أصولها من التطور الذي أصاب المضامين الشعرية نفسها.
لقد وجد الشاعر نفسه، قديما، متقبلا خاضعا لقيود صرامة البيت و سياقه الهندسي، مما عطل تطور نظام موسيقى الشعر حتى أواخر العقد الخامس من القرن العشرين، حيث تحققت تطورات في الإطار الموسيقي للقصيدة العربية منها:
·تجاوز نظام الشطرين لصالح السطر الشعري.
·السطر الشعري قد يطول و قد يقصر بحسب ما يتضمن من نسق شعوري أو فكري.
·طول ذلك السطر قد يتراوح ما بين تفعيلة واحدة و تسع تفعيلات.
·إذا كان عدد التفعيلات في أية قصيدة تراثية محدداً و محصوراً تتوزعه الأعجاز و الصدور، فإن التفعيلات في القصيدة الحديثة تمثل عدداً لا يحيط به الحصر.
·ينظم الشاعر الحديث على ستة بحور هي المعروفة بالصافية و هي: الهزج (مفاعيلن)، و الرمل (فاعلاتن)، و المتقارب (فعولن)، و المتدارك (فاعلن)، و الرجز (مستفعلن)، و الكامل (متفاعلن).
·أصبح بمقدور الشاعر أن يستخرج من البحر الواحد أكثر من بناءٍ موسيقي واحدٍ.
·امتاز نظام التفعيلة بالمرونة و الطواعية.
·الخلط بين البحور داخل قصيدة واحدة، في محاولة لتفتيت وحدة البيت فيها، كما عند السياب في قصائده من ديوان " شناشيل ابنة الجلبي"، و أدونيس في قصيدة" مرآة لخالدة" من ديوان " المسرح و المرايا".
يرى أحمد المجاطي أن البحور المختلطة رغم ما تتوفر عليه من طاقات موسيقية كبيرة فهي لم تستغل لأسباب منها:
1.مسألة الزحاف : تولد إحساسٌ بالرتابة و الملل ناتج عن اعتماد التفعيلة كوحدة إيقاعية ثابتة، و لتكسير حد القافية و منحها مزيدا من التنوع و التلوين، لجأ الشاعر الحديث إلى الإكثار من استعمال الزحاف، فكان أن حصل الشاعر على أكثر من إيقاع من دون أن يلجأ إلى البحور المختلطة.
2.تنويع الأضرب : بهدف التنويع في الإيقاع و التلوين في النغم، عمد الشاعر الحديث إلى:
·توظيف تفعيلات تعود إلى أصل واحدٍ، كما في أبيات عبد الصبور ( مستفعلن ).
·تنويع الأضرب دون الاكتراث بقيود القافية.
·إدماج بعض البحور المتشابهة في بحر واحدٍ، مثل: الرجز و السريع.
3.فاعل في حشو الخبب : تظل مسألة تنويع الأضرب و القافية تلوينات مقبولة و ملتزمة بقوانين علم
العروض، إلا أن الخروج عن هذه القوانين يتمثل في استعمال (فاعل) بدل (فاعلن) في حشو بعض
أبيات الشعر الحديث، و هو خروج أصبح متفشيا في كثير من قصائد الشعر المعاصر الجديد، و مستساغا من قبل " الرأي العام" على حد تعبير كل من محمد النويهي و عز الدين إسماعيل.
4.مسألة التدوير : إن حركة المشاعر و الأفكار و الأخيلة قد تأخذ شكل دفقة تتجاوز، في اندفاعها،
حدود الشطر أو البيت الشعريين، مما نتج عنه نتيجتين:
·الأولى: تبرز في التعبير عن الدفقة دون الوقوع في التدوير، و بالتالي اللجوء إلى استعمال تفعيلة خماسية أو تساعية كما ورد عند نازك الملائكة و خليل حاوي.
·الثانية: و تظهر في اتساع الدفقة الشعورية و بالتالي الوقوع في التدوير الذي يتخلص من صرامة البيت ذي الشطرين و من انتظامه في نسق هندسي رتيب.
4/ نظام القافية في الشعر الحديث:
يمكن تلخيص التغييرات التي مست القافية باعتبارها جزءاً من البناء العام للقصيدة في ما يلي:
* الالتزام بالقافية باعتبارها نظاما إيقاعيا دون الالتزام بحرف روي واحدٍ.
* الربط بين إيقاع البيت و إيقاع القافية.
* التخلي عن القافية باعتبارها المرمى الأفقي النهائي للجمل المختلفة، و جعلها محطة وقوف اختيارية تستجمع فيها الدفقة الشعورية أنفاسها.
* جعل القافية لبنة حية في البناء الموسيقي العام للقصيدة.
* إخضاع البناء الموسيقي لحركة المشاعر و الأفكار.
* الابتعاد عن النزعة الهندسية الحادة التي عُرفت بها القوالب الموسيقية التقليدية .
و يرى الكاتب في آخر الكتاب أن الحداثة من العوامل التي كانت وراء وصف الشعر العربي الحديث بالغموض، إلى جانب ما تتطلبه القصيدة الحديثة من إعمال للجهد و استلزام لذوق قرائي جديد ، ثم انفصال هذا الشعر عن الجماهير ما دام لا ينزل معها إلى ساحة المقاتلة و النضال و الصراع ضد قوى الاستغلال و البطش و لا يشاركها في معاركها الحضارية .
القضايا النقدية في كتاب " ظاهرة الشعر الحديث"
إن قراءة كتاب أحمد المجاطي تجعلنا نقف على جملة قضايا نقدية عمل الكاتب على طرحها و مناقشتها و إبداء رأيه وفيها، و يمكن إجمال أهم هذه القضايا في ما يلي :
1. دور التجربة الذاتية:
يخلص المجاطي إلى أن تطور الشعر عموما يتنج عن تحقق عاملين يتمثلان في الاحتكاك بالثقافات و الآداب الأجنبية، و توفر مقدار من الحرية للشعراء يمكنهم من التعبير عن تجاربهم. و قد أدى تفاعل هذين العاملين في الشعر العربي الحديث إلى ظهور تيارات مختلفة في الخصائص و متفقة في الهدف ( إخراج الشعر العربي من إطار التقليد إلى حدود التعبير عن التجربة الذاتية كما يعيشها الشاعر)، منها الديوان و أبوللو و الرابطة القلمية... و قد أرجع المجاطي سبب الاهتمام بقضية الذات في الشعر العربي إلى :
* ظهور البورجوازية الصغيرة على مسرح الأحداث في مصر، و الالتحام بيم الأجيال الصاعدة و بين الحضارة الحديثة.
* معاناة شخصية الفرد المصري من انهيار تام ، و محاولة إعادة الاعتبار إلى ذاته المسحوقة.
* تشبع شعراء هذه التيارات بالفكر الحر، مما مكنهم من فرص التعبير عن أنفسهم بكل حرية.
و إذا كان شعراء هذه التيارات قد استطاعوا التمرد على بنية القصيدة التقليدية و موضوعاتها، فإنهم قد ظلوا حبيسي معاني اليأس و التردد و القناعة و الاستسلام، رافضين الانفتاح على الحياة المتجددة، حتى أثروا في من جاء بعدهم، فتشابهت التجارب، و كثر الاجترار، وقلت فرص الجِدة و الطرافة.
2. الاغتـــراب:
يرى بعض الدارسين أن قضية الاغتراب في شعرنا الحديث ليست إلا نوعا من التأثر بأحزان الشاعر الأوروبي الحديث(شعر ت.س.إليوت) ، إلا أن المجاطي ينظر إلى هذه القضية في شموليتها و كليتها، ذلك أن الشاعر العربي الحديث إذا كان قد تأثر بهذه الرؤية الوافدة ، فإنه قد استجاب لها لأن الواقع العربي يتوفر على مشيرات كافية تسمح له بذلك.
إن أبعاد قضية الاغتراب و الحزن في شعرنا العربي الحديث تدور كلها حول موقف الذات الواعية من الكون و من المجتمع و من نفسها . و هي في محاولتها التوازن تبحث عن كل وسيلة، تبحث عن الموت نفسه، كما تبحث عن الجنون، فإن عز منالها فإنها تبحث عن الحب، و لكن الحب نفسه يكون قد مات مع فقدان القدرة عليه، فلا يبقى إلا الضياع.
و الحق أن نزعة الاغتراب و الحزن في شعرنا الحديث قد أضافت إلى التجربة الشعرية بعامة آفاقا جديدة زادتها ثراءً و خصباً، كما أنها ولدت طاقات تعبيرية لها أصالتها و قيمتها .
3. اللغة في الشعر الوجداني:
يرى المجاطي أن سهولة اللغة تعتبر من خصائص الشكل في القصيدة الوجدانية الحديثة، و المقصود بالسهولة الاقتراب من لغة الحديث المألوف. و أن الشاعر الوجداني لم يكن يلجأ إليها للتعبير عن همومه اليومية الصغيرة فحسب، بل عبر بها عن تجارب أعمق و أشد تجريدا.
كانت بواعث الشعراء الوجدانيين في هذا السياق تتمثل في التحرر من الرؤية التقليدية في التعامل مع اللغة العربية بالتراث الشعري و النثري. فإذا كانت بواعث الإحياء موضوعية مرتبطة بالبحث عن مخرج من وهاد التخلف التي آل إليها الأدب العربي عموما في عصور الانحطاط، فإن بواعث الشعراء الوجدانيين ذاتية تهم اختيار أنسب الوسائل اللغوية للتعبير عن حقيقة الذات و جوهرها دون تكلف أو تقليد.
4. موضوعة الحياة و الموت :
اقتنع العديد من الشعراء العرب بأن موت الحضارة العربية ليس موتا نهائيا، بل هو المرحلة الضرورية التي تسبق البعث و الانبعاث، و هو فاتحة لعصر جديد. و قد وجدوا في الأساطير و الرموز الحضارية التي تعتبر أن الانبعاث يأتي بعد الموت ( أساطير: الفينيق أو عشتار أو الخضر...)، مجالا واسعا لتأكيد تصورهم ذاك، إلا أن تعامل شعراء الحداثة مع هذا الموضوع تم بطرق مختلفة : ( أدونيس: التحول عبر الموت )، ( خليل حاوي: معاناة الموت و الحياة )، ( السياب: الفداء في الموت )، ( البياتي: جدلية اليأس و الأمل).
5. الشعر الحديث رؤيا :
يقدم مضمون الشعر العربي الحديث رؤى استشرافية متراوحة بين الأمل واليأس حسب طبيعة الشعراء و خلفياتهم، و كيفية تفاعلهم مع الواقع . و قد دافع المجاطي عن رؤيا شعراء الحداثة و رفض تحميلهم جزءاً من أسباب النكبة.
و تبدو قضية الرؤيا مرتبطة بمدى تأثير القصيدة الحديثة على المتلقي العربي، هذا التأثير الذي كان ضعيفا لأن الصلة بين هذا الشعر و القارئ العربي لم تكن موصولة لدواعٍ سياسية و دينية و قومية.
6. الغموض في الشعر الحديث :
يرى المجاطي أن هذا الشعر ليس غامضا في ذاته، و أن مرد هذا الغموض المفترض إلى تجديد شكل القصيدة و التغيير في نظامها الإيقاعي و تطوير صورها و كذا توظيف الرموز و الأساطير و الانفتاح على الثقافة الإنسانية مع ما يتطلبه الأمر من وجود قارئ مؤهل و ملم بهذه المرجعيات، إضافة إلى عدم تواصل الجماهير مع هذا الشعر لأسباب دينية و سياسية و قومية. كل هذه الأسباب و غيرها أدى إلى الحكم علي هذا الشعر بالغموض.
7. الشعر الحديث و الثورة و الجماهير:
يعتقد المجاطي أن الثورية الموجودة في الشعر العربي الحديث كانت واحدة من العوامل التي دفعت الحاكمين إلى التخوف منه، و العمل على خلق فجوة بينه وبين الجماهير. يضاف إلى ذلك التخوف القومي و الديني الذي اعتبر أن هذا الشعر يعمل على تحطيم المرتكزات الأساسية للأمة، و التخوفات السياسية المرتبطة بالخوف من المضامين الثورية لهذا الشعر، المتماهية مع مفهوم الالتزام الذي ساعد في توجيه حركة الحداثة الشعرية في بداياتها، و جعلها تبحث عن التفاعل مع القضايا العامة، و تبحث عن مقومات تساعد على تطوير المكونات الفنية.
8. مقومات التطوير في القصيدة الحديثة:
ينطلق تصور الكاتب من أن التجديد ينبغي أن يكون كليا، و إلا فإنه ليس تجديداً. و لذلك نجده ينتصر للقصائد التي طورت المضامين و الأشكال و اللغة و الصور، على حساب تلك التي جددت المضامين و اللغة و أهملت الجوانب الأخرى.
لقد دافع المجاطي عن التطوير الشامل، لكنه ظل معتدلا في تناوله لبعض الجوانب مثل :
·اللغة الشعريــة: التي أكد أنها لا ينبغي أن تكون مماثلة للغة اليومية، لأن ذلك سيجعلها أكثر اقترابا من السطحية.
·موسيقى الشعر: رفض المجاطي اعتبار الشعر الحديث ظاهرة عروضية ، و أكد أن ما أصبح يتحكم في هذه الموسيقى هو الدفقة الشعورية التي توجه الجمل الشعرية و الأسطر الشعرية و الأبيات.
·الصور البيانية: عرفت تطورا مهما باعتمادها الرموز و الأساطير، و لم تعد مجرد صور جزئية متفرقة، بل غدت صورا مرتبطة بالقصيدة كلها ، وبشعر الشاعر ككل.
القراءة الهيكلية الجهاز المفاهيمي المعتمد في الكتاب
تـــقــديـــم:
تعتمد كل دراسة نقدية كل جهاز مفاهيمي يوظفه الكاتب في مقاربة موضوعه ، و هذا الجهاز يتميز بوجود شكل من أشكال التطابق و الانسجام بين الموضوع المدروس و الأدوات و الوسائل المنهجية المعتمدة.
و لأن الجهاز المفاهيمي في كتاب " ظاهرة الشعر الحديث" للأستاذ أحمد المجاطي ، جهاز متشعب ، يستحيل جرد كافة مفاهيمه، في مقاربة مثل هاته، فسنكتفي باستخراج المفاهيم المحورية و الأكثر إفادة في دراسة الكتاب، و التي يمكن أن نذكر منها:
1. الشكل الجديد:
يقصد به الكاتب الحالة الجديدة التي أصبحت عليها القصيدة العربية الحديثة إثر تغير مضامينها و محتوياتها، مما يثبت العلاقة الجدلية بين الشكل و المضمون في الإبداع الأدبي ، فكلما تحول مجال اهتمام المضامين، و تغيرت طبيعة القضايا الصادرة عنها، كلما تحول الشكل التعبيري و الصياغة الفنية و الجمالية التي تعرض من خلالها هذه المضامين. و تتمثل المكونات البنائية التي مسها التحول و التغيير في :
* لغة القصيدة. * صور القصيدة . * بناء القصيدة . * موسيقى القصيدة.
2. الغربة / الاغتراب:
يعتبر هذا المفهوم من أكثر المفاهيم تداولا في الكتابات التي تطرح مشاكل المجتمع الحديث. و رغم تعدد و تباين تعاريف هذا المفهوم، فإن هناك عناصر مشتركة بينها هي : الانسلاخ عن المجتمع/ العزلة أو الانعزال/ العجزعن التلاؤم / الإخفاق في التكيف مع الأوضاع السائدة/ اللامبالاة/ عدم الشعور بالانتماء/ عدم الشعور بمغزى الحياة .
إن الغربة التي أحس بها الشاعر الحديث ناتجة عن إحساسه بأنه يعيش وسط أبناء جنسه غريبا عنهم، إنه اغتراب عن مجتمع انعدمت فيه القيم . و الشاعر الحديث، إذ يشعر بالاغتراب عن منابع ذاته الحقيقية، يشعر في الوقت نفسه بالخيبة و الألم ، فينمو لديه شعور حاد برفض النظام الذي يسير عليه العالم، وبرفض نفاق العصر و مجتمع الحياد و اللامبالاة، مجتمع الأوهام و الحقائق المزيفة و العلم الميت. و من تم يجد الشاعر نفسه عاجزا عن توكيد ذاته في الديمومة أو التاريخ . إنه يتحرك في زمن جزئي متقطع يسحقه و يبعثره. لذلك فالشعر عنده يبقى خيمة مسكونة بالحسرات، و فضاءً مملوءاً بالتجاويف و صدإِ الغيثِ.
3. اللاشعور الجمعي:
و هو مفهوم صاغه كارل غوستاف يونغ، و يعني أن اللاشعور يستمد تجاربه من الموروث الإنساني العام ، و ليس من تجارب الفرد الشخصية فقط. و هذا ما جعل الحديث عن هذا المفهوم برتبط بالحديث عن الرموز التي كررها الإنسان في كل زمان و مكان، و شكلت النماذج الأصلية التي كثيرا ما توجه السلوكات و التمثلات البشرية شأنها في ذلك شأن الأساطير التي تشكل خلاصة التجربة البشرية عبر كل الأزمنة، لذلك لم يكن مستغربا أن يجد القارئ تشابها بين مضامين الكثير من الأساطير و الرموز.
4. لغة الشعر:
مصطلح يطلق على اللغة التي تمنح الإبداع ما يميزه عن الكلام اليومي و المتداول، فرغم أن المواد التي يعتمدها الشاعر هي نفسها التي يستعملها كل متكلم، إلا أن الوظائف التي تؤديها لغة القصيدة تختلف عن غيرها. ذلك أن المواد الصوتية و المعجمية و التركيبية و الدلالية توظف بطريقة تمنح للوظيفة الشعرية الأولوية على غيرها من الوظائف الأخرى، وذلك بخلقها أثرا جماليا يجعلها منزاحة عن اللغة اليومية أو اللغة العلمية أو غيرها من اللغات التي تبحث عن تواصل مباشر و شفاف.
