أولا: النص الفلسفي:
النص الفلسفي هو مجموعة من الأفكار المرتبة والأحكام المدللة التي تؤدي موقفا فلسفيا نسقيا من قضية /إشكالية محددة. ومعالجته تتطلب احترام المراحل التالية:
المقدمة: تتكون من تمهيد مناسب يحدد الموضوع (الشخصية، الغير، الشغل...) الذي يتحدث عنه النص، ويستشكل الدعوى التي يحملها. لأن المصحح هنا ينظر فيما إذا فهم التلميذ النص أم لم يفهمه.
التحليل: يتوقف على تبليغ مراد صاحب النص بتفسير موقفه وشرحه شرحا مفصلا ومدللا وسليما (لغويا ومنطقيا)، باستعمال مفاهيمه وحججه، فهي التي تحمل معانيه وتبين مقاصده. ويستحسن توظيف الإستشهاد من داخل النص أو من خارجه توظيفا يحفظ للإنشاء اتساقه ومنطقه...
المناقشة: تجاوز النص إلى المواقف الفلسفية النقدية التي تخالفه، والتي تضفي على الإنشاء التكامل والعمق. أي أننا ننتقل في النص إلى نقيضه...
الخاتمة: تكون خلاصة تركيبية تجمع بين المواقف، أو تنحاز إلى أحدها باعتبار قوة حججه، أو تكون متسائلة ومفتوحة تزيد الإشكال عمقا.
ثانيا: القولة الفلسفية:
كل قولة فلسفية هي "جزء من نص" شريطة أن تحمل دعوى صاحبها، أو قل هي "نص قصير"، وتعبر عن موقف فلسفي واحد اتجاه إشكالية فلسفية محددة، إلا أن كل موقف فلسفي يحمل داخله نقيضه، أي الموقف الذي يختلف معه بصدد نفس الإشكالية.
لتحليل القولة الفلسفية ينبغي مراعاة الخطوات التالية أثناء كتابة الإنشاء الفلسفي:
1- المقدمة: تمهيد موجز ومناسب للموضوع الذي تعالجه القولة (اللغة، العقل، الحق...) مع استشكال المضمون المحوري الذي تجيب عنه وتحويله إلى قضية قابلة للإستفهام والنقد، وهو استشكال غالبا ما تسبق معالجته خلال الدرس، ويطلب هنا مراعاة الربط المنطقي بين التمهيد و طرح الإشكال.
2- التحليل: في هذه المرحلة يطلب شرح مضمون القولة شرحا مفصلا، فكرة فكرة، بتوظيف مختلف المهارات والقدرات لتبليغه، مرورا باستعمال المفاهيم الأساس/المفتاح في الموضوع، مع العلم أن هناك فيلسوف واحد على الأقل يدافع عن هذا المضمون، لذلك يجب إحضار مختلف الحجج التي سيقت بصدد إثبات تلك الدعوى وترتيبها ترتيبا منطقيا يقوي حجيتها ويبلغ مقصد صاحبها بأمانة. ولا بأس من الإستشهاد من داخل القولة أو من الموقف أي تحمله، شريطة أن يكون أمينا ومناسبا ووجيزا...
3- المناقشة: هذه المرحلة تقتضي إبراز محدودية الدعوى السابقة، و استحضار دعاوى أخرى تعالج نفس الإشكالية، لكنها تختلف معها في نوع المقاربة والمحاججة والإستنتاج، وتعترض عليها وتنتقدها، فمثلا إذا كان مضمون القولة يلخص إثبات حرية الشخص في تكوين شخصيته، فإن هناك مواقف أخرى تنفي وتدحض هذا الإثبات، وتأتي بأدلة برهانية وحجاجية مختلفة تعتبرها كافية للتدليل على عدم قدرة الشخص على تكوين شخصيته. (العلوم الإنسانية)....
4- الخاتمة: تختم المراحل السابقة باستنتاج تركيبي، يجمع بين المواقف، أو ينحاز إلى أحدها، أو يطرح أفقا أوسع لحل الإشكالية المطروحة...
ثالثا: السؤال الفلسفي:
كل سؤال فلسفي يحمل إشكالية محورية يمكن توزيعها إلى عدة تساؤلات فرعية، مثلما يحمل إمكانية جوابين مختلفين على الأقل. يستعمل أحدهما في التحليل، ويرجى الآخر للمناقشة. مثلا السؤال: هل اللغة والفكر متصلان؟ له جوابان على الأقل هما:
1- الموقف الإتصالي او ما يسمى بالراي الاول، ويملأ مساحة التحليل
2- الموقف الإنفصالي * الراي المخالف*، ويستثمر في مناقشة الجواب الأول.
1- المقدمة: تمهيد يرتبط بالموضوع الذي يؤطر السؤال (النظرية، الحقيقة، السعادة...)، ثم إعادة صياغة هذا الأخير بشكل ينفتح على عدة مقاربات، ستكون محط اهتمامنا خلال العرض (التحليل و للمناقشة).