5. الرؤيا:
يقصد بشعر الرؤيا ذلك النمط من الإبداع الشعري القائم على إنتاج نصوص بوعي مسبق يرفض محاكاة النماذج الشعرية السابقة، و يؤمن بأن الإبداع يقع خارج المتداول و المألوف، و أنه ليس تصويرا للواقع، بل هو كشف جديد لعلاقاته الضمنية و غير المباشرة، و أن الأشياء المادية و المحسوسة و المعيشة ليست سوى تفاصيل و جزئيات يتجاوزها شاعر الرؤيا بتشييده لرؤياه التي تغوص في أعماق الحقائق غير المرئية مستحضرة تجربة الذات في تفاعلها مع التجربة المجتمعية و الإنسانية و هو ما يفسر توظيفه للرموز و الأساطير
الاثنين، 12 أبريل 2010
العنف والصراع الدرامي في الأدب
العنف والصراع الدرامي في الأدب
يتساءل الروائي البريطاني تيم باركس عما إذا كان لا يزال للعنف مكان في الأدب، في مقالة نشرها في الغارديان اخيرا بعنوان «العنف والصراع الدرامي في الأدب» هذا نصها: «لقد افتتن الأدباء القدامى بتجسيد العنف في مؤلفاتهم القصصية، كما شغفوا علاوة على ذلك بالصراع الدرامي، باعتباره الاختبار الحقيقي لأبطالهم . كتب هوميروس في إلياذته: آنذاك أطلق أجاكس بدوره رمحه الدائمة الظل.
وارتطم السلاح الثقيل بالترس المستديرة التي كان يحملها ابن بريام. اخترقت الترس المتألقة من شدة الوميض، وشقت طريقها متخللة الدرع الواقية، مدفوعة إلى الأمام بقوة، مزقت الرداء الطويل الذي كان يغطي خاصرة هيكتور . إلا أنه انحرف قليلاً، وهكذا فقد أنقذ نفسه من موت محقق. أما الآن فها هما الاثنان، وقد أشهر كل منهما رمحه الطويل، وخر ساقطاً على الآخر كما يسقط الأسد على فريسته، أو كما يفعل ذكر الخنزير ، الذي لا يستهان بقوته...».
على الرغم من أنه لم يتسن لي الاستمتاع بهذه المشاهد الملحمية الطويلة.إذ كنت أتخطى ذلك وصولاً إلى المفردات الميتة. إلا أنني تعلمت أن أحب كتاباً أمثال جيمس جويس وفرجينيا ولف وجميع، أولئك الذين لم تتضمن أعمالهم سوى القليل من مشاهد الصراع الدرامي .
وكما يعبر عن ذلك فرانك بدغن صديق جويس فقد كان مؤلف يوليسيس مؤمناً بأن «الكيفية التي يشد بها الرجل رباط حذائه أو يأكل بها بيضته يمكنها أن تكون المفتاح الأفضل للمفاضلة بينه وبين الآخرين على العكس مما يمكن أن يفعله مثلاً ذهابه للحرب ... وكذلك تشير الكيفية التي يقطع بها رغيف الخبز إلى شخصيته على نحو لا يفعله قطعه لرقبة إنسان . إضافة إلى أنه لا يمكن لأي من الاعتداء على الآخرين بالقتل أو الانتحار أن يعبر عن صفة مميزة على نحو ما تعبر عنه طريقة وضع القبعة على الرأس».
إن من الصعب على المرء ألا يشعر هنا بالكره ،الشعور الذي لا يقتصر على الصراع الدرامي القصصي فقط، وإنما يتعداه إلى ما يحدث في الحياة ، وهو نوع من الكره الذكي، الذي يمكن إدراكه، خاصة، وأنه كان قد ظهر ، في المرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى . والواقع أنه شعور يتقاسمه بلا شك أولئك الذين يهتمون على الدوام بصناعة الأدب والنقد، الذين يميلون بوجه عام إلى التشكيك في الأعمال التي تحتوي على تمثيل موسع للعنف .
غير أنك وإن كنت تفضل رواية يوليسيس على رواية القلب الشجاع ، أو على مشاهد القتال التي تحتوي عليها ملحمة هوميروس لأسباب تتعلق بهذه الجزئية، إلا أنه لا يمكنك التخلي عن الشعور بان جويس كان مخطئاً فيما يتعلق بكل من الشخصيات والأحداث، وأن الكيفية التي يتوجه من خلالها الرجل إلى الحرب أو يتورط في العنف تبدو أكثر أهمية بالنسبة لنا من الطريقة التي نضع بها القبعة على رؤوسنا أو نحمل بها ملعقة البيض .
وكذلك لا يمكن حتى لأي شيء أن يحرك الذهن بالطريقة ذاتها التي تؤثر بها دقيقة واحدة من العنف الجسدي الحقيقي، ذلك الشيء المرعب الذي يذكر بوجودنا المادي الهش في هذا العالم، هذا لو كنا من أولئك المهتمين بالوعي في الأساس.
بعد عشر سنوات أو أكثر من نشر جيمس جويس رواية يوليسيس، قام كل من أورويل ولوري لي أيت أل بحمل بندقيته والتوجه لقتال الفاشية في إسبانيا. ومن ثم تحول تجسيد العنف والصراع إلى رواية جادة لحظة الشعور بالذنب فيما كان المثقفان يقفلان عائدين من بارناسوس لكي يكونا في وضع دفاعي ضد فضائع الدكتاتورية الشمولية.
إن لدينا مثالاً على ذلك مأخوذاً من أعمال قيصر بافيز، أحد معاصري أورويل ومترجم جويس إلى الإيطالية. في رائعته « منزل فوق التلة » 1949 يجد معلم، من تورين، يشعر بالعداء الشديد للفاشية، نفسه عاجزاً عن اللحاق برفاقه في الكفاح المسلح. غير أنه يجد نفسه مكرها على المغادرة إلى الريف من الجانب الآخر لكي تباغته شاحنة محملة بالجنود الفاشيين، يقوم رفاقه بمهاجمتها في وقت لاحق:
كان هنالك انفجار حقيقي، على مقربة منه، في أقصى الطريق. أصوات رشاشات وانفجار قوي. تلته عدة انفجارات، والمزيد من إطلاق النار. توقفت المحركات. وتردد في الهواء عواء الرصاص الحزين. عندما يتوقف يتابع المعلم سيره لكي يصل إلى المشهد الذي يجسد المجزرة:
أحد الجنود ـ بزيه الرمادي المخضر ـ كان منكباً على وجهه بينما قدماه لاتزالان معلقتين في الشاحنة. بقايا دم ودماغ تنساب من مكان اسفل وجنتيه.
وبالنظر إلى عدم اعتياده على مشاهد العنف الجسدي، وإرغامه على مشاهدتها على شاشة التلفاز بشكل يومي، فإن الإنسان الغربي المعاصر معرض باستمرار إلى التذكير بأنه غير ملم بالتجربة الكاملة. والواقع أنه في أثناء خوفه من العنف يجد نفسه مضطراً إلى الافتتان به. وعلى الرغم من بحثه الجاد عن فرصة للقيام بدور البطولة، أو الوحشية، إلا أنه لا يبدو راغباً في لعب دور المغفل.
وبالتالي فلا غرو إذاً في أن تكون هذه الفتنة التي ساعدت توجهات أخلاقية جادة، تبناها كتاب من أمثال أورويل، على تحويلها على جناح السرعة إلى صناعة قصصية متخصصة في إنتاج شخصيات بغيضة تميزها الدكتاتورية لاستخدامها بشكل حصري وبالنيابة عنا في جلب الشعور بالاستمتاع بمشاهدة أبطالنا وهم يقومون بقتل أعداد لا يمكن حصرها من الأعداء المجهولين.
على الرغم من ذلك فإن ثمة توجهات إيجابية أخرى تجاه العنف في الأدب .
حيث يبدو كل من لورنس وهمنغواي شغوفين بالعنف الدرامي باعتباره شكلاً من أشكال المعرفة إذا لم يكن البطولة. أما لورنس، المسالم، فقد كان يبحث عن العنف في كل مكان ما عدا الحرب. كان يفتش عنه لدى النساء في الحب. بالنسبة لهمنغواي، كان متمثلاً في الطبيعة، التي تعيد إلى الإنسان الإحساس بمكانه في هذا العالم. وبعد سنوات، أو على الصفحات، تصبح ذاكرة العنف هي الشيء الذي يقود الذهن على نحو شديد السرعة.
في رواية «ثلوج كليمانغارو» 1938 كتب يقول كان الثلج أيضاً هو الشيء الذي استمر في التساقط طوال الأسبوع الذي شهد احتفالات عيد الميلاد في تلك السنة .... وكانوا ينامون على فراش محشو بأوراق شجر الزان ، كانت اللحظة التي وصل فيها الآبق من الجندية بقدميه الملطختين بالدماء جراء سيره وسط الثلوج.
في شرونز، في صبيحة يوم عيد الميلاد، كانت الثلوج متألقة فتنة حتى أنها كانت ستجرح عينيك لو نظرت من النافذة باتجاه الخارج ثم شاهدتهم كلهم وهم يعودون من الكنيسة متجهين إلى منازلهم.
إن ما يثير الاهتمام هنا هو ذلك التحول ـ في فقرة واحدة ـ الذي على الرغم من خروجه من إطار الانهماك في العنف السياسي إلى الشعور بالسعادة الغامرة، إلا أنه يظل باقياً في إطار العنف «الملحمي» إن ما يفعله همنغواي هو الانتقال بنا إلى شكل من أشكال البطولة، مختلف، ومميز بالحداثة.
بعيد عن البشاعة التي تميز المعارك التقليدية. حيث تسلق الجبال واستخدام الباراشوت والقوارب النهرية. إذ أننا هنا لسنا بصدد البحث عن أسلحة دمار شامل أو العمل على إعادة بلد ما إلى الديمقراطية أو حتى محاولة الكشف عن الأخطار الجمة التي تهدد العالم. هنا لا توجد حتى أية مزاعم للاكتشاف أو الاختراع.
بقلم : تيم باركس
ترجمة : مريم جمعة فرج
يتساءل الروائي البريطاني تيم باركس عما إذا كان لا يزال للعنف مكان في الأدب، في مقالة نشرها في الغارديان اخيرا بعنوان «العنف والصراع الدرامي في الأدب» هذا نصها: «لقد افتتن الأدباء القدامى بتجسيد العنف في مؤلفاتهم القصصية، كما شغفوا علاوة على ذلك بالصراع الدرامي، باعتباره الاختبار الحقيقي لأبطالهم . كتب هوميروس في إلياذته: آنذاك أطلق أجاكس بدوره رمحه الدائمة الظل.
وارتطم السلاح الثقيل بالترس المستديرة التي كان يحملها ابن بريام. اخترقت الترس المتألقة من شدة الوميض، وشقت طريقها متخللة الدرع الواقية، مدفوعة إلى الأمام بقوة، مزقت الرداء الطويل الذي كان يغطي خاصرة هيكتور . إلا أنه انحرف قليلاً، وهكذا فقد أنقذ نفسه من موت محقق. أما الآن فها هما الاثنان، وقد أشهر كل منهما رمحه الطويل، وخر ساقطاً على الآخر كما يسقط الأسد على فريسته، أو كما يفعل ذكر الخنزير ، الذي لا يستهان بقوته...».
على الرغم من أنه لم يتسن لي الاستمتاع بهذه المشاهد الملحمية الطويلة.إذ كنت أتخطى ذلك وصولاً إلى المفردات الميتة. إلا أنني تعلمت أن أحب كتاباً أمثال جيمس جويس وفرجينيا ولف وجميع، أولئك الذين لم تتضمن أعمالهم سوى القليل من مشاهد الصراع الدرامي .
وكما يعبر عن ذلك فرانك بدغن صديق جويس فقد كان مؤلف يوليسيس مؤمناً بأن «الكيفية التي يشد بها الرجل رباط حذائه أو يأكل بها بيضته يمكنها أن تكون المفتاح الأفضل للمفاضلة بينه وبين الآخرين على العكس مما يمكن أن يفعله مثلاً ذهابه للحرب ... وكذلك تشير الكيفية التي يقطع بها رغيف الخبز إلى شخصيته على نحو لا يفعله قطعه لرقبة إنسان . إضافة إلى أنه لا يمكن لأي من الاعتداء على الآخرين بالقتل أو الانتحار أن يعبر عن صفة مميزة على نحو ما تعبر عنه طريقة وضع القبعة على الرأس».
إن من الصعب على المرء ألا يشعر هنا بالكره ،الشعور الذي لا يقتصر على الصراع الدرامي القصصي فقط، وإنما يتعداه إلى ما يحدث في الحياة ، وهو نوع من الكره الذكي، الذي يمكن إدراكه، خاصة، وأنه كان قد ظهر ، في المرحلة التي أعقبت الحرب العالمية الأولى . والواقع أنه شعور يتقاسمه بلا شك أولئك الذين يهتمون على الدوام بصناعة الأدب والنقد، الذين يميلون بوجه عام إلى التشكيك في الأعمال التي تحتوي على تمثيل موسع للعنف .
غير أنك وإن كنت تفضل رواية يوليسيس على رواية القلب الشجاع ، أو على مشاهد القتال التي تحتوي عليها ملحمة هوميروس لأسباب تتعلق بهذه الجزئية، إلا أنه لا يمكنك التخلي عن الشعور بان جويس كان مخطئاً فيما يتعلق بكل من الشخصيات والأحداث، وأن الكيفية التي يتوجه من خلالها الرجل إلى الحرب أو يتورط في العنف تبدو أكثر أهمية بالنسبة لنا من الطريقة التي نضع بها القبعة على رؤوسنا أو نحمل بها ملعقة البيض .
وكذلك لا يمكن حتى لأي شيء أن يحرك الذهن بالطريقة ذاتها التي تؤثر بها دقيقة واحدة من العنف الجسدي الحقيقي، ذلك الشيء المرعب الذي يذكر بوجودنا المادي الهش في هذا العالم، هذا لو كنا من أولئك المهتمين بالوعي في الأساس.
بعد عشر سنوات أو أكثر من نشر جيمس جويس رواية يوليسيس، قام كل من أورويل ولوري لي أيت أل بحمل بندقيته والتوجه لقتال الفاشية في إسبانيا. ومن ثم تحول تجسيد العنف والصراع إلى رواية جادة لحظة الشعور بالذنب فيما كان المثقفان يقفلان عائدين من بارناسوس لكي يكونا في وضع دفاعي ضد فضائع الدكتاتورية الشمولية.
إن لدينا مثالاً على ذلك مأخوذاً من أعمال قيصر بافيز، أحد معاصري أورويل ومترجم جويس إلى الإيطالية. في رائعته « منزل فوق التلة » 1949 يجد معلم، من تورين، يشعر بالعداء الشديد للفاشية، نفسه عاجزاً عن اللحاق برفاقه في الكفاح المسلح. غير أنه يجد نفسه مكرها على المغادرة إلى الريف من الجانب الآخر لكي تباغته شاحنة محملة بالجنود الفاشيين، يقوم رفاقه بمهاجمتها في وقت لاحق:
كان هنالك انفجار حقيقي، على مقربة منه، في أقصى الطريق. أصوات رشاشات وانفجار قوي. تلته عدة انفجارات، والمزيد من إطلاق النار. توقفت المحركات. وتردد في الهواء عواء الرصاص الحزين. عندما يتوقف يتابع المعلم سيره لكي يصل إلى المشهد الذي يجسد المجزرة:
أحد الجنود ـ بزيه الرمادي المخضر ـ كان منكباً على وجهه بينما قدماه لاتزالان معلقتين في الشاحنة. بقايا دم ودماغ تنساب من مكان اسفل وجنتيه.
وبالنظر إلى عدم اعتياده على مشاهد العنف الجسدي، وإرغامه على مشاهدتها على شاشة التلفاز بشكل يومي، فإن الإنسان الغربي المعاصر معرض باستمرار إلى التذكير بأنه غير ملم بالتجربة الكاملة. والواقع أنه في أثناء خوفه من العنف يجد نفسه مضطراً إلى الافتتان به. وعلى الرغم من بحثه الجاد عن فرصة للقيام بدور البطولة، أو الوحشية، إلا أنه لا يبدو راغباً في لعب دور المغفل.
وبالتالي فلا غرو إذاً في أن تكون هذه الفتنة التي ساعدت توجهات أخلاقية جادة، تبناها كتاب من أمثال أورويل، على تحويلها على جناح السرعة إلى صناعة قصصية متخصصة في إنتاج شخصيات بغيضة تميزها الدكتاتورية لاستخدامها بشكل حصري وبالنيابة عنا في جلب الشعور بالاستمتاع بمشاهدة أبطالنا وهم يقومون بقتل أعداد لا يمكن حصرها من الأعداء المجهولين.
على الرغم من ذلك فإن ثمة توجهات إيجابية أخرى تجاه العنف في الأدب .
حيث يبدو كل من لورنس وهمنغواي شغوفين بالعنف الدرامي باعتباره شكلاً من أشكال المعرفة إذا لم يكن البطولة. أما لورنس، المسالم، فقد كان يبحث عن العنف في كل مكان ما عدا الحرب. كان يفتش عنه لدى النساء في الحب. بالنسبة لهمنغواي، كان متمثلاً في الطبيعة، التي تعيد إلى الإنسان الإحساس بمكانه في هذا العالم. وبعد سنوات، أو على الصفحات، تصبح ذاكرة العنف هي الشيء الذي يقود الذهن على نحو شديد السرعة.
في رواية «ثلوج كليمانغارو» 1938 كتب يقول كان الثلج أيضاً هو الشيء الذي استمر في التساقط طوال الأسبوع الذي شهد احتفالات عيد الميلاد في تلك السنة .... وكانوا ينامون على فراش محشو بأوراق شجر الزان ، كانت اللحظة التي وصل فيها الآبق من الجندية بقدميه الملطختين بالدماء جراء سيره وسط الثلوج.
في شرونز، في صبيحة يوم عيد الميلاد، كانت الثلوج متألقة فتنة حتى أنها كانت ستجرح عينيك لو نظرت من النافذة باتجاه الخارج ثم شاهدتهم كلهم وهم يعودون من الكنيسة متجهين إلى منازلهم.
إن ما يثير الاهتمام هنا هو ذلك التحول ـ في فقرة واحدة ـ الذي على الرغم من خروجه من إطار الانهماك في العنف السياسي إلى الشعور بالسعادة الغامرة، إلا أنه يظل باقياً في إطار العنف «الملحمي» إن ما يفعله همنغواي هو الانتقال بنا إلى شكل من أشكال البطولة، مختلف، ومميز بالحداثة.
بعيد عن البشاعة التي تميز المعارك التقليدية. حيث تسلق الجبال واستخدام الباراشوت والقوارب النهرية. إذ أننا هنا لسنا بصدد البحث عن أسلحة دمار شامل أو العمل على إعادة بلد ما إلى الديمقراطية أو حتى محاولة الكشف عن الأخطار الجمة التي تهدد العالم. هنا لا توجد حتى أية مزاعم للاكتشاف أو الاختراع.
بقلم : تيم باركس
ترجمة : مريم جمعة فرج
مقالة عن المسرح/ منقولة
تطور الصراع الدرامي المسرحي
خالص عزمي
khalis_azmi@hotmail.com
الحوار المتمدن - العدد: 2134 - 2007 / 12 / 19
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث
راسلوا الكاتب-ة مباشرة حول الموضوع Bookmark and Share
ظلت المسرحية لعقود في عصرنا الحاضر أسيرة الاقانيم الثلاثة والعائمة تبسيطا على سطح الصراع الدرامي الظاهر فوق خشبة المسرح ؛ ذلك ان بعض مؤلفينا كانوا ولم يزلوا يستسهلون ايصال الافكار المقتبس جلها عن المسرح الاوربي بعامة ؛ الى المشاهد المتلقي الذي لم يكن متكيفا ثقافيا على التعمق مع تقاليد المفاهيم المسرحية والخروج منها بمحصلة تعتمد اساسا لادراك مهمة التأليف الدرامي .
وعلى هذا فقد ظل الصراع الدرامي على قاعدة المؤلف العربي في اوائل القرن الماضي ؛ معناه معارك الخصومة ذات المظهر الواضح على الخشبة وكأنهاجاءت لاثبات عنصرين متشابكين متنافرين لايخرجان عن دائرة الخير والشر ؛ او الخلق الرضي والتردي المتناهي ؛ او الجبروت والضعف أو التشابك الاسري والقبلي ... الخ وكان المشاهد يدرك تماما( حسب تلك المقاييس ) ان الخير لابد ان ينتصر في نهاية المطاف وكان المؤلفون ـ من هذا النوع ــ لايرهقون انفسهم في الكشف عن صيغ ومفاهيم اخرى ؛ غير التي ترضي سذاجة المتلقي الذي باركوا هم ايضا تجمده في مواقع الاغتراف الميسور للنتاج المطروح .
ان تطور فن المسرح عالميا وفي مختلف عناصره ؛ قلب كثيرا من مقياس بناء النص ؛ وما صاحبه من المكونات الاساسية الاخرى مثل ( تفسير المحتوى و الاخراج ؛ الديكور ؛المؤثرات الالكترونية في النقل والضوء .... الخ ) قد خلق توعية جديدة مؤثرة في فهم المشاهد ؛ ومن هنا اصبح مهمة المؤلف ايسر في طرح افكاره الابداعية على اجنحة جديدة من الصراع الدرامي؛ ومن تلك الوسائل المعمقة انعاش الموحيات والرموز والتوتر والانفراج ؛ والتي كانت هي ذاتها من اهم شواخص تنشيط السيمفونيات للاحاسيس الذهنية وتوجيها لمعنى مشوق للصراع ؛ كما ان تنوع الصيغ المسرحية المستحدثة كـ ( التجريبي ؛ والارتجالي ؛ والرمزي ؛ والسوريالي .... الخ ) قد خلق نماذج فكرية ديناميكية في اسلوب ابراز الصراع الدرامي تجلت في صيغ من الايماءات والاشارات والصمت المعبروالتي عملت على تقوية ابرازها على المسرح؛ ثورة الآلكترونيات المتجددة يوميا و في مختلف مجالات الابداع المسرحي بشكل عام .
لم يكن هذا التطور الخلاق في المسرح وابتداع اساليب لاحصر لها في مفهوم الصراع ؛ محصور في التأليف المسرحي ؛ فقد كان له تأثيرات وأنعكاسات اخرى في فنون منوعة ؛ كالرسم والنحت والموسيقى والشعر والقصة والرواية ؛ حيث خرجت هي الاخرى عما كان مؤلوفا فيها من تكوين و صراع فني داخلي نمطي في الشكل والمضمون ؛ الى ساحات واسعة من ذلك التطور المتجدد النشط . فلو رجعنا الى الشعر المعاصر ــ على سبيل المثال ــ لوجدنا ان هناك مطولات اخضعت مفاهيمها للمحات واضحة من الصراع الدرامي ايضا مثل ( الحوادث الكبار ) لشوقي و( الحرب الروسية ) للبارودي ؛ و( نيرون ) لمطران ؛و( طرابلس ) للرصافي ؛ و( ايها الأرق ) للجواهري ؛ و( غلواء ) لأبي شبكة ؛ و ( عيد الغدير ) لبولس سلامة ... الخ ؛ بل ان بعضها مزج ما بين القصة والحوار وبتغليب العنصر الدرامي على العمل مثل ( أنيتا ) للجواهري ؛ و( المومس العمياء ) للسياب ؛ و( الشيخ والفتاة ) لرشيد أيوب ؛ و( الارملة المرضعة ) للرصافي . ناهيك عن المسرحيات الشعرية التي اعتنت بوضوح على هذا الجانب ؛ كما في اعمال (كليو بترا ) لشوقي ؛ و( العباسة ) لعزيز اباضة ؛ و ( الاسوار ) لخالد الشوف ؛ و( في ارض الجنتين ) لمحمد الشرفي . حيث تلامع بين سطورها وضوحا ؛ او رمزا ؛ او ايحاءا ... الصراع الدرامي الذي نتحدث عنه .
كما استعمل بعض كتاب المسرح صيغا اخرى غير هذه او تلك ؛ للتعبير عن الاحتدام في اطار من الدرما ؛ كالاستفادة من الاساطير الهامسة ؛ او الموروث الشعبي التضميني ؛ او لمحات صغيرة من حركة التاريخ ؛ باسلوب تتداخل فيه الاصوات بتشابك من الحبكة المحببة التي تحتاج هي الاخرى الى تفسيرات يساعد على ابراز مكوناتها الاخراج الواعي في جوانب الصراع الدرامي الذي هدفت النصوص الى ايصاله للمشاهد .
ومن امثلتها ( مأساة الحلاج ) و ( بعد ان يموت الملك ) لصلاح عبد الصبور ؛ و ( الفتى مهران ) و( وطني عكا ) لعبد الرحمن الشرقاوي ؛ و( العين السحرية ) و ( وطني عكا ) لالفريد فرج ؛ و ( حفلة سمر من اجل 5 حزيران ) و ( الملك هو الملك ) لسعد الله ونوس و( الطوفان ) لعادل كاظم .
كما يتجه المؤلفون في كثير من الاحيان ؛ الى استنطاق الامكنة والازمنة من خلال جمل شديدة الخصوبة والايحاء والاسقاطات في الحوار ؛ لكي يمنحو ا مسرحياتهم الصراع المتحرك الرامز المطلوب ؛ كما في مسرحيات ( محاكمة في نيسابور ) للبياتي ؛ و ( ملحمة كلكامش ) لسعدي يونس و ( سكة السلامة ) لسعد الدين وهبه و( الشريعة ) ليوسف العاني و ( ملك القطن ) ليوسف أدريس ..... وغيرها كثير .
و لقد حاولت بدوري ابراز مثل هذا الصراع الدرامي في اعمالي المسرحية المنشورة ؛ مستخدما التصريح تارة كما في ( قطار الشعر العربي ) حيث يدور حوار التجاذب الفكري المباشر موضحا الصراع الفكري ما بين الشعر العمودي ( شعر الشطرين ) و الشعر الحديث ( شعر التفعيلة ) ؛ اما في مسرحية ( المهجرون ) ؛ فقد كان الصراع ما بين قوى التهجير ؛ والمغتربين قسرا مستخدما صيغة التلميح تارة والتصريح اخرى في نسيج الحوار ؛وفي مسرحية ( عند الأمتحان ) كان الصراع ما بين المستشار الاجنبي والطالب العراقي المدافع عن وجود وحضار وطنه العراق ؛ ثقافيا ما بين مفهومين يمثل كلا منهما حضارة لها شخصيتها وتأريخها ؛ في حين بلورت مسرحيتي ( المطاردة ) قمة صراعها الدرامي في تنافر موقف سلطات الاعلام المسيسة المتحكمة بشراسة في قمم الصحف والمواقع ... وغيرها وما بين الذين يدافعون عن قيم الحرية الذهنية الحقيقية وقدسية الكلمة . ويعطينا النموذج التوضيحي في اداناه ؛ الصيغة المستخدمة في ابراز مفهوم الصراع الدرامي في تلك ( المطاردة ) : ـ
من المشهد الاول : بداية الصراع ((
سمية ـ ولكن الغريب في الامر والسؤال المحير ؛ لماذا امتنعت ثلاث صحف عن النشرمرة واحدة .
أكرم ـ لابد من ان يكون هناك ايعاز ؛ او توجيه مباشر من المختصين
وجيه ـ لعل الاتفاق قد جرى بين رؤساء التحرير أنفسهم !
خالد ـ ( يلتفت الى أكرم ) انا اؤيد ما ذهبت اليه ؛ هناك توجيه صارم بعدم نشر اية مادة لي ؛ ومن يدري فربما يعمم هذا الايعاز على صحف أخرى ؛ بل وربما تمنع احاديثي الاذاعية ايضا ))
من المشهد الثاني : حقيقة الصراع ((
أحمد ــ ان صحيفتنا كما تعلم صحيفة دولية واسعة الانتشار ؛ وهي ممولة لان تكون محايدة وديمقراطية ومتحررة ذهنيا :
ولذلك يصعب علينا كمحررين نعمل في هذا الاطار العام ؛ ان ننشر بعض مقالاتك التي تتعرض فيها الى قضايا هي حساسة جدا وتشكل لنا صعوبات امام العديد من الجهات ؟ ( يشير الى بديع) والان سيكمل الاستاذ بديع الموضوع .
بديع ـ هناك قسم من المقالات نشرناها ....
خالد ــ ( مبتسما ) أي قبل ان تصدر تعليمات المنع !
بديع ـ ليس كذلك ؛ وانما المقالات التالية لما نشرناه كان قاسيا ومباشرا وشديد المجابهة
خالد ــ وماذا تريد من كاتب ان يقول ؛ ويرى بلاده محتلة ؛ ودولته مدمرة ؛ وشعبه مداهما ؛ ومسروقا ؛ ومعذبا ؛ هل هناك شعب يقبل بهذا الهوان ؟ انه شعب يؤخذ عنوة نحو مجاهل العصور لحجرية ))
من المشهد الثالث : ذروة الصراع ونتيجته المأسوية ((
هيلما ـ ( بارتياح ) اذن انت مقتنع بان استمرارك في النشر يحقق لك ما تريد ؟
خالد ـ ( مقهقها ) لاسيدتي ... لم اكمل حديثي بعد للوصول الى نتيجة اخرى من المطاردة !!
كونك ــ يا لسخرية القدر ان كان هناك مزيد من المطاردة ؟!
خالد ـ ( يهز رأسه بحسرة وألم ) سأكمل حديثي ... لكي اسدد بعض النفقات المادية ؛ فقد لجأت الى المساعدة في حملات قطع الكروم مع اصدقائي الفلاحين كما ترون والذي تطلقون عليه انتم ( واين ليزه) ؛ اما النشر فقد اخذ يتقلص تدريجيا ؟
هيلما ـ ( باستغراب ) يتقلص ؟ ومجانا ! ؛ وبشهرتك ومكانتك !؛ ومع ذلك يتقلص ؟!
خالد ـ الاعذار شتى ؛ واغلبها مضحك وغير مقتع لاصحاب بعض المواقع انفسهم ! لقد لاحظت بأن ذلك التقلص يتناسب طرديا كلما عقد مؤتمر او مهرجان او اجتماع مسّيس ؛ هنا اوهناك ؛ حيث تشترى مواقع وصحف و ذمم ؛ بصيغ ومسببات لا حصر لها ؛.وكنت دائما من بين عدد من الكتاب الافاضل الذين تشملهم ( مكرمة ) المطاردة ؛ ولكن اصراري على ايجاد البدائل للنشر ما زال قائما ومتماسكا ))
لقد ارادت هذه المسرحية ان تؤكدايضا على مبدأ حضاري هو وجوب الموازنة الدقيقة في العلاقة بين ما هو شخصي وآخر عام حيث لايجوز المزج بينهما ؛ كعلاقة الدكتور خالد وصديقه الحميم أحمد سكرتير تحرير الصحيفة البارزة ؛ والذي لم يستطع ان يقدم العون تحت وطأة قرارات عليا لم يكن بمقدوره تجاوزها ؛ فاوضحت المسرحية بعدها عن التوفيقية ؛ واستلهامها ذلك المبدأ الذي لا مناص منه في اطار الصداقة ألا وهو التفريق في العمل .. ما بين ما هو عام وآخر خاص .
في الختام ؛ ارى ان لايكتفي نقاد المسرح بالاعتماد على النص المكتوب وحسب في نقدهم ما دام النص معدا اساسا للاخراج المسرحي ؛ذلك ان التغيرات التي تحدث عند اخراجه وابراز سماته العميقة عند التفسير الفني له ؛ سيحول لغته الدرامية المكبوته ؛ الى صيغة تشع دلالات وأيحاءات ورمزا للمشاهدين . وليس أدل على ذلك من تنوع اخراج مسرحية ما من قبل مخرجين افذاذ عبر اجيال كثيرة أعطوها نكهة تختلف من واحد الى آخر ؛ في حين ان النص كان ولم يزل ذاته . وأكثر من ذلك ؛ فان تحويل بعض المسرحيات الى صيغ من الاوبرا او البالية او الاوبريت او العرائس كما حدث مع كسارة البندق ـ تأليف المبدع الالماني هوفمان ومن موسيقى والحان العبقري تشايكوفيسكي ؛ قد منحها دما جديدا دفاقا ؛ واضاف اليها تفسيرات شديدة الخصوبة وابعادا لم يلتفت اليها الكثيرون عند قراءتهم للنص وهو مكتوب على الورق وحسب .
وعليه فان نمطية الصراع الدرامي المسرحي قد تغير كثيرا في منهاجه عن مفهوم الخصومة والمنازلة او الهجوم والدفاع الذي تعارف عليه القاريء او المشاهد ؛ حيث توجه وبالتطور والتدريج ـ نحو مجاله الاعمق في التعبير عن ذروة فلسفية تعنى بالصدمة والتأزم والتوتر للوصول الى قمة الحدث الاهم في البناء المسرحي وهو الهدف الذي يسعى اليه أي مؤلف ؛ ينشد ابراز عمق المعنى الجوهري في بساطة لغوية ( هي من السهل الممتنع ) ؛ بحيث تصل الى القاريء او المشاهد او المستمع بكل يسرووضوح .
خالص عزمي
khalis_azmi@hotmail.com
الحوار المتمدن - العدد: 2134 - 2007 / 12 / 19
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث
راسلوا الكاتب-ة مباشرة حول الموضوع Bookmark and Share
ظلت المسرحية لعقود في عصرنا الحاضر أسيرة الاقانيم الثلاثة والعائمة تبسيطا على سطح الصراع الدرامي الظاهر فوق خشبة المسرح ؛ ذلك ان بعض مؤلفينا كانوا ولم يزلوا يستسهلون ايصال الافكار المقتبس جلها عن المسرح الاوربي بعامة ؛ الى المشاهد المتلقي الذي لم يكن متكيفا ثقافيا على التعمق مع تقاليد المفاهيم المسرحية والخروج منها بمحصلة تعتمد اساسا لادراك مهمة التأليف الدرامي .
وعلى هذا فقد ظل الصراع الدرامي على قاعدة المؤلف العربي في اوائل القرن الماضي ؛ معناه معارك الخصومة ذات المظهر الواضح على الخشبة وكأنهاجاءت لاثبات عنصرين متشابكين متنافرين لايخرجان عن دائرة الخير والشر ؛ او الخلق الرضي والتردي المتناهي ؛ او الجبروت والضعف أو التشابك الاسري والقبلي ... الخ وكان المشاهد يدرك تماما( حسب تلك المقاييس ) ان الخير لابد ان ينتصر في نهاية المطاف وكان المؤلفون ـ من هذا النوع ــ لايرهقون انفسهم في الكشف عن صيغ ومفاهيم اخرى ؛ غير التي ترضي سذاجة المتلقي الذي باركوا هم ايضا تجمده في مواقع الاغتراف الميسور للنتاج المطروح .
ان تطور فن المسرح عالميا وفي مختلف عناصره ؛ قلب كثيرا من مقياس بناء النص ؛ وما صاحبه من المكونات الاساسية الاخرى مثل ( تفسير المحتوى و الاخراج ؛ الديكور ؛المؤثرات الالكترونية في النقل والضوء .... الخ ) قد خلق توعية جديدة مؤثرة في فهم المشاهد ؛ ومن هنا اصبح مهمة المؤلف ايسر في طرح افكاره الابداعية على اجنحة جديدة من الصراع الدرامي؛ ومن تلك الوسائل المعمقة انعاش الموحيات والرموز والتوتر والانفراج ؛ والتي كانت هي ذاتها من اهم شواخص تنشيط السيمفونيات للاحاسيس الذهنية وتوجيها لمعنى مشوق للصراع ؛ كما ان تنوع الصيغ المسرحية المستحدثة كـ ( التجريبي ؛ والارتجالي ؛ والرمزي ؛ والسوريالي .... الخ ) قد خلق نماذج فكرية ديناميكية في اسلوب ابراز الصراع الدرامي تجلت في صيغ من الايماءات والاشارات والصمت المعبروالتي عملت على تقوية ابرازها على المسرح؛ ثورة الآلكترونيات المتجددة يوميا و في مختلف مجالات الابداع المسرحي بشكل عام .