2- التحليل: البدء بأحد المواقف وتحليلها تحليلا منظما ينصب على المضمون من جهة وعلى البنية الحجاجية من جهة ثانية. مثلا فيما يخص السؤال السابق يرتكز التحليل على شرح الموقف الإتصالي (دي سوسير + ميرلوبونتي...)، مع عدم إغفال المفاهيم الفلسفية المستعملة في كل موقف...
3- المناقشة: بعد مرحلة إفهام الموقف السابق ننتقل إلى مرحلة الإختلاف والحوار بين المواقف الفلسفية، حيث تحضر الإجابات الأخرى المختلفة والتي تكشف حدود الموقف السابق وقصوره في الإحاطة بكل جوانب الإشكال المطروح، وتساهم في استكمال النظر فيه.
الاثنين، 17 مايو 2010
الانسجام -2- عمليات الإنسجام
الانسجام -2- عمليات الإنسجام (منقول)
التعريف:
الانسجام في اللغة هو ضم الشيء إلى الشيء، و في الاصطلاح هو مجموع الآليات/ العمليات الظاهرة والخفية التي تجعل قارئ خطاب ما قادرا على فهمه وتأويله.
ببساطة أنت حين تقرأ نصا ما تتوصل إلى فهم بنيته ومضامينه وكل خلفياته والأطر المنظمة له، إذا وصلت إلى هذه النقطة من الفهم فاعلم أنك وظفت آليات الانسجام، السؤال المطروح الآن ماهي هذه الآليات/ العلاقات؟
لتحديد العلاقات الخاصة بالانسجام ننطلق من الفرضيتين التاليتين:
1- الخطاب -كل خطاب- لا يملك مقومات انسجامه في ذاته، القارئ هو الذي يمتلك هذه الآليات. (لاحظ عزيزي القارئ كم نحن مهمين-أنا وأنت )
2- كل خطاب قابل للفهم فهو خطاب منسجم.والعكس صحيح.
مبادئ الانسجام:
1- السياق وخصائصه: مثلا تحديد الفترة التاريخية لظهور كتاب ما ييسر فهمه بشكل أفضل، لا تحاول أن تنتقد شاعرا قديما معتمدا رؤية إنسان معاصر ، فلكل عصر خصائصه.
2- مبدأ التأويل المحلي: تأويل النص أو جزء منه لا ينبغي أن يكون جزئيا أي لا نأخذ من النص ما يهم قراءتي وأترك ما لا ينسجم مع هذه القراءة، إذا فعلت هذا فإن تأويلي للظاهرة المدروسة لا يكون صحيحا. انظر إلى تأويل النويهي حينما تحدث عن علماء النفس المحدثين وموقفهم من النفس الإنسانية، فقد ربط النويهي كلام العلماء بشخصية ابن الرومي متناسيا السياق الزمني والاجتماعي المحلي للشخصية المدروسة.
3- مبدأ التشابه:كثيرا ما ترى أن الفكرة الواحدة قد تكون مشتركة بين أبناء عصر واحد، العقاد والنويهي على سبيل المثال يشتركان في كثير من النقط بالنسبة إلى ابن الرومي نظرا لخصائص الفترة التي عاشا فيها، لكن رؤيتنا نحن لابن الرومي مختلفة نظرا لتطور الدراسات النفسية .
4- مبدأ التغريض: ويقصد به الموضوع الرئيسي/ [النواة الرئيسية] الذي يتمحور حوله الخطاب المدروس.
عمليات الانسجام:
المعرفة الخلفية: لتكون قارئا جيدا/ محترفا عليك أن تكون ملما بالخلفيات التي تؤطر النص، هذه الخلفيات قد تكون سياسية أو دينية أو اجتماعية....، قد تتعجب من بعض آراء طه حسين -على سبيل المثال- من النصوص الدينية أو القرآن، لكن عليك دائما أن تستحضر الصراعات السياسية والثقافية التي عاشها طه حسين إذا أردت أن تفهم خطابه فهما جيدا.
قد نستغرب سجن بعض الأئمة المشهورين في العصر العباسي، لكن عليك أن تقرأ- وأن تكون ذكيا - الصراع السياسي آنذاك.
قد تستغرب من تطرف ابن الرومي في بعض نصوصه لكن لا تنس أنه كان يعيش ظروفا اجتماعية قاسية.
قراءة هذه الخلفيات تسمى بالأطر أي البنيات المتحكمة في فكر/ موقف ما.
المدونات:
هي الطريقة العلمية/النمطية التي يعتمدها العقل في الاستدلال على صحة فرضية ما. الانتقال من عنصر إلى عنصر، بناء نص منسجم مبني على درجة مقبولة ومعقولة للإقناع.
الخطاطات: تصميم محكم يمدنا بطريقة لتفسير وتأويل خطاب ما،
تذكر ما يلي:
الانسجام أعمق من الاتساق، لأنه يتطلب من المتلقي البحث في العلاقات الخفية -التي عادة لا تكشف عن نفسها ببساطة- في حين الاتساق يتعامل مع العلاقات الظاهرة أي اللغوية الشكلية.
التعريف:
الانسجام في اللغة هو ضم الشيء إلى الشيء، و في الاصطلاح هو مجموع الآليات/ العمليات الظاهرة والخفية التي تجعل قارئ خطاب ما قادرا على فهمه وتأويله.
ببساطة أنت حين تقرأ نصا ما تتوصل إلى فهم بنيته ومضامينه وكل خلفياته والأطر المنظمة له، إذا وصلت إلى هذه النقطة من الفهم فاعلم أنك وظفت آليات الانسجام، السؤال المطروح الآن ماهي هذه الآليات/ العلاقات؟
لتحديد العلاقات الخاصة بالانسجام ننطلق من الفرضيتين التاليتين:
1- الخطاب -كل خطاب- لا يملك مقومات انسجامه في ذاته، القارئ هو الذي يمتلك هذه الآليات. (لاحظ عزيزي القارئ كم نحن مهمين-أنا وأنت )
2- كل خطاب قابل للفهم فهو خطاب منسجم.والعكس صحيح.
مبادئ الانسجام:
1- السياق وخصائصه: مثلا تحديد الفترة التاريخية لظهور كتاب ما ييسر فهمه بشكل أفضل، لا تحاول أن تنتقد شاعرا قديما معتمدا رؤية إنسان معاصر ، فلكل عصر خصائصه.
2- مبدأ التأويل المحلي: تأويل النص أو جزء منه لا ينبغي أن يكون جزئيا أي لا نأخذ من النص ما يهم قراءتي وأترك ما لا ينسجم مع هذه القراءة، إذا فعلت هذا فإن تأويلي للظاهرة المدروسة لا يكون صحيحا. انظر إلى تأويل النويهي حينما تحدث عن علماء النفس المحدثين وموقفهم من النفس الإنسانية، فقد ربط النويهي كلام العلماء بشخصية ابن الرومي متناسيا السياق الزمني والاجتماعي المحلي للشخصية المدروسة.
3- مبدأ التشابه:كثيرا ما ترى أن الفكرة الواحدة قد تكون مشتركة بين أبناء عصر واحد، العقاد والنويهي على سبيل المثال يشتركان في كثير من النقط بالنسبة إلى ابن الرومي نظرا لخصائص الفترة التي عاشا فيها، لكن رؤيتنا نحن لابن الرومي مختلفة نظرا لتطور الدراسات النفسية .
4- مبدأ التغريض: ويقصد به الموضوع الرئيسي/ [النواة الرئيسية] الذي يتمحور حوله الخطاب المدروس.
عمليات الانسجام:
المعرفة الخلفية: لتكون قارئا جيدا/ محترفا عليك أن تكون ملما بالخلفيات التي تؤطر النص، هذه الخلفيات قد تكون سياسية أو دينية أو اجتماعية....، قد تتعجب من بعض آراء طه حسين -على سبيل المثال- من النصوص الدينية أو القرآن، لكن عليك دائما أن تستحضر الصراعات السياسية والثقافية التي عاشها طه حسين إذا أردت أن تفهم خطابه فهما جيدا.
قد نستغرب سجن بعض الأئمة المشهورين في العصر العباسي، لكن عليك أن تقرأ- وأن تكون ذكيا - الصراع السياسي آنذاك.
قد تستغرب من تطرف ابن الرومي في بعض نصوصه لكن لا تنس أنه كان يعيش ظروفا اجتماعية قاسية.
قراءة هذه الخلفيات تسمى بالأطر أي البنيات المتحكمة في فكر/ موقف ما.
المدونات:
هي الطريقة العلمية/النمطية التي يعتمدها العقل في الاستدلال على صحة فرضية ما. الانتقال من عنصر إلى عنصر، بناء نص منسجم مبني على درجة مقبولة ومعقولة للإقناع.
الخطاطات: تصميم محكم يمدنا بطريقة لتفسير وتأويل خطاب ما،
تذكر ما يلي:
الانسجام أعمق من الاتساق، لأنه يتطلب من المتلقي البحث في العلاقات الخفية -التي عادة لا تكشف عن نفسها ببساطة- في حين الاتساق يتعامل مع العلاقات الظاهرة أي اللغوية الشكلية.
الاتساق والانسجام
منقول
1-الاتساق
ـ تعريف الاتساق ـ الاتساق الدلالي والتركيبي
مثال الانطلاق:
"شاع في النقد الحديث البحث في الأصول الاجتماعية للعمل الأدبي أو تفسير الأدب بالنظر إلى أصوله الاجتماعية وتعليل نزعة الأدب بالنظر إلى موقعه الاجتماعي .وفي عملية التفسير هذه ،يوجه أنصار هذا الاتجاه اهتمامهم نحو مضمون الأثر ،لأنه أقدر على إبراز الدلالات الاجتماعية أو التاريخية أو النفسية فيه ،ومن هنا كان بحثهم في مسألة تأثير البيئة والوسط الاجتماعي في مضمون الأثر الأدبي الذي لا يعدو أن يكون تعبيرا عن موقف اجتماعي محدد،واستجابة لموقف الطبقة التي يجد الأديب نفسه فيها ،ولذا لا يمكن أن يعد الأدب حدثا فرديا ، بل هو حدث اجتماعي يرتبط في شكله ومضمونه واتجاهاته الفنية بظروف المجتمع وتياراته المختلفة"
- ملاحظة الأمثلة:
جمل النص تخضع لعملية بناء منضمة ومترابطة تركيبيا ودلاليا، كل جملة تؤدي إلى الجملة اللاحقة وقد تحقق هذا التعالق بواسطة أدواة ووسائل لغوية ،ويعرف هذا الترابط المنظم بين الجمل بالاتساق وهو الذي يضمن تماسك النص وتمييزه عن اللانص وقد ساهمت في عملية الاتساق مجموعة من الوسائل والأدوات النحوية والدلالية وهذا ما جعل الاتساق يكون تركيبيا ودلاليا.