لم يكن هذا التطور الخلاق في المسرح وابتداع اساليب لاحصر لها في مفهوم الصراع ؛ محصور في التأليف المسرحي ؛ فقد كان له تأثيرات وأنعكاسات اخرى في فنون منوعة ؛ كالرسم والنحت والموسيقى والشعر والقصة والرواية ؛ حيث خرجت هي الاخرى عما كان مؤلوفا فيها من تكوين و صراع فني داخلي نمطي في الشكل والمضمون ؛ الى ساحات واسعة من ذلك التطور المتجدد النشط . فلو رجعنا الى الشعر المعاصر ــ على سبيل المثال ــ لوجدنا ان هناك مطولات اخضعت مفاهيمها للمحات واضحة من الصراع الدرامي ايضا مثل ( الحوادث الكبار ) لشوقي و( الحرب الروسية ) للبارودي ؛ و( نيرون ) لمطران ؛و( طرابلس ) للرصافي ؛ و( ايها الأرق ) للجواهري ؛ و( غلواء ) لأبي شبكة ؛ و ( عيد الغدير ) لبولس سلامة ... الخ ؛ بل ان بعضها مزج ما بين القصة والحوار وبتغليب العنصر الدرامي على العمل مثل ( أنيتا ) للجواهري ؛ و( المومس العمياء ) للسياب ؛ و( الشيخ والفتاة ) لرشيد أيوب ؛ و( الارملة المرضعة ) للرصافي . ناهيك عن المسرحيات الشعرية التي اعتنت بوضوح على هذا الجانب ؛ كما في اعمال (كليو بترا ) لشوقي ؛ و( العباسة ) لعزيز اباضة ؛ و ( الاسوار ) لخالد الشوف ؛ و( في ارض الجنتين ) لمحمد الشرفي . حيث تلامع بين سطورها وضوحا ؛ او رمزا ؛ او ايحاءا ... الصراع الدرامي الذي نتحدث عنه .
كما استعمل بعض كتاب المسرح صيغا اخرى غير هذه او تلك ؛ للتعبير عن الاحتدام في اطار من الدرما ؛ كالاستفادة من الاساطير الهامسة ؛ او الموروث الشعبي التضميني ؛ او لمحات صغيرة من حركة التاريخ ؛ باسلوب تتداخل فيه الاصوات بتشابك من الحبكة المحببة التي تحتاج هي الاخرى الى تفسيرات يساعد على ابراز مكوناتها الاخراج الواعي في جوانب الصراع الدرامي الذي هدفت النصوص الى ايصاله للمشاهد .
ومن امثلتها ( مأساة الحلاج ) و ( بعد ان يموت الملك ) لصلاح عبد الصبور ؛ و ( الفتى مهران ) و( وطني عكا ) لعبد الرحمن الشرقاوي ؛ و( العين السحرية ) و ( وطني عكا ) لالفريد فرج ؛ و ( حفلة سمر من اجل 5 حزيران ) و ( الملك هو الملك ) لسعد الله ونوس و( الطوفان ) لعادل كاظم .
كما يتجه المؤلفون في كثير من الاحيان ؛ الى استنطاق الامكنة والازمنة من خلال جمل شديدة الخصوبة والايحاء والاسقاطات في الحوار ؛ لكي يمنحو ا مسرحياتهم الصراع المتحرك الرامز المطلوب ؛ كما في مسرحيات ( محاكمة في نيسابور ) للبياتي ؛ و ( ملحمة كلكامش ) لسعدي يونس و ( سكة السلامة ) لسعد الدين وهبه و( الشريعة ) ليوسف العاني و ( ملك القطن ) ليوسف أدريس ..... وغيرها كثير .
و لقد حاولت بدوري ابراز مثل هذا الصراع الدرامي في اعمالي المسرحية المنشورة ؛ مستخدما التصريح تارة كما في ( قطار الشعر العربي ) حيث يدور حوار التجاذب الفكري المباشر موضحا الصراع الفكري ما بين الشعر العمودي ( شعر الشطرين ) و الشعر الحديث ( شعر التفعيلة ) ؛ اما في مسرحية ( المهجرون ) ؛ فقد كان الصراع ما بين قوى التهجير ؛ والمغتربين قسرا مستخدما صيغة التلميح تارة والتصريح اخرى في نسيج الحوار ؛وفي مسرحية ( عند الأمتحان ) كان الصراع ما بين المستشار الاجنبي والطالب العراقي المدافع عن وجود وحضار وطنه العراق ؛ ثقافيا ما بين مفهومين يمثل كلا منهما حضارة لها شخصيتها وتأريخها ؛ في حين بلورت مسرحيتي ( المطاردة ) قمة صراعها الدرامي في تنافر موقف سلطات الاعلام المسيسة المتحكمة بشراسة في قمم الصحف والمواقع ... وغيرها وما بين الذين يدافعون عن قيم الحرية الذهنية الحقيقية وقدسية الكلمة . ويعطينا النموذج التوضيحي في اداناه ؛ الصيغة المستخدمة في ابراز مفهوم الصراع الدرامي في تلك ( المطاردة ) : ـ
من المشهد الاول : بداية الصراع ((
سمية ـ ولكن الغريب في الامر والسؤال المحير ؛ لماذا امتنعت ثلاث صحف عن النشرمرة واحدة .
أكرم ـ لابد من ان يكون هناك ايعاز ؛ او توجيه مباشر من المختصين
وجيه ـ لعل الاتفاق قد جرى بين رؤساء التحرير أنفسهم !
خالد ـ ( يلتفت الى أكرم ) انا اؤيد ما ذهبت اليه ؛ هناك توجيه صارم بعدم نشر اية مادة لي ؛ ومن يدري فربما يعمم هذا الايعاز على صحف أخرى ؛ بل وربما تمنع احاديثي الاذاعية ايضا ))
من المشهد الثاني : حقيقة الصراع ((
أحمد ــ ان صحيفتنا كما تعلم صحيفة دولية واسعة الانتشار ؛ وهي ممولة لان تكون محايدة وديمقراطية ومتحررة ذهنيا :
ولذلك يصعب علينا كمحررين نعمل في هذا الاطار العام ؛ ان ننشر بعض مقالاتك التي تتعرض فيها الى قضايا هي حساسة جدا وتشكل لنا صعوبات امام العديد من الجهات ؟ ( يشير الى بديع) والان سيكمل الاستاذ بديع الموضوع .
بديع ـ هناك قسم من المقالات نشرناها ....
خالد ــ ( مبتسما ) أي قبل ان تصدر تعليمات المنع !
بديع ـ ليس كذلك ؛ وانما المقالات التالية لما نشرناه كان قاسيا ومباشرا وشديد المجابهة
خالد ــ وماذا تريد من كاتب ان يقول ؛ ويرى بلاده محتلة ؛ ودولته مدمرة ؛ وشعبه مداهما ؛ ومسروقا ؛ ومعذبا ؛ هل هناك شعب يقبل بهذا الهوان ؟ انه شعب يؤخذ عنوة نحو مجاهل العصور لحجرية ))
من المشهد الثالث : ذروة الصراع ونتيجته المأسوية ((
هيلما ـ ( بارتياح ) اذن انت مقتنع بان استمرارك في النشر يحقق لك ما تريد ؟
خالد ـ ( مقهقها ) لاسيدتي ... لم اكمل حديثي بعد للوصول الى نتيجة اخرى من المطاردة !!
كونك ــ يا لسخرية القدر ان كان هناك مزيد من المطاردة ؟!
خالد ـ ( يهز رأسه بحسرة وألم ) سأكمل حديثي ... لكي اسدد بعض النفقات المادية ؛ فقد لجأت الى المساعدة في حملات قطع الكروم مع اصدقائي الفلاحين كما ترون والذي تطلقون عليه انتم ( واين ليزه) ؛ اما النشر فقد اخذ يتقلص تدريجيا ؟
هيلما ـ ( باستغراب ) يتقلص ؟ ومجانا ! ؛ وبشهرتك ومكانتك !؛ ومع ذلك يتقلص ؟!
خالد ـ الاعذار شتى ؛ واغلبها مضحك وغير مقتع لاصحاب بعض المواقع انفسهم ! لقد لاحظت بأن ذلك التقلص يتناسب طرديا كلما عقد مؤتمر او مهرجان او اجتماع مسّيس ؛ هنا اوهناك ؛ حيث تشترى مواقع وصحف و ذمم ؛ بصيغ ومسببات لا حصر لها ؛.وكنت دائما من بين عدد من الكتاب الافاضل الذين تشملهم ( مكرمة ) المطاردة ؛ ولكن اصراري على ايجاد البدائل للنشر ما زال قائما ومتماسكا ))
لقد ارادت هذه المسرحية ان تؤكدايضا على مبدأ حضاري هو وجوب الموازنة الدقيقة في العلاقة بين ما هو شخصي وآخر عام حيث لايجوز المزج بينهما ؛ كعلاقة الدكتور خالد وصديقه الحميم أحمد سكرتير تحرير الصحيفة البارزة ؛ والذي لم يستطع ان يقدم العون تحت وطأة قرارات عليا لم يكن بمقدوره تجاوزها ؛ فاوضحت المسرحية بعدها عن التوفيقية ؛ واستلهامها ذلك المبدأ الذي لا مناص منه في اطار الصداقة ألا وهو التفريق في العمل .. ما بين ما هو عام وآخر خاص .
في الختام ؛ ارى ان لايكتفي نقاد المسرح بالاعتماد على النص المكتوب وحسب في نقدهم ما دام النص معدا اساسا للاخراج المسرحي ؛ذلك ان التغيرات التي تحدث عند اخراجه وابراز سماته العميقة عند التفسير الفني له ؛ سيحول لغته الدرامية المكبوته ؛ الى صيغة تشع دلالات وأيحاءات ورمزا للمشاهدين . وليس أدل على ذلك من تنوع اخراج مسرحية ما من قبل مخرجين افذاذ عبر اجيال كثيرة أعطوها نكهة تختلف من واحد الى آخر ؛ في حين ان النص كان ولم يزل ذاته . وأكثر من ذلك ؛ فان تحويل بعض المسرحيات الى صيغ من الاوبرا او البالية او الاوبريت او العرائس كما حدث مع كسارة البندق ـ تأليف المبدع الالماني هوفمان ومن موسيقى والحان العبقري تشايكوفيسكي ؛ قد منحها دما جديدا دفاقا ؛ واضاف اليها تفسيرات شديدة الخصوبة وابعادا لم يلتفت اليها الكثيرون عند قراءتهم للنص وهو مكتوب على الورق وحسب .
وعليه فان نمطية الصراع الدرامي المسرحي قد تغير كثيرا في منهاجه عن مفهوم الخصومة والمنازلة او الهجوم والدفاع الذي تعارف عليه القاريء او المشاهد ؛ حيث توجه وبالتطور والتدريج ـ نحو مجاله الاعمق في التعبير عن ذروة فلسفية تعنى بالصدمة والتأزم والتوتر للوصول الى قمة الحدث الاهم في البناء المسرحي وهو الهدف الذي يسعى اليه أي مؤلف ؛ ينشد ابراز عمق المعنى الجوهري في بساطة لغوية ( هي من السهل الممتنع ) ؛ بحيث تصل الى القاريء او المشاهد او المستمع بكل يسرووضوح .
الأحد، 11 أبريل 2010
ملف حول المسرح //عن دفاتر
المَسْرَح شكل من أشكال الفنون يؤدى أمام المشاهدين، يشمل كل أنواع التسلية من السيرك إلى المسرحيات. وهناك تعريف تقليدي للمسرح هو أنه شكل من أشكال الفن يترجم فيه الممثلون نصًّا مكتوبًا إلى عرض تمثيلي على خشبة المسرح. يقوم الممثلون، عادة بمساعدة المخرج على ترجمة شخصيات ومواقف النص التي ابتدعها المؤلف.
عادة ما يكون الحدث المسرحي الناجح عملاً مشوقًا لكل من المشاهد والممثل والفني، بغض النظر عن مكان عرضها: مسرحًا محترفًا أو مسرحًا مدرسيًّا أو مجرد مساحة أقيمت مؤقتا لهذا الغرض. وتندرج العروض من التسلية الخفيفة، مثل العروض الموسيقية والكوميديا، إلى تلك التي تبحث في مواضيع سياسية وفلسفية جادة.
وليس المسرح كالمسرحية بالرغم من أن الكلمتين تُستخدمان عادة وكأنهما تحملان المعنى نفسه، ذلك لأن المسرحية تشير إلى الجانب الأدبي من العرض؛ أي النص ذاته. وعلاقة المسرح بالمسرحية علاقة العام بالخاص، أو بمعنى آخر: المسرح شكل فني عام، أحد موضوعاته أو عناصره النص الأدبي (المسرحية). انظر: المسرحية. ويعتقد بعض النقاد أن النص لا يصبح مسرحية إلا بعد تقديمه على خشبة المسرح وأمام الجمهور. ويقول آخرون: إن النص ليس سوى مخطط يستخدمه المخرج والفنانون الآخرون كأساس للعرض.
والعرض المسرحي من أكثر الفنون تعقيدًا؛ لأنه يتطلب العديد من الفنانين لأدائه. ومن بين هؤلاء المتخصصين: المؤلف والممثلون والمخرج ومصممو الديكور والأزياء والإضاءة ومختلف أنواع الفنيين. كما تتطلب بعض العروض الأخرى مصممي رقصات وموسيقيين وملحنين. ويُسمى المسرح أحيانًا الفن المختلط؛ لأنه يجمع بين النص والجو الذي يبتكره مصممو الديكور والإلقاء والحركات التي يقوم بها الممثلون.
كان الكاتب المسرحي في عهد المسرح الأول يقوم بجميع الأعمال الفنية مثل كتابة النص والتمثيل والإخراج، وبالتدريج أصبح هناك مختصون. وبرزت فنون المسرح العديدة، واكتسب كلٌّ من الممثل وكاتب النص شهرة في البداية بسبب أن الواحد منهما يعتمد على الآخر في إخراج فنهما إلى حيز الوجود.
وفي المسرح الحديث، اعتاد المخرج على مواءمة جميع خصائص العرض من تصميم الديكور إلى تصميم الأزياء والإضاءة والمؤثرات الصوتية والموسيقية والرقص. وربما كان أهم عمل للمخرج هو قيادة الممثلين في عملية إبداعهم، ومساعدتهم على أداء أدوارهم.
بناء المسرح الحديث
الصالة.
هي الجزء الذي يجلس فيه المشاهدون خلال العرض. وبشكل عام، تحتوي الصالة على مرافق أخرى مثل شباك التذاكر والمداخل والمخارج وأماكن الاستراحة والعرض وتناول المرطبات.
تسمح الصالة المصممة تصميمًا جيدًا للجمهور بالمشاهدة والاستماع بسهولة، كما تسمح لهم بالدخول والخروج من أماكنهم بيسر. ويكون داخلها مزينًا بصور جميلة ولكن ليس لدرجة تشغل المشاهدين عن التركيز على العرض على خشبة المسرح. ويتراوح حجم الصالات بين الصغير والكبير؛ كما أنها تختلف في مرافقها الأساسية. وتكون مقاعد الصالة جميعها في طابق واحد أو في الطابق الرئيسي أو في واحدة أو أكثر من الشرفات الداخلية. وكانت الصالات القديمة تحتوي على مقصورات خاصة قريبة جدًا من خشبة المسرح. أما في المسرح الحديث فيتقاسم الممثلون والمشاهدون نفس الحيز في الصالة.
يتغير ترتيب مقاعد المشاهدين في العديد من المسارح من عرض لآخر. وفي حالات معينة يُطلب من الجمهور تغيير أماكنهم أثناء العرض. وتُسمّى العروض التي تتطلب تغيير ترتيب مقاعد الجمهور أو تحتم على الممثلين التنقل بين المشاهدين في بريطانيا بعروض البرومينيد.
خشبة المسرح.
هناك أربعة أنواع رئيسية من خشبة المسرح الحديث: 1- خشبة المسرح الوجاهية 2- خشبة المسرح المفتوحة، وتسمى أيضًا خشبة المسرح الناتئة 3- خشبة المسرح المدوَّرة 4- خشبة المسرح المرن. وتوجد كل من هذه الأنواع نوعًا معينًا من العلاقة بين الممثلين والمشاهدين ويتطلب كل منها ترتيبًا من الإخراج.
خشبة المسرح الوجاهية هي الأكثر شيوعًا ومصممة لتشاهد من الأمام فقط، وتسمى في بعض الأحيان إطار الصورة، لأن المساحة التي يرى المشاهدون الأحداث من خلالها تشبه إطارًا للديكور وتحركات الممثلين؛ كما أن لها تسمية ثالثة وهي القوس الوجاهي. ويحتوي هذا النوع من خشبة المسرح على مساحة في مقدمته تفصل مقاعد الجمهور عن تلك التي خلف الإطار. ويمكن للموسيقيين الجلوس في هذا الحيز دون حجب رؤية مكان العرض عن المشاهدين.
في خشبة المسرح المدوّر، يجلس الجمهور المشاهد على جوانب المنصة الأربعة. وتحتوي جميع المسارح من هذا النوع على عدد محدد من المقاعد. وتكون المنصة المستعملة في المسرح المدوّر منخفضة تسمح للمشاهد برؤية كل ما يجري في دائرة الحدث على المسرح. ودائمًا ما توضع في نهاية الممشى أو خلف المشاهدين. ويتم تغيير المناظر في الظلام أو على مرأى من المشاهدين. ويدخل الممثلون إلى المسرح المدوّر من خلال الصالة. ويجب أن يكون تمثيلهم موجهًا إلى جميع الجهات.
في المسرح المرن، يتم تغيير الأمكنة المخصصة للعرض وللمشاهدين حتى يتناسب مع كل عرض. ومثل هذا التكيف يسمح للمخرج بحرية اختيار نوع العلاقة المناسبة بين العرض والمشاهدين. تستوعب معظم المسارح المرنة عددًا صغيرًا من المشاهدين وليس مستغربًا أن تكون خشبة المسرح المرن أكبر من صالة المشاهدين.
تؤدى العديد من العروض اليوم، كما كان الوضع في الماضي، في أماكن مستحدثة؛ أي أمكنة لم تخصص أصلاً للعرض المسرحي. ويمكن للمشاهدين الجلوس أو الوقوف في مثل هذه الأمكنة، كما يفعلون في المسارح ذات الخشبة المرنة. إن الشيء المشوق بشأن مسارح اليوم هو تنوع الأمكنة المخصصة للممثلين والمشاهدين.
مساحة خلف الكواليس. يمكن أن يحتوي المسرح المجهز تجهيزًا جيدًا على ورشة لصنع الملابس، والديكور، وغرف ملابس، وتدريبات ومقصورات إضاءة وصوت ومستودعات ملابس وديكور وغرفة خضراء لأعضاء هيئة المسرح. وتعمل معظم مسارح الهواة في أمكنة محدودة. تملك الفرق الكبيرة مساحات عمل خلف المسرح في نفس المبنى. أما الفرق الصغيرة فتكون ورش عملها في بنايات أخرى.
المُخْرِج
المخرج هو الشخص المسؤول عن قوة العرض الفنية بشكل عام في المسرح الحديث، فهو الذي يقرر تفسير النص وينسق جهود جميع الفنانين. ويمتلك المخرج سلطة كبيرة في المسرح لدرجة أن المقولة الشائعة في عالم المسرح اليوم هي: إن العرض ملك للمخرج. ومع هذا فالعديد من المخرجين الكبار متسامحون ومستعدون لتقبل أفكار الفنانين الذين يعملون معهم طيلة مدّة العرض.