فالاتساق التركيبي تم عبر عملية الوصل بين الجمل إما بالعطف (و ـ أو )أو بالموصولية (الذي ـ التي )أو التعليل (لأنه ـ لذا)أو الاستدراك (بل).
والاتساق الدلالي فقد تم عبر الإحالة ووظف فيها الكاتب الضمائر (الهاء ـ هوـ هم) وهي تحيل على ما سبق أي إحالة قبلية ،وأسماء الإشارة (هذا ـ هذه ـ هنا )وهذه الأسماء منها ما أحال على سابق (وفي عملية التفسير هذه)أي إحالة قبلية،ومنها ما أحال على لاحق (يوجه أنصار هذا الاتجاه)أي إحالة بعدية .
فالضمائر وأسماء الإشارة حققت اتساق النص بربط السابق باللاحق واللاحق بالسابق، كما أنها تحيل على عنصر موجود داخل النص(عملية التفسير هذه ) وتسمى إحالة نصية أو مقالية ، وقد تحيل على عنصر خارج النص (يوجه أنصار هذا الاتجاه)وتسمى إحالة مقامية.
خلاصة:
الاتساق ذلك التماسك الحاصل بين المفردات والجمل المشكلة للنصّ، وهذا التماسك يتأتّى من خلال وسائل لغويّة تصل بين العناصر المشكلة للنص ، وهذه الوسائل اللغوية حققت الاتساق التركيبي والدلالي بين عناصر النص.
الاتساق التركيبي:ويتحقق بوسائل لغوية كالوصل الذي يكون بأدوات الربط (و ـ أو ـ ف ـ ثم...) والأسماء الموصولة(الذي ـ التي ـ الذين ...) وحروف التفسير (أي ـ أعني ـ أقصد...) وتحقق الربط عبر عملية الوصل بين متواليات النص .
الاتساق الدلالي: ويتحقق بالإحالة وهي علاقة دلالية بين عنصر محيل وعنصر محال إليه وبهذا تكون إحالة قبلية عندما تحيل إلى ما سبق ، وإحالة بعدية عندما تحيل إلى العنصر اللاحق،كما تكون الإحالة مقامية عندما تحيل إلى عنصر خارج النص وإحالة مقالية أو نصية عندما تحيل إلى عنصر داخل النص.
ومن الوسائل اللغوية المعتمدة في الإحالة نجد الضمائر وأسماء الإشارة .
2- الانسجام
تعريف الانسجام ـ مبادئ الانسجام ـ عمليات بناء الانسجام
أمثلة الانطلاق:
"إن مؤرخي الآداب العرب ، وإن اتفقوا على القول بتأثير الوسط الاجتماعي في الأدب العربي الذي يظهر فيه ، لم يتفقوا على أي العوامل الاجتماعية يؤثر أكثر من غيره في الآداب ،فذهب زيدان والزيات إلى أن العامل السياسي هو المؤثر الأقوى في الأدب (...) ولكن طه حسين لم ير في ذلك رأيهما ، إذ العامل السياسي عنده لا يعدو أن يكون مؤثرا من بين مؤثرات أخرى عديدة في الأدب (...) وأما الرافعي فإن العامل السياسي عنده يؤثر في الأدب حينا ، ولا يؤثر فيه حينا آخر ."
حسين الواد " في تاريخ الأدب ـ مفاهيم ومناهج " المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت 1993 ط3 ص 76
- ملاحظة الأمثلة:
بقراءة النص يتبين أنه تحققت فيه شروط الاتساق تركيبيا ودلاليا ومعجميا عبر روابط ووسائل لغوية.
وبتمعن مضمونه نعرف أنه نص نقدي يتناول قضية تأثير الوسط الاجتماعي في الأدب العربي ،فمكونات النص تجمع بينها علاقات متينة يدركها المتلقي، ويستطيع تأويلها تأويلا مناسبا ،وهو ما يحقق انسجامنا مع النص .
وهذا الانسجام تم عبر عدة مستويات أو مبادئ وعلى رأسها:
مبدأ السياق : فعند قراءة النص عرفنا أنه نص نثري نقدي ويركز على قضية نقدية محددة وهي أي العوامل الاجتماعية أكثر تأثيرا في الأدب العربي.وهذا قربنا من النص وجعلنا ننسجم معه .
وهناك أيضا التأويل المحلي : ويتجلى ذلك من خلال قدرتنا على تأويل ما جاء في النص من مفردات تجمع بينها علاقات جعلتها منسجمة مع بعضها ومع القارئ فمؤرخي الأدب العربي نجد منهم في النص (طه حسين وأحمد الزيات وزيدان ثم الرافعي)وكلهم اهتموا بقضية تأثير الوسط الاجتماعي في الأدب العربي.