يتمتع المخرج عادة بالصلاحيات التالية: 1- تحليل النص وتقرير التفسير المناسب الذي سيحدد شكل العرض. 2- العمل مع المؤلف والفنيين ومصممي الديكور والإضاءة والأزياء في تخطيطه لإخراج المسرحية. 3- قيادة الممثلين. 4- الإشراف على التدريبات. 5- تنسيق جميع عناصر الإنتاج النهائية.
تفسير النص. يجب على المخرج أن يكون مُلِمًّا جدًا بالنص حتى يستطيع اختيار الممثلين وتدريبهم وإرشاد المصممين. يتحتم عليه دراسة بنية المسرحية وتفحص الآليات التي يستخدمها المؤلف لسرد قصته وبناء عنصر التشويق فيها. فإن كانت المسرحية لا تستخدم البنية التقليدية، كما هو الحال في المسرح الجديد، يعمد المخرج إلى اكتشاف طريقة المؤلف في ابتكار جو النص وذلك بدراسة واستشفاف رد فعل المشاهدين. يعمد المخرج بعدها إلى تحليل تصرفات الشخصيات والجو المسيطر في كل جزء من النص، ليقرر علاقة الجزء الواحد بالجزء الآخر وعلاقة الاثنين بالنص ككل.
على المخرج أن يفهم عمل كل شخصية في المسرحية والدور المطلوب من الممثل إزاءها. ويتقبَّل المخرج رأي الممثلين والممثلات بشأن شخصية النص أثناء عملية التدريب. إن فهم سمات الشخصية الجسدية والعاطفية والصوتية يساعد المخرج كثيرًا في إخراج عمل أمين من الناحية الفنية.
ينبغي على المخرج أن يتمتع بالقدرة على تصور متطلبات الديكور والأزياء والإضاءة في العرض، وتقبل آراء شركائه في عملية الإنتاج؛ غير أن المسؤولية النهائية في اختيار الأفضل والأنسب تقع على عاتقه هو فقط.
تعتمد الاستعدادات التي يعتمدها المخرج على المسرحية ومتطلبات الإنتاج. فالعمل على مسرحية جديدة يفصح عن مشاكل تختلف عن متطلبات عرض مسرحية كلاسيكية. ففي إخراج مسرحية جديدة، على سبيل المثال، يجب على المخرج أن يشتغل مباشرة مع المؤلف، إذ ربما أراد اقتراح تغيير في النص أو إعادة كتابة بعضه. وقد تستمر هذه العملية طوال فترة التدريب.
أما في إخراج نص قديم، فالمسؤول الوحيد هو المخرج الذي يتعامل ليس مع مؤلف إنما مع النص بصورة مباشرة. والتغيير هنا يعتمد على حكمته ومدى معرفته بالنص. قد يرى المخرج تغيير نص بشكل جذري حتى يصبح مقبولاً للمشاهد المعاصر. فالعديد من المخرجين يرون أن من واجبهم جعل المسرحية تعني شيئًا للمشاهد المعاصر بتغيير زمنها ومكانها أو بإعادة تفسيرها. وقد يتطلب هذا التغيير حذف أو استبدال بعض الكلمات الغامضة أو حذف بعض المشاهد أو مناظر بكاملها. كما أن المخرج قد يطلب مساعدة أديب مختص لنصحه بشأن المسائل والتفاصيل المتعلقة بالأسلوب والفترة الزمنية التي كتبت فيه المسرحية. ومازال هناك خلاف بخصوص مدى صلاحية المخرج في التحكم في النص كما ذُكر سابقًا.
العمل مع المصممين. قبل إجراء البروفات (التدريبات)، يجب أن يبحث المخرج تفسير المسرحية مع مصممي الديكور والأزياء والإضاءة. يقدم هؤلاء المختصون اقتراحاتهم عن تصميماتهم، وللمخرج أن يتقبلها أو يطلب إجراء بعض التعديلات عليها. يجب على المخرج التأكد من أن التصميمات المقترحة تناسب الأحداث والحالة النفسية والموضوع والأشخاص والفترة الزمنية التي كتبت فيها المسرحية. كما يجب أن تكون الملابس والديكورات عملية حتى لا تعيق حركة الممثلين على خشبة المسرح.
اختيار الممثلين. أول عمل من أعمال المخرج هو اختيار الممثلين لجميع أدوار المسرحية. وعادة يتم التعاقد مع خبير اختيار الممثلين الذين اختيروا في تجربة الأداء النهائية. قد يكون هناك تجربة أداء يشترك فيها كل من يرغب في ذلك. إن مثل هذه التجارب الأدائية إجبارية في جميع عروض المحترفين في مدينة نيويورك؛ وتسمى التجارب في مثل هذه الحالة تجارب أدائية خاصة.
قد يُعطى الممثلون الذين سيشتركون في التجربة الأدائية المسرحية لقراءتها قبل التجربة. وقد يعطى بعض المخرجين أجزاء من مسرحيات مختلفة لحفظها عن ظهر قلب، وتمثيلها أمام لجنة الاستماع. وقد يطلب بعض المخرجين من المتسابقين استعمال طريقة البانتومايم (طريقة التمثيل بالحركات). ثم إن نوعًا آخر من المخرجين قد يطلب من المتسابق ارتجال تمثيل مشهد يقترحه المخرج نفسه أو أحد الحاضرين.
هناك العديد من العوامل التي تحدد اختيار المجموعة التي ستشترك في العرض. قد تتطلب بعض الأدوار سمات جسمانية وصوتية محددة. كما أن حيز الدور العاطفي يجب أن يؤخذ بالحسبان. ويحاول المخرج تصور الدور بعلاقته بالأدوار الأخرى في المسرحية والعرض، وذلك حتى يخلق فريقًا متجانسًا في أدائه.
التدريبات. تختلف طريقة التدريب من مخرج إلى آخر، ومن مسرحية إلى أخرى. وهناك أشياء يهتم بها معظم المخرجين التقليديين وهي: 1- الحضور المسرحي 2- الحركات والإشارات وتعابير الوجه 3- الصوت والإلقاء. ويعتقد الفريق الآخر من المخرجين أن الاهتمام الرئيسي يتمحور في الحصول على أفضل العروض من الممثلين بوصفهم شركاء في عملية إبداع، وذلك بتدريبهم على تقديم عرض موحد.
يعتقد المخرجون التقليديون أن كل لحظة في حياة المسرحية يجب أن تكون حضورًا مسرحيًّا؛ بمعنى أن المشهد يجب أن يقدم نفسه للمشاهد دون مساعدة الحوار. يجب على كل حضور مسرحي أن يقدم عنصر اهتمام يعكس عاطفة المنظر المسيطرة آنيًّا والعلاقة بين الممثلين. إن عمل المخرج بالنسبة لهذا المنحى هو تركيز انتباه المشاهدين على العناصر المهمة وهذه تكون عادة واحدًا أو أكثر من أبطال العرض في فترة زمنية معينة. وتحصل هذه الحركة بالتحكم في مواقف الممثلين بعلاقتهم بالمشاهدين وعلاقتهم ببعضهم. يعتقد العديد من المخرجين اليوم خطأ المنهج الذي يركز على الحضور المسرحي؛ أي خصائص المسرح الميكانيكية على حساب الخصائص المسرحية الأخرى.
على سبيل المثال، تعتبر الحركة أكثر حيوية من الحضور المسرحي فقط؛ لأن الحركة هي العنصر الأساسي الذي يمزج المشهد المسرحي مع غيره لإيجاد الشعور بسير الحدث وتطوره. كما يجب على الحركة أن تناسب الشخصية والموقف والحالة النفسية ونوع المسرحية. إضافة إلى ذلك، تعتبر الإشارات وتعابير الوجه مكملة للحركة. صحيح أن الممثلين هم المسؤولون عن التغلب على مشاكل الصوت والإلقاء، غير أن المخرج هو المسؤول عن جعل الممثلين يتحدثون بطريقة واضحة ومؤثرة.
تتم التدريبات عادة في غرفة خاصة بدلاً من خشبة المسرح. يتكون برنامج التدريب على مسرحية تقليدية من عدة مراحل: أولاً يقوم المخرج والممثلون بقراءة ودراسة المسرحية. بعدها، يقوم المخرج بقولبة الحدث؛ أي تحضير الإطار العام لحركة الممثلين بصورة مبدئية. بعد ذلك، يتم العمل المُفصل في دراسة تقمص الشخصيات وقراءة النص سطرًا سطرًا والقيام بالأدوار التمثيلية، وتغيير المناظر ودمج الممثلين في وحدة متناغمة وفنيّات التغلب على مشاكل الإضاءة والديكور والأزياء وأية اهتمامات فنيّة أخرى. ويقوم المخرج أخيرًا، في مرحلة التجربة بالأزياء، بدمج جميع عناصر العرض لتقديم الصورة النهائية التي ستظهر بها المسرحية في ليلة الافتتاح.
مساعدو المخرج. يشمل مساعدو المخرج مدير المسرح ومدير أو مديري خشبة المسرح (ويعتمد وجود هؤلاء على الميزانية) ومساعد مدير مسرح، وسكرتيرًا للتدريبات. وعادة ما يقوم شخص واحد بعمل مساعد مدير المسرح وسكرتير التدريبات.
يجلس السكرتير بجانب المخرج أثناء التدريبات لكتابة الملاحظات. وبإمكان مساعد مدير المسرح قيادة التدريب في تمثيل بعض المشاهد؛ كما أن بمقدوره العمل كحلقة وصل بين المخرج والمصممين. ويقوم مدير مسرح فرق المحترفين بتنظيم تجارب الأداء؛ كما يحضر كلَّ التدريبات ويسجل التغيير في الحوار وقولبة الحوادث في النسخة الأصلية من النص.
الممثلون
الممثلون هم من بين القلة من الفنانين الذين لا يمكنهم فصل وسائل التعبير لديهم عن أنفسهم، لأنهم يبدعون باستخدام أجسادهم وأصواتهم وميزاتهم النفسية والعقلية؛ أي أن إبداعهم لا ينفصل عن شخصياتهم. إنه لمن الصعب فصل موهبة الممثل وإبداعه عن شخصيته، غير أن التمثيل فن، وكما هو الحال في أي فن، فلا بد من توافر عناصر أساسية لدى الممثل، مثل المقدرة والدراسة والممارسة.
الجسم والصوت. يحتاج الممثلون إلى أجساد مرنة مطواعة معبرة. ويتحتم عليهم استخدام أجسادهم لعرض مواقف عديدة ومتنوعة. ويمكنهم اكتساب هذه الخبرات بدراسة مقررات في الحركة على المسرح والرقص والمبارزة بالسيف، أو باشتراكهم في تمارين رياضية تتطلب الكثير من التنسيق والقدرة. إن الرقص والمبارزة بالسيف رياضتان مفيدتان لأنهما تزودان الجسم بالرشاقة والتحكم بالحركة. إضافة إلى ذلك، يستطيع الممثلون الذين يجيدون الرقص والمبارزة بالسيف الحصول على عمل أكثر من غيرهم. إن نفس متطلبات المرونة والتحكم والتعبير تنطبق على الصوت أيضًا. يتدرب الممثلون على طريقة التنفس بطريقة صحيحة وعلى التنويع في إيقاع الصوت والنبرة. كما أنهم يتعلمون التحدث بلهجات مختلفة. إن التدرب على الإلقاء والغناء والاسترخاء شيء مهم. غير أن معظم الممثلين يتدربون سنين عديدة لاكتساب القدرة على تطويع أصواتهم بشكل كبير يسمح لهم بالتحدث بصوت مرتفع أو منخفض أو بشكل حاد أو ناعم. بناء عليه، يجب على الممثلين المحترفين التدرب الدائم على تحسين قدراتهم الصوتية ومرونة أجسادهم طوال مدة ممارستهم لمهنة التمثيل.
الملاحظة والخيال. يجب على الممثلين أن يلمّوا بالعواطف والمواقف والدوافع الإنسانية حتى يتمكنوا من القيام بأدوارهم جيدًا، وأن يكونوا قادرين على التعبير عن هذه العناصر حتى يتم للمشاهدين فهمهم. إن الممثل الجيد يبني في نفسه عادة ملاحظة الآخرين وتذكر طريقة تصرفهم. فلو قبل ممثل دور رجل عجوز، على سبيل المثال، فيمكنه التحضير للدور جزئياً بملاحظة كيف يمشي المسنون وكيف يقفون وكيف يجلسون. بعدها، يمكنه تطبيق هذه الحركات لتتماشى مع الشخصية التي يريد تصويرها. ويتعلم الممثل كيف يستجيب أناس مختلفون لنفس العواطف (مثل السعادة والحزن والخوف) بطُرق مختلفة.
ويمكن للممثلين تطوير ذاكرة عاطفية تمكنهم من استرجاع الموقف الذي أوجد عندهم رد فعل عاطفي مماثل لذلك الذي يودون تصويره. غير أن هذه طريقة تمثيل معقدة ولايجب استخدامها إلا بعد أن يطور الممثل فهمًا شاملاً وعميقًا لها. ويتعلم الممثلون فهم الآخرين بفهم ذواتهم وقدراتهم العاطفية قدر المستطاع. إنهم يصورون الآخرين باستعمال معلوماتهم عن أنفسهم وتطوير نوع من التحكم بالاستجابة بعواطفهم.
التركيز. يعد التركيز شيئًا مهما للممثل. يجب أن يكون الممثل قادرًا على زج نفسه في مواقف خيالية لحجب جميع المؤثرات الخارجية عنه، موهمًا نفسه بأنه لا يمثل بل يقوم بدور حقيقي. وحتى يتسنى له فعل ذلك، يجب عليه التركيز والاستماع للممثلين الآخرين في المسرحية والاستجابة لما يقولون بشكل جيد. ويتطلب ذلك منه أيضًا التركيز على كلّ لحظة بدلاً من ملاحظة الحدث وانتظار ما سينتج عنه.
مناهج التمثيل. لا يستطيع الممثلون استخدام كامل مهاراتهم وقدراتهم في التمثيل، بغض النظر عن مستوى موهبتهم، دون تبنّي طريقة عمل ثابتة. يجب على الممثلين استخدام أكبر عدد ممكن من مناهج التمثيل حتى يستقروا في النهاية على واحد أو على مجموعة من تلك المناهج التي تناسب مواهبهم وقدراتهم.
ويمكن أن توصف الاختلافات بين مناهج التمثيل بطريقتين مختلفتين تمام الاختلاف، تسمى الأولى المنهج الآلي الخارجي والثانية المنهج النفساني الداخلي. ويختلف المنهجان حول انفعال الممثل أثناء الأداء. يرى المدافعون عن المنهج الآلي الخارجي أن الانفعال يضر عملية التمثيل. ويعتقدون أنه لا ينبغي على الممثل سوى تصوير عواطفه بإشارات خارجية. ويدّعي غلاة المنهج النفساني الداخلي أن الممثل لا يستطيع أن يمثل حقيقة إلا من خلال الأحاسيس الداخلية التي يجب أن تُجنَّد في تصوير الشخصية والموقف. ويُطلق على هذا المنهج أحيانًا منهج ستانيسلافسكي نسبة إلى المخرج الروسي قسطنطين ستانيسلافسكي. وتعرف صورة معدلة عن هذا المنهج في الغرب بالطريقة. ومع هذا، لا يعترف معظم الممثلين أن أيًا من المنهجين يقدم خيار التمثيل الأفضل الذي يرتضيه المشاهدون.
إيجاد الدور. ينبغي على الممثلين التغلب على مشاكل متنوعة ومعينة في كل مرة يمثلون فيها دورًا جديدًا، خاصة في المسرحيات التقليدية. وتحتوي هذه المشاكل عادة على: 1- تحليل الدور 2- الحركة والإشارة 3- مميزات الصوت 4- الاقتصاد والبناء 5- الأداء الموحّد.
تحليل الدور يبدأ بدراسة المسرحية بشكل إجمالي، يركّز بعدها الممثلون على الأدوار الخاصة بهم. إن أول ما يقومون به هو تحليل خصائص الشخصية المختلفة مثل: المظهر والوظيفة والمكانتين الاجتماعية والاقتصادية والسمات العامة. بعد ذلك، يفحصون هدف الشخصية وتصرفاتها في المسرحية بشكل عام وفي المشاهد كل واحد على انفراد. فعندما تصور المسرحية عصرًا معينًا يتحتم على الممثلين دراسة ذلك العصر من أكثر من ناحية.
الحركة والإشارة هما الطريقتان اللتان يصور فيهما الممثل طريقة مشي الشخصية المسرحية وقامتها وإشاراتها ومميزاتها الجسمانية الخاصة. صحيح أن المخرج يعرض إطار حركة الشخصية العام، غير أن الممثل هو المسؤول عن إخراج هذا النموذج التجريدي إلى حيز الوجود، وذلك بقدرته على فهم هدف كل دافع عاطفي وراء كل حركة تقوم بها الشخصية.
ميزات الصوت نعني بها خصائص الشخصية الصوتية. يحدد الممثلون الميزات المرغوبة في الصوت ويوائمون أصواتهم بناء على هذه الميزات. يمكن أن يتطلب دور معين طبقة صوت حادة؛ بينما دور آخر قد يتطلب صوتًا ناعمًا مريحًا. يتحتم على الممثل أن يدرس متطلبات كل مشهد على حدة. تكون بعض المشاهد حالمة، وهذه تتطلب صوتًا ناعمًا خافتًا؛ أما المشاهد الصاخبة فتتطلب أصواتًا مرتفعة جهورية وحادة.
الاقتصاد والبناء يحتويان على الطرق التي يقتصد فيها الممثلون في قواهم لدفع هذه القوى إلى الذروة عند الحاجة. فمعظم الشخصيات تتغير أو على الأقل تتطور أثناء عرض المسرحية، ويجب على الممثل في مثل هذه الحالة أن يعكس هذا التغيير أو التطور. إن الحاجة للمحافظة على بناء الدور مهمة جدًا في المسرحيات العاطفية؛ فلو بدأ الممثل دوره بوتيرة عاطفية مرتفعة أكثر من اللازم فسيجد صعوبة حقيقية فيما بعد في رفع هذه الوتيرة إلى مستوى أعلى. ويفشل الدور، لأنه سيكون بعد ذلك رتيبًا ومملاً. يجب على الممثلين أن يبدأوا على مهل حتى يتسنى لهم أن يُكسبوا تمثيلهم قوة وتشويقًا تمشيًا مع متطلبات النص المكتوب.