وبقراءة النص نجده يتشابه مع نصوص نقدية أخرى تهتم بالجانب الاجتماعي في الأدب العربي ،كالتي رأينا في درس النصوص ("علم اجتماع الأدب" ، لحميد لحمداني )،فتحقق الانسجام من خلال مبدأ التشابه.
وبقراءة النص نجده يتمحور حول تيمة مركزية تتكرر عبر النص وهي الأدب العربي محور الدراسة في النص وفيه تصب كل المحاور الجزئية المطروحة في النص ،فتحقق الانسجام عبر هذا المبدأ مبدأ التغريض (الكلمة المحور).
وبتتبع مبادئ الانسجام المحصلة نجد أنها تحققت عبر مجموعة من العمليات التي قربت بين النص والمتلقي وأول هذه العمليات المعرفة الخلفية ،وهي المخزون الفكري والثقافي الذي يجعلنا نفكك ونأول المفردات المختزلة في النص فنتعرف دلالاتها وأبعادها الفكرية (تاريخ الأدب ـ الوسط الاجتماعي ـ طه حسين ـ العامل السياسي ..).
وهذه المعرفة الخلفية تمكننا من تنظيم أفكار النص من العام إلى الخاص حسب الأهمية فالنص دراسة أدبية نقدية تهتم بتاريخ الأدب العربي ،واختلاف المؤرخين حول أي العوامل الاجتماعية يؤثر أكثر من غيره في الآداب ،وكل هذه الخطوات تمت عبر العملية التنظيمية.
خلاصة:
الانسجام في اللغة هو ضم الشيء إلى الشيء، و في الاصطلاح هو مجموع الآليات/ العمليات الظاهرة والخفية التي تجعل قارئ خطاب ما قادرا على فهمه وتأويله،وهناك مجموعة من المبادئ والعمليات التي تساهم في تحقيق الانسجام:
مبدأ السياق: ويتشكل من علاقة النص بالقارئ مما يمكنه من تحيد ظروف القضية وزمانها ومكانها ...
مبدأ التأويل المحلي : ويرتبط بقرائن النص التي يؤول بعضها بعضا ،فنعرف موضوع النص والعلاقات والقرائن التي تربط بين عناصره .
مبدأ التشابه: ويتم ذلك عبر تشابه النص مع نصوص أخرى في القضية التي يقاربها.
مبدأ التغريض: ويقصد به الموضوع الرئيسي/ [النواة الرئيسية] الذي يتمحور حوله الخطاب المدروس.
وهذه المبادئ ساهمت في تحققها عمليات أساسية ساهمت في بناء الانسجام منها:
ـ الخلفية المعرفية :وهي ما يحمله المتلقي من معلومات ومعارف تمكنه من التأويل والتفسير والتحليل .
ـ الخلفية التنظيمية : وهي ما نستحضره من تمثلات حول النص مرتبة بانتظام كتحديد مجال النص وجنسه ونمطه وخلفيته النظرية، مما يساعد على فهم النص والانسجام مع معطياته.
منقول
ودمتم بحفظ الله وعين رعايته
ودمتم ســــــــــالمين
__________________
1-الاتساق
ـ تعريف الاتساق ـ الاتساق الدلالي والتركيبي
مثال الانطلاق:
"شاع في النقد الحديث البحث في الأصول الاجتماعية للعمل الأدبي أو تفسير الأدب بالنظر إلى أصوله الاجتماعية وتعليل نزعة الأدب بالنظر إلى موقعه الاجتماعي .وفي عملية التفسير هذه ،يوجه أنصار هذا الاتجاه اهتمامهم نحو مضمون الأثر ،لأنه أقدر على إبراز الدلالات الاجتماعية أو التاريخية أو النفسية فيه ،ومن هنا كان بحثهم في مسألة تأثير البيئة والوسط الاجتماعي في مضمون الأثر الأدبي الذي لا يعدو أن يكون تعبيرا عن موقف اجتماعي محدد،واستجابة لموقف الطبقة التي يجد الأديب نفسه فيها ،ولذا لا يمكن أن يعد الأدب حدثا فرديا ، بل هو حدث اجتماعي يرتبط في شكله ومضمونه واتجاهاته الفنية بظروف المجتمع وتياراته المختلفة"
- ملاحظة الأمثلة:
جمل النص تخضع لعملية بناء منضمة ومترابطة تركيبيا ودلاليا، كل جملة تؤدي إلى الجملة اللاحقة وقد تحقق هذا التعالق بواسطة أدواة ووسائل لغوية ،ويعرف هذا الترابط المنظم بين الجمل بالاتساق وهو الذي يضمن تماسك النص وتمييزه عن اللانص وقد ساهمت في عملية الاتساق مجموعة من الوسائل والأدوات النحوية والدلالية وهذا ما جعل الاتساق يكون تركيبيا ودلاليا.
فالاتساق التركيبي تم عبر عملية الوصل بين الجمل إما بالعطف (و ـ أو )أو بالموصولية (الذي ـ التي )أو التعليل (لأنه ـ لذا)أو الاستدراك (بل).