الأداء الموحّد يعني الإحساس بالتناغم والترابط اللذين ينتجان عن جهد الممثلين التعاوني الشامل. لن يكون هناك عرض فردي مؤثر إلا إذا كان منسجمًا مع العروض الفردية الأخرى، ويتأتى الأداء الموحد عندما يتأقلم كل ممثل مع حاجيات المسرحية ككل، ويكون في نفس الوقت على بينة من طرق تمثيل زملائه الآخرين ومواطن ضعفهم وقوتهم.
يتميز المسرح بغض النظر عن أشكاله و أنواعه باعتباره جنسا أدبيا بمجموعة من المميزات و الخصائص :
أولا القصة أو الأحداث : تنبني المسرحية على أفكار تطرح قظايا فكرية ، دينية ، تاريخية و اجتماعية ، و تعتمد المسرحية كغيرها من الفنون القصصية على أحداث تعرض من خلالها ما يجري بين الشخصيات و الحوار الذي يدور بينهما التي تجعل المسرح جنسا من جنس الفنون السردية .
ثانيا الشخصيات أو القوى الفاعلة : إن طبيعة المسرحية تجعل منها العمل الأدبي الوحيد الذي يتطلب تعدد الشخصيات ، و كل شخصية تحتفظ بوجودها المستقل من حيث أفكارها و مواقفها و ميولها و طموحها ، لكن هذا لا يتحقق إلا بتفاعلها مع سائر الشخوص حيث ينشأ صراع بينهما .
ثالثا الصراع : يميز هذا العنصر فن المسرحية عن باقي الفنون الأدبية ، و ينتج عن تضارب الرغبات و الغايات و المواقف ، حيث تتصارع قوى اجتماعية أو فكرية أو سياسية .... و نميز داخل هذا الصراع بين نمطين هما :
الصراع الخارجي : و يجري بين البطل و قوى خارج عن ذاته ، قد تكون غيبية كالقدر أو قوانين الطبيعة .
الصراع الداخلي : و يجري بين البطل مع نفسه كالصراع بين الحب و الواجب ، و الخير ، و الشر ، وينتظر من المسرحية دائما تقديم حوار يجعلها تمثل الأشخاص في أزماتها و صراعها كما يقع في الحياة و غالبا ما يمثل الصراع عقدة المسرحية .
رابعا الحوار: و يتشكل منه نسيج المسرحية و تتنامى بفضله الأحداث لتبلغ منتهاها . ذلك أن المسرحية تعتمد في عرض أحداثها و شخوصها على الحوار بخلاف باقي الفنون القصصية ، حيث يخصص حيز كبير لسارد يروي الأحداث و يعرفنا بالشخوص . و الحوار في المسرحية مهيأ ليقال و يشخص لذلك ينبغي على المؤلف أن يتفحص مضمون الكلام و أبعاد الشخصيات التي ستتلفظ به ثم آثار الكلام في الشخصيات الموجه إليها و أن تصوغ الكلام صياغة تتلاءم مع المواقف من حيث الطول و القصر . وتجدر الإشارة إلى أن لحظات الصمت التي تتخلل الحوار لا تكون اعتباطية و إنما تعتبر من الحوار الذي يستغنى به عن الكثير من الكلام .
خامسا الزمان و المكان : يشكلان في المسرحية كما في غيرها من الفنون القصصية الإطار الذي تجري فيه الأحداث ، و يحدد هذا الإطار في بداية كل فصل إذا كانت الأحداث تجري في أكثر من إطار زمكاني. وتقدم المسرحية فوق خشبة تحتاج إلى ديكور و إضاءة ، إضافة إلى مناظر أو مشاهد تنتهي بخروج شخصية و دخول أخرى ، و أما لغة المسرحية فهي إما شعرا أو نثرا.
سادسا الحركة : المسرحية لا تأخد وضعها الحقيقي إلا حين تمثل على خشبة المسرح حيث يشاهد المتفرج الحركة بعينه و يحس بالعواطف التي توجهها حتى يصبح كأحد الممثلين .
سابعا الفكرة أو الموضوع : ونقصد بها المضمون الفكري الذي تعالجه المسرحية ، حيث يمكن أن تعالج قضايا متنوعة و مختلفة سواء كانت قضايا اجتماعية ترتبط بالواقع الاجتماعي و ينتقد قضاياه كتحرير المرأة مثلا ، أو قضايا سياسية ، دينية ... و غيرها من القضايا الأخرى التي تحاول من خلالها المسرحية إبرازها و تقديمها للمجتمع .
ثامنا الفصول : تنبني المسرحية على نظام الفصول حيث تتراوح أعدادها بين ثلاث و خمس فصول و يتحدد الفصل بنهاية مرحلة محددة في مسرحية محددة و يرمز في الخشبة على بدايته بإصدار الستار .
عادة ما يكون الحدث المسرحي الناجح عملاً مشوقًا لكل من المشاهد والممثل والفني، بغض النظر عن مكان عرضها: مسرحًا محترفًا أو مسرحًا مدرسيًّا أو مجرد مساحة أقيمت مؤقتا لهذا الغرض. وتندرج العروض من التسلية الخفيفة، مثل العروض الموسيقية والكوميديا، إلى تلك التي تبحث في مواضيع سياسية وفلسفية جادة.
وليس المسرح كالمسرحية بالرغم من أن الكلمتين تُستخدمان عادة وكأنهما تحملان المعنى نفسه، ذلك لأن المسرحية تشير إلى الجانب الأدبي من العرض؛ أي النص ذاته. وعلاقة المسرح بالمسرحية علاقة العام بالخاص، أو بمعنى آخر: المسرح شكل فني عام، أحد موضوعاته أو عناصره النص الأدبي (المسرحية). انظر: المسرحية. ويعتقد بعض النقاد أن النص لا يصبح مسرحية إلا بعد تقديمه على خشبة المسرح وأمام الجمهور. ويقول آخرون: إن النص ليس سوى مخطط يستخدمه المخرج والفنانون الآخرون كأساس للعرض.
والعرض المسرحي من أكثر الفنون تعقيدًا؛ لأنه يتطلب العديد من الفنانين لأدائه. ومن بين هؤلاء المتخصصين: المؤلف والممثلون والمخرج ومصممو الديكور والأزياء والإضاءة ومختلف أنواع الفنيين. كما تتطلب بعض العروض الأخرى مصممي رقصات وموسيقيين وملحنين. ويُسمى المسرح أحيانًا الفن المختلط؛ لأنه يجمع بين النص والجو الذي يبتكره مصممو الديكور والإلقاء والحركات التي يقوم بها الممثلون.
كان الكاتب المسرحي في عهد المسرح الأول يقوم بجميع الأعمال الفنية مثل كتابة النص والتمثيل والإخراج، وبالتدريج أصبح هناك مختصون. وبرزت فنون المسرح العديدة، واكتسب كلٌّ من الممثل وكاتب النص شهرة في البداية بسبب أن الواحد منهما يعتمد على الآخر في إخراج فنهما إلى حيز الوجود.
وفي المسرح الحديث، اعتاد المخرج على مواءمة جميع خصائص العرض من تصميم الديكور إلى تصميم الأزياء والإضاءة والمؤثرات الصوتية والموسيقية والرقص. وربما كان أهم عمل للمخرج هو قيادة الممثلين في عملية إبداعهم، ومساعدتهم على أداء أدوارهم.
بناء المسرح الحديث
الصالة.
هي الجزء الذي يجلس فيه المشاهدون خلال العرض. وبشكل عام، تحتوي الصالة على مرافق أخرى مثل شباك التذاكر والمداخل والمخارج وأماكن الاستراحة والعرض وتناول المرطبات.
تسمح الصالة المصممة تصميمًا جيدًا للجمهور بالمشاهدة والاستماع بسهولة، كما تسمح لهم بالدخول والخروج من أماكنهم بيسر. ويكون داخلها مزينًا بصور جميلة ولكن ليس لدرجة تشغل المشاهدين عن التركيز على العرض على خشبة المسرح. ويتراوح حجم الصالات بين الصغير والكبير؛ كما أنها تختلف في مرافقها الأساسية. وتكون مقاعد الصالة جميعها في طابق واحد أو في الطابق الرئيسي أو في واحدة أو أكثر من الشرفات الداخلية. وكانت الصالات القديمة تحتوي على مقصورات خاصة قريبة جدًا من خشبة المسرح. أما في المسرح الحديث فيتقاسم الممثلون والمشاهدون نفس الحيز في الصالة.
يتغير ترتيب مقاعد المشاهدين في العديد من المسارح من عرض لآخر. وفي حالات معينة يُطلب من الجمهور تغيير أماكنهم أثناء العرض. وتُسمّى العروض التي تتطلب تغيير ترتيب مقاعد الجمهور أو تحتم على الممثلين التنقل بين المشاهدين في بريطانيا بعروض البرومينيد.
خشبة المسرح.
هناك أربعة أنواع رئيسية من خشبة المسرح الحديث: 1- خشبة المسرح الوجاهية 2- خشبة المسرح المفتوحة، وتسمى أيضًا خشبة المسرح الناتئة 3- خشبة المسرح المدوَّرة 4- خشبة المسرح المرن. وتوجد كل من هذه الأنواع نوعًا معينًا من العلاقة بين الممثلين والمشاهدين ويتطلب كل منها ترتيبًا من الإخراج.
خشبة المسرح الوجاهية هي الأكثر شيوعًا ومصممة لتشاهد من الأمام فقط، وتسمى في بعض الأحيان إطار الصورة، لأن المساحة التي يرى المشاهدون الأحداث من خلالها تشبه إطارًا للديكور وتحركات الممثلين؛ كما أن لها تسمية ثالثة وهي القوس الوجاهي. ويحتوي هذا النوع من خشبة المسرح على مساحة في مقدمته تفصل مقاعد الجمهور عن تلك التي خلف الإطار. ويمكن للموسيقيين الجلوس في هذا الحيز دون حجب رؤية مكان العرض عن المشاهدين.
في خشبة المسرح المدوّر، يجلس الجمهور المشاهد على جوانب المنصة الأربعة. وتحتوي جميع المسارح من هذا النوع على عدد محدد من المقاعد. وتكون المنصة المستعملة في المسرح المدوّر منخفضة تسمح للمشاهد برؤية كل ما يجري في دائرة الحدث على المسرح. ودائمًا ما توضع في نهاية الممشى أو خلف المشاهدين. ويتم تغيير المناظر في الظلام أو على مرأى من المشاهدين. ويدخل الممثلون إلى المسرح المدوّر من خلال الصالة. ويجب أن يكون تمثيلهم موجهًا إلى جميع الجهات.
في المسرح المرن، يتم تغيير الأمكنة المخصصة للعرض وللمشاهدين حتى يتناسب مع كل عرض. ومثل هذا التكيف يسمح للمخرج بحرية اختيار نوع العلاقة المناسبة بين العرض والمشاهدين. تستوعب معظم المسارح المرنة عددًا صغيرًا من المشاهدين وليس مستغربًا أن تكون خشبة المسرح المرن أكبر من صالة المشاهدين.
تؤدى العديد من العروض اليوم، كما كان الوضع في الماضي، في أماكن مستحدثة؛ أي أمكنة لم تخصص أصلاً للعرض المسرحي. ويمكن للمشاهدين الجلوس أو الوقوف في مثل هذه الأمكنة، كما يفعلون في المسارح ذات الخشبة المرنة. إن الشيء المشوق بشأن مسارح اليوم هو تنوع الأمكنة المخصصة للممثلين والمشاهدين.
مساحة خلف الكواليس. يمكن أن يحتوي المسرح المجهز تجهيزًا جيدًا على ورشة لصنع الملابس، والديكور، وغرف ملابس، وتدريبات ومقصورات إضاءة وصوت ومستودعات ملابس وديكور وغرفة خضراء لأعضاء هيئة المسرح. وتعمل معظم مسارح الهواة في أمكنة محدودة. تملك الفرق الكبيرة مساحات عمل خلف المسرح في نفس المبنى. أما الفرق الصغيرة فتكون ورش عملها في بنايات أخرى.
المُخْرِج
المخرج هو الشخص المسؤول عن قوة العرض الفنية بشكل عام في المسرح الحديث، فهو الذي يقرر تفسير النص وينسق جهود جميع الفنانين. ويمتلك المخرج سلطة كبيرة في المسرح لدرجة أن المقولة الشائعة في عالم المسرح اليوم هي: إن العرض ملك للمخرج. ومع هذا فالعديد من المخرجين الكبار متسامحون ومستعدون لتقبل أفكار الفنانين الذين يعملون معهم طيلة مدّة العرض.
يتمتع المخرج عادة بالصلاحيات التالية: 1- تحليل النص وتقرير التفسير المناسب الذي سيحدد شكل العرض. 2- العمل مع المؤلف والفنيين ومصممي الديكور والإضاءة والأزياء في تخطيطه لإخراج المسرحية. 3- قيادة الممثلين. 4- الإشراف على التدريبات. 5- تنسيق جميع عناصر الإنتاج النهائية.
تفسير النص. يجب على المخرج أن يكون مُلِمًّا جدًا بالنص حتى يستطيع اختيار الممثلين وتدريبهم وإرشاد المصممين. يتحتم عليه دراسة بنية المسرحية وتفحص الآليات التي يستخدمها المؤلف لسرد قصته وبناء عنصر التشويق فيها. فإن كانت المسرحية لا تستخدم البنية التقليدية، كما هو الحال في المسرح الجديد، يعمد المخرج إلى اكتشاف طريقة المؤلف في ابتكار جو النص وذلك بدراسة واستشفاف رد فعل المشاهدين. يعمد المخرج بعدها إلى تحليل تصرفات الشخصيات والجو المسيطر في كل جزء من النص، ليقرر علاقة الجزء الواحد بالجزء الآخر وعلاقة الاثنين بالنص ككل.
على المخرج أن يفهم عمل كل شخصية في المسرحية والدور المطلوب من الممثل إزاءها. ويتقبَّل المخرج رأي الممثلين والممثلات بشأن شخصية النص أثناء عملية التدريب. إن فهم سمات الشخصية الجسدية والعاطفية والصوتية يساعد المخرج كثيرًا في إخراج عمل أمين من الناحية الفنية.
ينبغي على المخرج أن يتمتع بالقدرة على تصور متطلبات الديكور والأزياء والإضاءة في العرض، وتقبل آراء شركائه في عملية الإنتاج؛ غير أن المسؤولية النهائية في اختيار الأفضل والأنسب تقع على عاتقه هو فقط.
تعتمد الاستعدادات التي يعتمدها المخرج على المسرحية ومتطلبات الإنتاج. فالعمل على مسرحية جديدة يفصح عن مشاكل تختلف عن متطلبات عرض مسرحية كلاسيكية. ففي إخراج مسرحية جديدة، على سبيل المثال، يجب على المخرج أن يشتغل مباشرة مع المؤلف، إذ ربما أراد اقتراح تغيير في النص أو إعادة كتابة بعضه. وقد تستمر هذه العملية طوال فترة التدريب.
أما في إخراج نص قديم، فالمسؤول الوحيد هو المخرج الذي يتعامل ليس مع مؤلف إنما مع النص بصورة مباشرة. والتغيير هنا يعتمد على حكمته ومدى معرفته بالنص. قد يرى المخرج تغيير نص بشكل جذري حتى يصبح مقبولاً للمشاهد المعاصر. فالعديد من المخرجين يرون أن من واجبهم جعل المسرحية تعني شيئًا للمشاهد المعاصر بتغيير زمنها ومكانها أو بإعادة تفسيرها. وقد يتطلب هذا التغيير حذف أو استبدال بعض الكلمات الغامضة أو حذف بعض المشاهد أو مناظر بكاملها. كما أن المخرج قد يطلب مساعدة أديب مختص لنصحه بشأن المسائل والتفاصيل المتعلقة بالأسلوب والفترة الزمنية التي كتبت فيه المسرحية. ومازال هناك خلاف بخصوص مدى صلاحية المخرج في التحكم في النص كما ذُكر سابقًا.
العمل مع المصممين. قبل إجراء البروفات (التدريبات)، يجب أن يبحث المخرج تفسير المسرحية مع مصممي الديكور والأزياء والإضاءة. يقدم هؤلاء المختصون اقتراحاتهم عن تصميماتهم، وللمخرج أن يتقبلها أو يطلب إجراء بعض التعديلات عليها. يجب على المخرج التأكد من أن التصميمات المقترحة تناسب الأحداث والحالة النفسية والموضوع والأشخاص والفترة الزمنية التي كتبت فيها المسرحية. كما يجب أن تكون الملابس والديكورات عملية حتى لا تعيق حركة الممثلين على خشبة المسرح.
اختيار الممثلين. أول عمل من أعمال المخرج هو اختيار الممثلين لجميع أدوار المسرحية. وعادة يتم التعاقد مع خبير اختيار الممثلين الذين اختيروا في تجربة الأداء النهائية. قد يكون هناك تجربة أداء يشترك فيها كل من يرغب في ذلك. إن مثل هذه التجارب الأدائية إجبارية في جميع عروض المحترفين في مدينة نيويورك؛ وتسمى التجارب في مثل هذه الحالة تجارب أدائية خاصة.
قد يُعطى الممثلون الذين سيشتركون في التجربة الأدائية المسرحية لقراءتها قبل التجربة. وقد يعطى بعض المخرجين أجزاء من مسرحيات مختلفة لحفظها عن ظهر قلب، وتمثيلها أمام لجنة الاستماع. وقد يطلب بعض المخرجين من المتسابقين استعمال طريقة البانتومايم (طريقة التمثيل بالحركات). ثم إن نوعًا آخر من المخرجين قد يطلب من المتسابق ارتجال تمثيل مشهد يقترحه المخرج نفسه أو أحد الحاضرين.
هناك العديد من العوامل التي تحدد اختيار المجموعة التي ستشترك في العرض. قد تتطلب بعض الأدوار سمات جسمانية وصوتية محددة. كما أن حيز الدور العاطفي يجب أن يؤخذ بالحسبان. ويحاول المخرج تصور الدور بعلاقته بالأدوار الأخرى في المسرحية والعرض، وذلك حتى يخلق فريقًا متجانسًا في أدائه.