والاتساق الدلالي فقد تم عبر الإحالة ووظف فيها الكاتب الضمائر (الهاء ـ هوـ هم) وهي تحيل على ما سبق أي إحالة قبلية ،وأسماء الإشارة (هذا ـ هذه ـ هنا )وهذه الأسماء منها ما أحال على سابق (وفي عملية التفسير هذه)أي إحالة قبلية،ومنها ما أحال على لاحق (يوجه أنصار هذا الاتجاه)أي إحالة بعدية .
فالضمائر وأسماء الإشارة حققت اتساق النص بربط السابق باللاحق واللاحق بالسابق، كما أنها تحيل على عنصر موجود داخل النص(عملية التفسير هذه ) وتسمى إحالة نصية أو مقالية ، وقد تحيل على عنصر خارج النص (يوجه أنصار هذا الاتجاه)وتسمى إحالة مقامية.
خلاصة:
الاتساق ذلك التماسك الحاصل بين المفردات والجمل المشكلة للنصّ، وهذا التماسك يتأتّى من خلال وسائل لغويّة تصل بين العناصر المشكلة للنص ، وهذه الوسائل اللغوية حققت الاتساق التركيبي والدلالي بين عناصر النص.
الاتساق التركيبي:ويتحقق بوسائل لغوية كالوصل الذي يكون بأدوات الربط (و ـ أو ـ ف ـ ثم...) والأسماء الموصولة(الذي ـ التي ـ الذين ...) وحروف التفسير (أي ـ أعني ـ أقصد...) وتحقق الربط عبر عملية الوصل بين متواليات النص .
الاتساق الدلالي: ويتحقق بالإحالة وهي علاقة دلالية بين عنصر محيل وعنصر محال إليه وبهذا تكون إحالة قبلية عندما تحيل إلى ما سبق ، وإحالة بعدية عندما تحيل إلى العنصر اللاحق،كما تكون الإحالة مقامية عندما تحيل إلى عنصر خارج النص وإحالة مقالية أو نصية عندما تحيل إلى عنصر داخل النص.
ومن الوسائل اللغوية المعتمدة في الإحالة نجد الضمائر وأسماء الإشارة .
2- الانسجام
تعريف الانسجام ـ مبادئ الانسجام ـ عمليات بناء الانسجام
أمثلة الانطلاق:
"إن مؤرخي الآداب العرب ، وإن اتفقوا على القول بتأثير الوسط الاجتماعي في الأدب العربي الذي يظهر فيه ، لم يتفقوا على أي العوامل الاجتماعية يؤثر أكثر من غيره في الآداب ،فذهب زيدان والزيات إلى أن العامل السياسي هو المؤثر الأقوى في الأدب (...) ولكن طه حسين لم ير في ذلك رأيهما ، إذ العامل السياسي عنده لا يعدو أن يكون مؤثرا من بين مؤثرات أخرى عديدة في الأدب (...) وأما الرافعي فإن العامل السياسي عنده يؤثر في الأدب حينا ، ولا يؤثر فيه حينا آخر ."
حسين الواد " في تاريخ الأدب ـ مفاهيم ومناهج " المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت 1993 ط3 ص 76
- ملاحظة الأمثلة:
بقراءة النص يتبين أنه تحققت فيه شروط الاتساق تركيبيا ودلاليا ومعجميا عبر روابط ووسائل لغوية.
وبتمعن مضمونه نعرف أنه نص نقدي يتناول قضية تأثير الوسط الاجتماعي في الأدب العربي ،فمكونات النص تجمع بينها علاقات متينة يدركها المتلقي، ويستطيع تأويلها تأويلا مناسبا ،وهو ما يحقق انسجامنا مع النص .
وهذا الانسجام تم عبر عدة مستويات أو مبادئ وعلى رأسها:
مبدأ السياق : فعند قراءة النص عرفنا أنه نص نثري نقدي ويركز على قضية نقدية محددة وهي أي العوامل الاجتماعية أكثر تأثيرا في الأدب العربي.وهذا قربنا من النص وجعلنا ننسجم معه .
وهناك أيضا التأويل المحلي : ويتجلى ذلك من خلال قدرتنا على تأويل ما جاء في النص من مفردات تجمع بينها علاقات جعلتها منسجمة مع بعضها ومع القارئ فمؤرخي الأدب العربي نجد منهم في النص (طه حسين وأحمد الزيات وزيدان ثم الرافعي)وكلهم اهتموا بقضية تأثير الوسط الاجتماعي في الأدب العربي.
وبقراءة النص نجده يتشابه مع نصوص نقدية أخرى تهتم بالجانب الاجتماعي في الأدب العربي ،كالتي رأينا في درس النصوص ("علم اجتماع الأدب" ، لحميد لحمداني )،فتحقق الانسجام من خلال مبدأ التشابه.
وبقراءة النص نجده يتمحور حول تيمة مركزية تتكرر عبر النص وهي الأدب العربي محور الدراسة في النص وفيه تصب كل المحاور الجزئية المطروحة في النص ،فتحقق الانسجام عبر هذا المبدأ مبدأ التغريض (الكلمة المحور).