التدريبات. تختلف طريقة التدريب من مخرج إلى آخر، ومن مسرحية إلى أخرى. وهناك أشياء يهتم بها معظم المخرجين التقليديين وهي: 1- الحضور المسرحي 2- الحركات والإشارات وتعابير الوجه 3- الصوت والإلقاء. ويعتقد الفريق الآخر من المخرجين أن الاهتمام الرئيسي يتمحور في الحصول على أفضل العروض من الممثلين بوصفهم شركاء في عملية إبداع، وذلك بتدريبهم على تقديم عرض موحد.
يعتقد المخرجون التقليديون أن كل لحظة في حياة المسرحية يجب أن تكون حضورًا مسرحيًّا؛ بمعنى أن المشهد يجب أن يقدم نفسه للمشاهد دون مساعدة الحوار. يجب على كل حضور مسرحي أن يقدم عنصر اهتمام يعكس عاطفة المنظر المسيطرة آنيًّا والعلاقة بين الممثلين. إن عمل المخرج بالنسبة لهذا المنحى هو تركيز انتباه المشاهدين على العناصر المهمة وهذه تكون عادة واحدًا أو أكثر من أبطال العرض في فترة زمنية معينة. وتحصل هذه الحركة بالتحكم في مواقف الممثلين بعلاقتهم بالمشاهدين وعلاقتهم ببعضهم. يعتقد العديد من المخرجين اليوم خطأ المنهج الذي يركز على الحضور المسرحي؛ أي خصائص المسرح الميكانيكية على حساب الخصائص المسرحية الأخرى.
على سبيل المثال، تعتبر الحركة أكثر حيوية من الحضور المسرحي فقط؛ لأن الحركة هي العنصر الأساسي الذي يمزج المشهد المسرحي مع غيره لإيجاد الشعور بسير الحدث وتطوره. كما يجب على الحركة أن تناسب الشخصية والموقف والحالة النفسية ونوع المسرحية. إضافة إلى ذلك، تعتبر الإشارات وتعابير الوجه مكملة للحركة. صحيح أن الممثلين هم المسؤولون عن التغلب على مشاكل الصوت والإلقاء، غير أن المخرج هو المسؤول عن جعل الممثلين يتحدثون بطريقة واضحة ومؤثرة.
تتم التدريبات عادة في غرفة خاصة بدلاً من خشبة المسرح. يتكون برنامج التدريب على مسرحية تقليدية من عدة مراحل: أولاً يقوم المخرج والممثلون بقراءة ودراسة المسرحية. بعدها، يقوم المخرج بقولبة الحدث؛ أي تحضير الإطار العام لحركة الممثلين بصورة مبدئية. بعد ذلك، يتم العمل المُفصل في دراسة تقمص الشخصيات وقراءة النص سطرًا سطرًا والقيام بالأدوار التمثيلية، وتغيير المناظر ودمج الممثلين في وحدة متناغمة وفنيّات التغلب على مشاكل الإضاءة والديكور والأزياء وأية اهتمامات فنيّة أخرى. ويقوم المخرج أخيرًا، في مرحلة التجربة بالأزياء، بدمج جميع عناصر العرض لتقديم الصورة النهائية التي ستظهر بها المسرحية في ليلة الافتتاح.
مساعدو المخرج. يشمل مساعدو المخرج مدير المسرح ومدير أو مديري خشبة المسرح (ويعتمد وجود هؤلاء على الميزانية) ومساعد مدير مسرح، وسكرتيرًا للتدريبات. وعادة ما يقوم شخص واحد بعمل مساعد مدير المسرح وسكرتير التدريبات.
يجلس السكرتير بجانب المخرج أثناء التدريبات لكتابة الملاحظات. وبإمكان مساعد مدير المسرح قيادة التدريب في تمثيل بعض المشاهد؛ كما أن بمقدوره العمل كحلقة وصل بين المخرج والمصممين. ويقوم مدير مسرح فرق المحترفين بتنظيم تجارب الأداء؛ كما يحضر كلَّ التدريبات ويسجل التغيير في الحوار وقولبة الحوادث في النسخة الأصلية من النص.
الممثلون
الممثلون هم من بين القلة من الفنانين الذين لا يمكنهم فصل وسائل التعبير لديهم عن أنفسهم، لأنهم يبدعون باستخدام أجسادهم وأصواتهم وميزاتهم النفسية والعقلية؛ أي أن إبداعهم لا ينفصل عن شخصياتهم. إنه لمن الصعب فصل موهبة الممثل وإبداعه عن شخصيته، غير أن التمثيل فن، وكما هو الحال في أي فن، فلا بد من توافر عناصر أساسية لدى الممثل، مثل المقدرة والدراسة والممارسة.
الجسم والصوت. يحتاج الممثلون إلى أجساد مرنة مطواعة معبرة. ويتحتم عليهم استخدام أجسادهم لعرض مواقف عديدة ومتنوعة. ويمكنهم اكتساب هذه الخبرات بدراسة مقررات في الحركة على المسرح والرقص والمبارزة بالسيف، أو باشتراكهم في تمارين رياضية تتطلب الكثير من التنسيق والقدرة. إن الرقص والمبارزة بالسيف رياضتان مفيدتان لأنهما تزودان الجسم بالرشاقة والتحكم بالحركة. إضافة إلى ذلك، يستطيع الممثلون الذين يجيدون الرقص والمبارزة بالسيف الحصول على عمل أكثر من غيرهم. إن نفس متطلبات المرونة والتحكم والتعبير تنطبق على الصوت أيضًا. يتدرب الممثلون على طريقة التنفس بطريقة صحيحة وعلى التنويع في إيقاع الصوت والنبرة. كما أنهم يتعلمون التحدث بلهجات مختلفة. إن التدرب على الإلقاء والغناء والاسترخاء شيء مهم. غير أن معظم الممثلين يتدربون سنين عديدة لاكتساب القدرة على تطويع أصواتهم بشكل كبير يسمح لهم بالتحدث بصوت مرتفع أو منخفض أو بشكل حاد أو ناعم. بناء عليه، يجب على الممثلين المحترفين التدرب الدائم على تحسين قدراتهم الصوتية ومرونة أجسادهم طوال مدة ممارستهم لمهنة التمثيل.
الملاحظة والخيال. يجب على الممثلين أن يلمّوا بالعواطف والمواقف والدوافع الإنسانية حتى يتمكنوا من القيام بأدوارهم جيدًا، وأن يكونوا قادرين على التعبير عن هذه العناصر حتى يتم للمشاهدين فهمهم. إن الممثل الجيد يبني في نفسه عادة ملاحظة الآخرين وتذكر طريقة تصرفهم. فلو قبل ممثل دور رجل عجوز، على سبيل المثال، فيمكنه التحضير للدور جزئياً بملاحظة كيف يمشي المسنون وكيف يقفون وكيف يجلسون. بعدها، يمكنه تطبيق هذه الحركات لتتماشى مع الشخصية التي يريد تصويرها. ويتعلم الممثل كيف يستجيب أناس مختلفون لنفس العواطف (مثل السعادة والحزن والخوف) بطُرق مختلفة.
ويمكن للممثلين تطوير ذاكرة عاطفية تمكنهم من استرجاع الموقف الذي أوجد عندهم رد فعل عاطفي مماثل لذلك الذي يودون تصويره. غير أن هذه طريقة تمثيل معقدة ولايجب استخدامها إلا بعد أن يطور الممثل فهمًا شاملاً وعميقًا لها. ويتعلم الممثلون فهم الآخرين بفهم ذواتهم وقدراتهم العاطفية قدر المستطاع. إنهم يصورون الآخرين باستعمال معلوماتهم عن أنفسهم وتطوير نوع من التحكم بالاستجابة بعواطفهم.
التركيز. يعد التركيز شيئًا مهما للممثل. يجب أن يكون الممثل قادرًا على زج نفسه في مواقف خيالية لحجب جميع المؤثرات الخارجية عنه، موهمًا نفسه بأنه لا يمثل بل يقوم بدور حقيقي. وحتى يتسنى له فعل ذلك، يجب عليه التركيز والاستماع للممثلين الآخرين في المسرحية والاستجابة لما يقولون بشكل جيد. ويتطلب ذلك منه أيضًا التركيز على كلّ لحظة بدلاً من ملاحظة الحدث وانتظار ما سينتج عنه.
مناهج التمثيل. لا يستطيع الممثلون استخدام كامل مهاراتهم وقدراتهم في التمثيل، بغض النظر عن مستوى موهبتهم، دون تبنّي طريقة عمل ثابتة. يجب على الممثلين استخدام أكبر عدد ممكن من مناهج التمثيل حتى يستقروا في النهاية على واحد أو على مجموعة من تلك المناهج التي تناسب مواهبهم وقدراتهم.
ويمكن أن توصف الاختلافات بين مناهج التمثيل بطريقتين مختلفتين تمام الاختلاف، تسمى الأولى المنهج الآلي الخارجي والثانية المنهج النفساني الداخلي. ويختلف المنهجان حول انفعال الممثل أثناء الأداء. يرى المدافعون عن المنهج الآلي الخارجي أن الانفعال يضر عملية التمثيل. ويعتقدون أنه لا ينبغي على الممثل سوى تصوير عواطفه بإشارات خارجية. ويدّعي غلاة المنهج النفساني الداخلي أن الممثل لا يستطيع أن يمثل حقيقة إلا من خلال الأحاسيس الداخلية التي يجب أن تُجنَّد في تصوير الشخصية والموقف. ويُطلق على هذا المنهج أحيانًا منهج ستانيسلافسكي نسبة إلى المخرج الروسي قسطنطين ستانيسلافسكي. وتعرف صورة معدلة عن هذا المنهج في الغرب بالطريقة. ومع هذا، لا يعترف معظم الممثلين أن أيًا من المنهجين يقدم خيار التمثيل الأفضل الذي يرتضيه المشاهدون.
إيجاد الدور. ينبغي على الممثلين التغلب على مشاكل متنوعة ومعينة في كل مرة يمثلون فيها دورًا جديدًا، خاصة في المسرحيات التقليدية. وتحتوي هذه المشاكل عادة على: 1- تحليل الدور 2- الحركة والإشارة 3- مميزات الصوت 4- الاقتصاد والبناء 5- الأداء الموحّد.
تحليل الدور يبدأ بدراسة المسرحية بشكل إجمالي، يركّز بعدها الممثلون على الأدوار الخاصة بهم. إن أول ما يقومون به هو تحليل خصائص الشخصية المختلفة مثل: المظهر والوظيفة والمكانتين الاجتماعية والاقتصادية والسمات العامة. بعد ذلك، يفحصون هدف الشخصية وتصرفاتها في المسرحية بشكل عام وفي المشاهد كل واحد على انفراد. فعندما تصور المسرحية عصرًا معينًا يتحتم على الممثلين دراسة ذلك العصر من أكثر من ناحية.
الحركة والإشارة هما الطريقتان اللتان يصور فيهما الممثل طريقة مشي الشخصية المسرحية وقامتها وإشاراتها ومميزاتها الجسمانية الخاصة. صحيح أن المخرج يعرض إطار حركة الشخصية العام، غير أن الممثل هو المسؤول عن إخراج هذا النموذج التجريدي إلى حيز الوجود، وذلك بقدرته على فهم هدف كل دافع عاطفي وراء كل حركة تقوم بها الشخصية.
ميزات الصوت نعني بها خصائص الشخصية الصوتية. يحدد الممثلون الميزات المرغوبة في الصوت ويوائمون أصواتهم بناء على هذه الميزات. يمكن أن يتطلب دور معين طبقة صوت حادة؛ بينما دور آخر قد يتطلب صوتًا ناعمًا مريحًا. يتحتم على الممثل أن يدرس متطلبات كل مشهد على حدة. تكون بعض المشاهد حالمة، وهذه تتطلب صوتًا ناعمًا خافتًا؛ أما المشاهد الصاخبة فتتطلب أصواتًا مرتفعة جهورية وحادة.
الاقتصاد والبناء يحتويان على الطرق التي يقتصد فيها الممثلون في قواهم لدفع هذه القوى إلى الذروة عند الحاجة. فمعظم الشخصيات تتغير أو على الأقل تتطور أثناء عرض المسرحية، ويجب على الممثل في مثل هذه الحالة أن يعكس هذا التغيير أو التطور. إن الحاجة للمحافظة على بناء الدور مهمة جدًا في المسرحيات العاطفية؛ فلو بدأ الممثل دوره بوتيرة عاطفية مرتفعة أكثر من اللازم فسيجد صعوبة حقيقية فيما بعد في رفع هذه الوتيرة إلى مستوى أعلى. ويفشل الدور، لأنه سيكون بعد ذلك رتيبًا ومملاً. يجب على الممثلين أن يبدأوا على مهل حتى يتسنى لهم أن يُكسبوا تمثيلهم قوة وتشويقًا تمشيًا مع متطلبات النص المكتوب.
الأداء الموحّد يعني الإحساس بالتناغم والترابط اللذين ينتجان عن جهد الممثلين التعاوني الشامل. لن يكون هناك عرض فردي مؤثر إلا إذا كان منسجمًا مع العروض الفردية الأخرى، ويتأتى الأداء الموحد عندما يتأقلم كل ممثل مع حاجيات المسرحية ككل، ويكون في نفس الوقت على بينة من طرق تمثيل زملائه الآخرين ومواطن ضعفهم وقوتهم.
يتميز المسرح بغض النظر عن أشكاله و أنواعه باعتباره جنسا أدبيا بمجموعة من المميزات و الخصائص :
أولا القصة أو الأحداث : تنبني المسرحية على أفكار تطرح قظايا فكرية ، دينية ، تاريخية و اجتماعية ، و تعتمد المسرحية كغيرها من الفنون القصصية على أحداث تعرض من خلالها ما يجري بين الشخصيات و الحوار الذي يدور بينهما التي تجعل المسرح جنسا من جنس الفنون السردية .
ثانيا الشخصيات أو القوى الفاعلة : إن طبيعة المسرحية تجعل منها العمل الأدبي الوحيد الذي يتطلب تعدد الشخصيات ، و كل شخصية تحتفظ بوجودها المستقل من حيث أفكارها و مواقفها و ميولها و طموحها ، لكن هذا لا يتحقق إلا بتفاعلها مع سائر الشخوص حيث ينشأ صراع بينهما .
ثالثا الصراع : يميز هذا العنصر فن المسرحية عن باقي الفنون الأدبية ، و ينتج عن تضارب الرغبات و الغايات و المواقف ، حيث تتصارع قوى اجتماعية أو فكرية أو سياسية .... و نميز داخل هذا الصراع بين نمطين هما :
الصراع الخارجي : و يجري بين البطل و قوى خارج عن ذاته ، قد تكون غيبية كالقدر أو قوانين الطبيعة .
الصراع الداخلي : و يجري بين البطل مع نفسه كالصراع بين الحب و الواجب ، و الخير ، و الشر ، وينتظر من المسرحية دائما تقديم حوار يجعلها تمثل الأشخاص في أزماتها و صراعها كما يقع في الحياة و غالبا ما يمثل الصراع عقدة المسرحية .
رابعا الحوار: و يتشكل منه نسيج المسرحية و تتنامى بفضله الأحداث لتبلغ منتهاها . ذلك أن المسرحية تعتمد في عرض أحداثها و شخوصها على الحوار بخلاف باقي الفنون القصصية ، حيث يخصص حيز كبير لسارد يروي الأحداث و يعرفنا بالشخوص . و الحوار في المسرحية مهيأ ليقال و يشخص لذلك ينبغي على المؤلف أن يتفحص مضمون الكلام و أبعاد الشخصيات التي ستتلفظ به ثم آثار الكلام في الشخصيات الموجه إليها و أن تصوغ الكلام صياغة تتلاءم مع المواقف من حيث الطول و القصر . وتجدر الإشارة إلى أن لحظات الصمت التي تتخلل الحوار لا تكون اعتباطية و إنما تعتبر من الحوار الذي يستغنى به عن الكثير من الكلام .
خامسا الزمان و المكان : يشكلان في المسرحية كما في غيرها من الفنون القصصية الإطار الذي تجري فيه الأحداث ، و يحدد هذا الإطار في بداية كل فصل إذا كانت الأحداث تجري في أكثر من إطار زمكاني. وتقدم المسرحية فوق خشبة تحتاج إلى ديكور و إضاءة ، إضافة إلى مناظر أو مشاهد تنتهي بخروج شخصية و دخول أخرى ، و أما لغة المسرحية فهي إما شعرا أو نثرا.
سادسا الحركة : المسرحية لا تأخد وضعها الحقيقي إلا حين تمثل على خشبة المسرح حيث يشاهد المتفرج الحركة بعينه و يحس بالعواطف التي توجهها حتى يصبح كأحد الممثلين .
سابعا الفكرة أو الموضوع : ونقصد بها المضمون الفكري الذي تعالجه المسرحية ، حيث يمكن أن تعالج قضايا متنوعة و مختلفة سواء كانت قضايا اجتماعية ترتبط بالواقع الاجتماعي و ينتقد قضاياه كتحرير المرأة مثلا ، أو قضايا سياسية ، دينية ... و غيرها من القضايا الأخرى التي تحاول من خلالها المسرحية إبرازها و تقديمها للمجتمع .
ثامنا الفصول : تنبني المسرحية على نظام الفصول حيث تتراوح أعدادها بين ثلاث و خمس فصول و يتحدد الفصل بنهاية مرحلة محددة في مسرحية محددة و يرمز في الخشبة على بدايته بإصدار الستار .
الأحد، 4 أبريل 2010
الفروض
الفرض الأول الدورة الثانية للثانية علوم إنسانية الموسم الدراسي 2009/2010
اليتـــيم
من عمري فقيرا معدما لا أملك من متاع الدنيا شيئا، فكفلني عمي و كان خير الأعمام و أكرمهم و أوسعهم برا و إحسانا و أكثرهم عطفا و حنانا، فقد أنزلني من نفسه منزلة لم ينزلها أحد من قبلي غير ابنته الصغيرة، و كانت من عمري أو أصغر مني قليلا، و كأنما سره أن يرى لها بجانبها أخا بعدما تمنى على الله ذلك زمنا طويلا فلم يدرك أمنيته.فعنى بي عنايته بها و أدخلنا المدرسة في يوم واحد، فأنست بها أنس الأخ بأخته و أحببتها حبا شديدا، و وجدت في عشرتها من السعادة و الغبطة ما ذهب بتلك الغضاضة التي كانت لا تزال تعاود نفسي بعد فقدي أبوي من حين إلى آخر. فكان لا يرانا الرائي إلا ذاهبين إلى المدرسة أو عائدين منها، أو لاعبين في فناء المنزل أو مرتاضين في حديقته، أو مجتمعين في غرفة المذاكرة أو متحدثين في غرفة النوم، حتى جاء يوم حجابها فلزمت خدرها و استمريت في دراستي...
و لم يزل هذا شأني و شأنها حتى نزلت بعمي نازلة من المرض لم تنشب أن ذهبت به إلى جوار ربه. و كان آخر ما نطق به في آخر ساعات حياته أن قال لزوجته، و كان يحسن بها ظنا : لقد أعجلني الموت عن النظر في شأن هذا الغلام فكوني له أما كما كنت له أبا، و أوصيك أن لا يفقد مني بعد موتي إلا شخصي.
فما مرت أيام الحداد حتى رأيت وجوها غير الوجوه و نظرات غير النظرات، و حالا غريبة لا عهد لي بمثلها من قبل، فتداخلني الهم و اليأس، ووقع في نفسي للمرة الأولى في حياتي أنني أصبحت في هذا المنزل غريبا، و في هذا العالم طريدا.
فإني لجالس في غرفتي صبيحة يوم، إذ دخلت علي الخادم، و كانت من النساء المخلصات الصالحات، فتقدمت نحوي خجلة متعثرة، و قالت : قد أمرتني سيدتي أن أقول لك يا سيدي إنها عزمت على تزويج ابنتها في عهد قريب، و إنها ترى على بقائك بجانبها بعد موت أبيها و بلوغكما هذه السن التي بلغتماها ربما يريبها عند خطيبها، و إنها تريد أن تتخذ للزوجين مسكنا هذا الجناح الذي تسكنه من القصر. فكأنما عمدت إلى سهم رائش فأصبت به كبدي، إلا أنني تماسكت قليلا ريثما قلت لها : سأفعل إن شاء الله. فانصرفت لشأنها فخلوت بنفسي ساعة أطلقت فيها السبيل لعبراتي ما شاء الله أن أطلقها حتى جاء الليل فعمدت إلى حقيبتي فأودعتها ثيابي و كتبي، و قلت في نفسي : قد كان كل ما أسعد به في هذه الحياة أن أعيش بجانب ذلك الإنسان الذي أحببته و أحببت نفسي من أجله، و قد حيل بيني و بينه فلا آسف على شيء بعده .
مصطفى لطفي المنفلوطي، العبرات، المكتبة الثقافية بيروت ( بتصرف )
اكتب موضوعا إنشائيا تحلل من خلاله هذه القصة القصيرة، مسترشدا بالخطوات الآتية :
- ضع النص في سياقه التاريخي والأدبي. ( 2 ن)
- استخلاص أحداث القصة بتركيز. (3 ن)
- تحديد الشخصيات وأنواع العلاقة التي تجمعها في القصة. (3ن)
- نوع بدايته النص ونهايته والرسالة التي براهن عليها. (2ن)
المؤلفـــــــــــات ( 6 نقط )
"وعلى الرغم من أن تطور الشكل الشعري الحديث كان يتم على مسافات زمنية معلومة بالنسبة لكل شاعر، فقد استطاع الشكل الشعري الحديث .. أن يتجاوز الشكل القديم،وأقام بين نفسه وبينه جدارا يصعب على قارئ الشعر أن يتخطاه ما لم يُلِم إلماما حسنا بالتحولات الثورية التي أصابت العناصر الأساسية للشكل الشعري كاللغة و الإيقاع والتصوير البياني .."
أحمد المعداوي: "ظاهرة الشعر الحديث" ص:201
انطلاقا من هذا النص صغ موضوعا متكاملا تتناول فيه ما يلي :
- وضع النص في سياقه العام من المؤلَّف.
- تحديد التغيرات التي طرأت على الشكل الشعري للقصيد الجديدة ( لغة، إيقاع، تصوير ) مقارنة بالقصيدة التقليدية حسب الناقد أحمد المجاطي .
والله ولي التوفيق
اليتـــيم
من عمري فقيرا معدما لا أملك من متاع الدنيا شيئا، فكفلني عمي و كان خير الأعمام و أكرمهم و أوسعهم برا و إحسانا و أكثرهم عطفا و حنانا، فقد أنزلني من نفسه منزلة لم ينزلها أحد من قبلي غير ابنته الصغيرة، و كانت من عمري أو أصغر مني قليلا، و كأنما سره أن يرى لها بجانبها أخا بعدما تمنى على الله ذلك زمنا طويلا فلم يدرك أمنيته.فعنى بي عنايته بها و أدخلنا المدرسة في يوم واحد، فأنست بها أنس الأخ بأخته و أحببتها حبا شديدا، و وجدت في عشرتها من السعادة و الغبطة ما ذهب بتلك الغضاضة التي كانت لا تزال تعاود نفسي بعد فقدي أبوي من حين إلى آخر. فكان لا يرانا الرائي إلا ذاهبين إلى المدرسة أو عائدين منها، أو لاعبين في فناء المنزل أو مرتاضين في حديقته، أو مجتمعين في غرفة المذاكرة أو متحدثين في غرفة النوم، حتى جاء يوم حجابها فلزمت خدرها و استمريت في دراستي...
و لم يزل هذا شأني و شأنها حتى نزلت بعمي نازلة من المرض لم تنشب أن ذهبت به إلى جوار ربه. و كان آخر ما نطق به في آخر ساعات حياته أن قال لزوجته، و كان يحسن بها ظنا : لقد أعجلني الموت عن النظر في شأن هذا الغلام فكوني له أما كما كنت له أبا، و أوصيك أن لا يفقد مني بعد موتي إلا شخصي.
فما مرت أيام الحداد حتى رأيت وجوها غير الوجوه و نظرات غير النظرات، و حالا غريبة لا عهد لي بمثلها من قبل، فتداخلني الهم و اليأس، ووقع في نفسي للمرة الأولى في حياتي أنني أصبحت في هذا المنزل غريبا، و في هذا العالم طريدا.
فإني لجالس في غرفتي صبيحة يوم، إذ دخلت علي الخادم، و كانت من النساء المخلصات الصالحات، فتقدمت نحوي خجلة متعثرة، و قالت : قد أمرتني سيدتي أن أقول لك يا سيدي إنها عزمت على تزويج ابنتها في عهد قريب، و إنها ترى على بقائك بجانبها بعد موت أبيها و بلوغكما هذه السن التي بلغتماها ربما يريبها عند خطيبها، و إنها تريد أن تتخذ للزوجين مسكنا هذا الجناح الذي تسكنه من القصر. فكأنما عمدت إلى سهم رائش فأصبت به كبدي، إلا أنني تماسكت قليلا ريثما قلت لها : سأفعل إن شاء الله. فانصرفت لشأنها فخلوت بنفسي ساعة أطلقت فيها السبيل لعبراتي ما شاء الله أن أطلقها حتى جاء الليل فعمدت إلى حقيبتي فأودعتها ثيابي و كتبي، و قلت في نفسي : قد كان كل ما أسعد به في هذه الحياة أن أعيش بجانب ذلك الإنسان الذي أحببته و أحببت نفسي من أجله، و قد حيل بيني و بينه فلا آسف على شيء بعده .
مصطفى لطفي المنفلوطي، العبرات، المكتبة الثقافية بيروت ( بتصرف )
اكتب موضوعا إنشائيا تحلل من خلاله هذه القصة القصيرة، مسترشدا بالخطوات الآتية :
- ضع النص في سياقه التاريخي والأدبي. ( 2 ن)
- استخلاص أحداث القصة بتركيز. (3 ن)
- تحديد الشخصيات وأنواع العلاقة التي تجمعها في القصة. (3ن)
- نوع بدايته النص ونهايته والرسالة التي براهن عليها. (2ن)
المؤلفـــــــــــات ( 6 نقط )
"وعلى الرغم من أن تطور الشكل الشعري الحديث كان يتم على مسافات زمنية معلومة بالنسبة لكل شاعر، فقد استطاع الشكل الشعري الحديث .. أن يتجاوز الشكل القديم،وأقام بين نفسه وبينه جدارا يصعب على قارئ الشعر أن يتخطاه ما لم يُلِم إلماما حسنا بالتحولات الثورية التي أصابت العناصر الأساسية للشكل الشعري كاللغة و الإيقاع والتصوير البياني .."
أحمد المعداوي: "ظاهرة الشعر الحديث" ص:201
انطلاقا من هذا النص صغ موضوعا متكاملا تتناول فيه ما يلي :
- وضع النص في سياقه العام من المؤلَّف.
- تحديد التغيرات التي طرأت على الشكل الشعري للقصيد الجديدة ( لغة، إيقاع، تصوير ) مقارنة بالقصيدة التقليدية حسب الناقد أحمد المجاطي .
والله ولي التوفيق
الفروض
الفرض الأول الدورة الثانية للثانية علوم إنسانية الموسم الدراسي 2009/2010
اليتـــيم
من عمري فقيرا معدما لا أملك من متاع الدنيا شيئا، فكفلني عمي و كان خير الأعمام و أكرمهم و أوسعهم برا و إحسانا و أكثرهم عطفا و حنانا، فقد أنزلني من نفسه منزلة لم ينزلها أحد من قبلي غير ابنته الصغيرة، و كانت من عمري أو أصغر مني قليلا، و كأنما سره أن يرى لها بجانبها أخا بعدما تمنى على الله ذلك زمنا طويلا فلم يدرك أمنيته.فعنى بي عنايته بها و أدخلنا المدرسة في يوم واحد، فأنست بها أنس الأخ بأخته و أحببتها حبا شديدا، و وجدت في عشرتها من السعادة و الغبطة ما ذهب بتلك الغضاضة التي كانت لا تزال تعاود نفسي بعد فقدي أبوي من حين إلى آخر. فكان لا يرانا الرائي إلا ذاهبين إلى المدرسة أو عائدين منها، أو لاعبين في فناء المنزل أو مرتاضين في حديقته، أو مجتمعين في غرفة المذاكرة أو متحدثين في غرفة النوم، حتى جاء يوم حجابها فلزمت خدرها و استمريت في دراستي...
و لم يزل هذا شأني و شأنها حتى نزلت بعمي نازلة من المرض لم تنشب أن ذهبت به إلى جوار ربه. و كان آخر ما نطق به في آخر ساعات حياته أن قال لزوجته، و كان يحسن بها ظنا : لقد أعجلني الموت عن النظر في شأن هذا الغلام فكوني له أما كما كنت له أبا، و أوصيك أن لا يفقد مني بعد موتي إلا شخصي.
فما مرت أيام الحداد حتى رأيت وجوها غير الوجوه و نظرات غير النظرات، و حالا غريبة لا عهد لي بمثلها من قبل، فتداخلني الهم و اليأس، ووقع في نفسي للمرة الأولى في حياتي أنني أصبحت في هذا المنزل غريبا، و في هذا العالم طريدا.
فإني لجالس في غرفتي صبيحة يوم، إذ دخلت علي الخادم، و كانت من النساء المخلصات الصالحات، فتقدمت نحوي خجلة متعثرة، و قالت : قد أمرتني سيدتي أن أقول لك يا سيدي إنها عزمت على تزويج ابنتها في عهد قريب، و إنها ترى على بقائك بجانبها بعد موت أبيها و بلوغكما هذه السن التي بلغتماها ربما يريبها عند خطيبها، و إنها تريد أن تتخذ للزوجين مسكنا هذا الجناح الذي تسكنه من القصر. فكأنما عمدت إلى سهم رائش فأصبت به كبدي، إلا أنني تماسكت قليلا ريثما قلت لها : سأفعل إن شاء الله. فانصرفت لشأنها فخلوت بنفسي ساعة أطلقت فيها السبيل لعبراتي ما شاء الله أن أطلقها حتى جاء الليل فعمدت إلى حقيبتي فأودعتها ثيابي و كتبي، و قلت في نفسي : قد كان كل ما أسعد به في هذه الحياة أن أعيش بجانب ذلك الإنسان الذي أحببته و أحببت نفسي من أجله، و قد حيل بيني و بينه فلا آسف على شيء بعده .
مصطفى لطفي المنفلوطي، العبرات، المكتبة الثقافية بيروت ( بتصرف )
اكتب موضوعا إنشائيا تحلل من خلاله هذه القصة القصيرة، مسترشدا بالخطوات الآتية :
- ضع النص في سياقه التاريخي والأدبي. ( 2 ن)
- استخلاص أحداث القصة بتركيز. (3 ن)
- تحديد القوى الفاعلة في النص و العلاقات التي تربط بينها. (3ن)
- الرسالة التي رام الكاتب إيصالها إلى القارئ. (2ن)
المؤلفـــــــــــات ( 6 نقط )
"وعلى الرغم من أن تطور الشكل الشعري الحديث كان يتم على مسافات زمنية معلومة بالنسبة لكل شاعر، فقد استطاع الشكل الشعري الحديث .. أن يتجاوز الشكل القديم،وأقام بين نفسه وبينه جدارا يصعب على قارئ الشعر أن يتخطاه ما لم يُلِم إلماما حسنا بالتحولات الثورية التي أصابت العناصر الأساسية للشكل الشعري كاللغة و الإيقاع والتصوير البياني .."
أحمد المعداوي: "ظاهرة الشعر الحديث" ص:201
انطلاقا من هذا النص صغ موضوعا متكاملا تتناول فيه ما يلي :
- وضع النص في سياقه العام من المؤلَّف.
- تحديد التغيرات التي طرأت على الشكل الشعري للقصيد الجديدة ( لغة، إيقاع، تصوير ) مقارنة بالقصيدة التقليدية حسب الناقد أحمد المجاطي .
والله ولي التوفيق
اليتـــيم
من عمري فقيرا معدما لا أملك من متاع الدنيا شيئا، فكفلني عمي و كان خير الأعمام و أكرمهم و أوسعهم برا و إحسانا و أكثرهم عطفا و حنانا، فقد أنزلني من نفسه منزلة لم ينزلها أحد من قبلي غير ابنته الصغيرة، و كانت من عمري أو أصغر مني قليلا، و كأنما سره أن يرى لها بجانبها أخا بعدما تمنى على الله ذلك زمنا طويلا فلم يدرك أمنيته.فعنى بي عنايته بها و أدخلنا المدرسة في يوم واحد، فأنست بها أنس الأخ بأخته و أحببتها حبا شديدا، و وجدت في عشرتها من السعادة و الغبطة ما ذهب بتلك الغضاضة التي كانت لا تزال تعاود نفسي بعد فقدي أبوي من حين إلى آخر. فكان لا يرانا الرائي إلا ذاهبين إلى المدرسة أو عائدين منها، أو لاعبين في فناء المنزل أو مرتاضين في حديقته، أو مجتمعين في غرفة المذاكرة أو متحدثين في غرفة النوم، حتى جاء يوم حجابها فلزمت خدرها و استمريت في دراستي...
و لم يزل هذا شأني و شأنها حتى نزلت بعمي نازلة من المرض لم تنشب أن ذهبت به إلى جوار ربه. و كان آخر ما نطق به في آخر ساعات حياته أن قال لزوجته، و كان يحسن بها ظنا : لقد أعجلني الموت عن النظر في شأن هذا الغلام فكوني له أما كما كنت له أبا، و أوصيك أن لا يفقد مني بعد موتي إلا شخصي.
فما مرت أيام الحداد حتى رأيت وجوها غير الوجوه و نظرات غير النظرات، و حالا غريبة لا عهد لي بمثلها من قبل، فتداخلني الهم و اليأس، ووقع في نفسي للمرة الأولى في حياتي أنني أصبحت في هذا المنزل غريبا، و في هذا العالم طريدا.
فإني لجالس في غرفتي صبيحة يوم، إذ دخلت علي الخادم، و كانت من النساء المخلصات الصالحات، فتقدمت نحوي خجلة متعثرة، و قالت : قد أمرتني سيدتي أن أقول لك يا سيدي إنها عزمت على تزويج ابنتها في عهد قريب، و إنها ترى على بقائك بجانبها بعد موت أبيها و بلوغكما هذه السن التي بلغتماها ربما يريبها عند خطيبها، و إنها تريد أن تتخذ للزوجين مسكنا هذا الجناح الذي تسكنه من القصر. فكأنما عمدت إلى سهم رائش فأصبت به كبدي، إلا أنني تماسكت قليلا ريثما قلت لها : سأفعل إن شاء الله. فانصرفت لشأنها فخلوت بنفسي ساعة أطلقت فيها السبيل لعبراتي ما شاء الله أن أطلقها حتى جاء الليل فعمدت إلى حقيبتي فأودعتها ثيابي و كتبي، و قلت في نفسي : قد كان كل ما أسعد به في هذه الحياة أن أعيش بجانب ذلك الإنسان الذي أحببته و أحببت نفسي من أجله، و قد حيل بيني و بينه فلا آسف على شيء بعده .
مصطفى لطفي المنفلوطي، العبرات، المكتبة الثقافية بيروت ( بتصرف )
اكتب موضوعا إنشائيا تحلل من خلاله هذه القصة القصيرة، مسترشدا بالخطوات الآتية :
- ضع النص في سياقه التاريخي والأدبي. ( 2 ن)
- استخلاص أحداث القصة بتركيز. (3 ن)
- تحديد القوى الفاعلة في النص و العلاقات التي تربط بينها. (3ن)
- الرسالة التي رام الكاتب إيصالها إلى القارئ. (2ن)
المؤلفـــــــــــات ( 6 نقط )
"وعلى الرغم من أن تطور الشكل الشعري الحديث كان يتم على مسافات زمنية معلومة بالنسبة لكل شاعر، فقد استطاع الشكل الشعري الحديث .. أن يتجاوز الشكل القديم،وأقام بين نفسه وبينه جدارا يصعب على قارئ الشعر أن يتخطاه ما لم يُلِم إلماما حسنا بالتحولات الثورية التي أصابت العناصر الأساسية للشكل الشعري كاللغة و الإيقاع والتصوير البياني .."
أحمد المعداوي: "ظاهرة الشعر الحديث" ص:201
انطلاقا من هذا النص صغ موضوعا متكاملا تتناول فيه ما يلي :
- وضع النص في سياقه العام من المؤلَّف.
- تحديد التغيرات التي طرأت على الشكل الشعري للقصيد الجديدة ( لغة، إيقاع، تصوير ) مقارنة بالقصيدة التقليدية حسب الناقد أحمد المجاطي .
والله ولي التوفيق
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)