وبتتبع مبادئ الانسجام المحصلة نجد أنها تحققت عبر مجموعة من العمليات التي قربت بين النص والمتلقي وأول هذه العمليات المعرفة الخلفية ،وهي المخزون الفكري والثقافي الذي يجعلنا نفكك ونأول المفردات المختزلة في النص فنتعرف دلالاتها وأبعادها الفكرية (تاريخ الأدب ـ الوسط الاجتماعي ـ طه حسين ـ العامل السياسي ..).
وهذه المعرفة الخلفية تمكننا من تنظيم أفكار النص من العام إلى الخاص حسب الأهمية فالنص دراسة أدبية نقدية تهتم بتاريخ الأدب العربي ،واختلاف المؤرخين حول أي العوامل الاجتماعية يؤثر أكثر من غيره في الآداب ،وكل هذه الخطوات تمت عبر العملية التنظيمية.
خلاصة:
الانسجام في اللغة هو ضم الشيء إلى الشيء، و في الاصطلاح هو مجموع الآليات/ العمليات الظاهرة والخفية التي تجعل قارئ خطاب ما قادرا على فهمه وتأويله،وهناك مجموعة من المبادئ والعمليات التي تساهم في تحقيق الانسجام:
مبدأ السياق: ويتشكل من علاقة النص بالقارئ مما يمكنه من تحيد ظروف القضية وزمانها ومكانها ...
مبدأ التأويل المحلي : ويرتبط بقرائن النص التي يؤول بعضها بعضا ،فنعرف موضوع النص والعلاقات والقرائن التي تربط بين عناصره .
مبدأ التشابه: ويتم ذلك عبر تشابه النص مع نصوص أخرى في القضية التي يقاربها.
مبدأ التغريض: ويقصد به الموضوع الرئيسي/ [النواة الرئيسية] الذي يتمحور حوله الخطاب المدروس.
وهذه المبادئ ساهمت في تحققها عمليات أساسية ساهمت في بناء الانسجام منها:
ـ الخلفية المعرفية :وهي ما يحمله المتلقي من معلومات ومعارف تمكنه من التأويل والتفسير والتحليل .
ـ الخلفية التنظيمية : وهي ما نستحضره من تمثلات حول النص مرتبة بانتظام كتحديد مجال النص وجنسه ونمطه وخلفيته النظرية، مما يساعد على فهم النص والانسجام مع معطياته.
منقول
ودمتم بحفظ الله وعين رعايته
ودمتم ســــــــــالمين
__________________
الأحد، 16 مايو 2010
لأسس الفلسفية للبنية الادبية
لأسس الفلسفية للبنية الادبية
قيس عمر
ينطلق البحث من حقيقة معروفة مفادها ان البنائية منهج علمي له ارهاصات فلسفية في مسيرة تكوينه، وهذا المنهج هو نتاج فلسفة احدثت قطيعة ابستملوجية مع الفلسفات التي سبقتها.
وقد اعتمدت البنائية - بوصفها منهجا علميا - على اخضاع النصوص الادبية للتحليل واكتشاف العلاقات التي تنتظم داخل بنى النص. ويؤكد كلود ليفي شتراوس هذا بقوله : "البنيوية ليست بأي حال من الأحوال فلسفة، وانما هي مجرد منهج للبحث العلمي"( ). ويذهب جان بياجيه "إلى ان البنيوية منهج، لا مذهب" ( ). وأهم ما يميز البنيوية "أنها تهتم بتقعيد الظواهر وتحليل مستوياتها المتعددة وهذا ما يجعل من البنيوية منهجاً لا فلسفةً وطريقة وليس آيدلوجيا"( ).
فالبنية لغة : "البَنْيُ: نقيض الهدم، بنى البناء البناء بَنياً وبناءً وبنى، مقصور، وبُنياناً وبنيةً وبنايةً وابتناه وبناه، والبناءُ: المبنيُّ والجمع أبنية، وأبنيات جمع الجمع واستعمل أبو حنيفة البناء في السفن. والبِنيةُ والبُنيةُ: ما بنيته، وهو البنى والبُنى. كأن البِنيةَ الهيئة التي بُنيَ عليها( ).
أما المعنى الاشتقاقي لمفردة البنية فهو يدلّ "في تضاعيفه على دلالة معمارية... وقد تكون بنية الشيء هي تكوين ... وتعني الكيفية التي شيد على نحوها هذا البناء، ومن هنا فانه يمكن التحدث عن بنية المجتمع أو بنية الشخصية أو بنية اللغة"( ) .
ومن هنا نستطيع القول ان الدلالة المتكررة هي (البناء) . وكذلك يشير المفهوم اللغوي في ثناياه إلى المراحل في عملية البناء، وهذه المرحلية تستدعي كيفية ايجاد تنظيم وتجانس بين مكونات أو طبقات عديدة كلها تنتظم من خلال الشكل النهائي للبناء الذي يتسم بالثبات.
ومن هنا فقد "تصوره اللغويون على انه الهيكل الثابت للشيء، فتحدث النحاة عن البناء مقابل الإعراب كما تصوروه على انه التركيب والصياغة، ومن هنا جاءت تسميتهم للمبني للمعلوم والمبني للمجهول"( ).
واما في اللغات الأجنبية "فان كلمة structure مشتقة من الفعل اللاتيني strucre بمعنى يبني أو يشيد أو حين تكون للشيء بنية ... فان معنى هذا وقبل كل شيء - انه ليس بشيء غير منتظم أو عديم الشكل amorphe بل هو موضوع منتظم له صورته الخاصة ووحدته الذاتية ... وهنا يظهر التقارب بين معنى البنية ومعنى الصورة form ما دامت كلمة بنية في اصلها تحمل معنى المجموع ... المؤلف من ظواهر متماسكة ، يتوقف كل منها على ما عداه ، وتحدد من خلال علاقته بما عداه"( ).
ومن هنا اتسع هذا المفهوم أي الكل المتماسك الذي يتحدد من خلال شكله ووظيفته ومن خلال علاقته مع بقية الاجزاء، فقد نصت المعاجم الاوربية على انه "الكل الذي يشمل وضع الاجزاء في مبنى ما من وجهة النظر الفنية المعمارية، وبما يؤدي إليه من جمال تشكيلي"( ).
ومما سبق يتضح ان اهم المعاني من الناحية المعجمية ان البنية هي الصورة المتشكلة والمتصورة في النص والمستقرة من ناحية التشكل، أي انها بنية الشيء، لها صورة هيكلية ثابتة وهي تتحدد من خلال بقية العناصر، أو البنى التي يشد بعضها بعضا داخل بنية النص؛ لتشكل فيما بعد البنية الكبرى. وتعود ارهاصات المنهج البنيوي إلى مدرسة الشكلانيين الروس الذين ذهبوا إلى ان "الشكل هو العامل المنظم للتجربة وتعدد الحواس ويمكن القول ان مفهوم الشكل لديهم يشير إلى القالب البنية، أو الصورة، أو المنظومة، أو الصياغة"( ). فهي تفصل بين معطيين رئيسين للعمل الفني هما الشكل والمضمون. فيما جاءت البنائية لتؤكد قيمة متساوية بين الشكل والمضمون. ومن خلال هذه النقطة جاءت البنيوية لتقيم بعد الفكر الشكلاني فهما جديدا للنص الأدبي، وذلك من خلال تطوير طروحات الشكلانيين الروس، وقد ذهب كلود ليفي شتراوس إلى ان الفرق بين الشكلية والبنائية هو ان الأولى "تفصل تماما بين هذين الجانبين؛ لان الشكل هو القابل للفهم. بينما لا يتعدى المضمون ان يكون بقايا خالية من القيمة الدالة، أما البنائية فهي ترفض وجود مثل هذه الثنائية، وليس جانبا تجريديا وآخر واقعيا. فالشكل والمضمون لهما نفس الطبيعة... إذ المضمون يكتسب واقعه من البنية، والشكل هو تشكيل لهذه البنية من أبنية موضوعية تشمل فكرة المضمون"( ). وقد أكد الشكلانيون "أن النص الادبي يختلف عن غيره ببروز شكله"( ).
وتدرس البنائية الأدب دراسة نسبية، والاتفاق الحاصل بين الشكلانية والبنائية هو أنه لا وجود للشيء إلا في حدود ذاته، واشتهر في ذلك قول براك "انا لا أقول بالأشياء، وإنما أقول بالعلاقات بين الأشياء"( ). هذا من جانب ومن جانب آخر فقد افادت البنائية من التطور الهائل الذي حصل في علم اللغة الحديث على يد فردينان دي سوسير الذي قام بتحديد الفرق بين اللغة والكلام بقوله "صحيح ان اللغة تنطوي بالضرورة على مجموعة من العناصر، ولكن هذه العناصر نفسها تفرض نظاما أو نسقا يجعل منها صورة Form لا جوهرا Substance ولهذا يشبه سوسير اللغة بورقة ذات وجهين الوجه الأول هو الدال والظهر هو المدلول.. ولا يمكن تمزيق وجه الورق دون تمزيق ظهرها"( ). ويظهر ان سوسير لم يستعمل كلمة بنية مطلقا التي غالبا ما تذكر تعبيراً عن الانتماء إلى هذا المنهج، إلا ان المفهوم الأساس عنده هو النظام "واللغة نظام لا يعرف إلا تنظيمه الخاص.. اما مصطلح البنيوية فقد ظهر فيما بعد في اعمال حلقة براغ اللسانية. وهو يعني جملة المناهج التي نتجت عن مفهوم اللغة كنظام"( ).
ومن خلال هذه الطروحات اللسانية التي ترى "ان حقيقة الدراسة اللسانية ينبغي ان لا تنظر إلى عناصر اللغة في استفراد بل في تعالق، وتعد هذه الفكرة هي البذرة الاولى التي استمدت فيما بعد التوجه البنيوي لدى تلاميذ سوسير .. يرى بنيفيست ان أهم ما جاء في الدروس مما له صلة بمتصور البنية هو قول سوسير ينبغي ان ننطلق من الكل متضامنا؛ لكي نحصل بواسطة التحليل على ما يتضمنه من عناصر"( ). وقد أخذ العديد من المدارس اللغوية فيما بعد بتطوير طروحات سوسير في مجال اللغة، وأهمها مدرسة جنيف والشكلانية الروسية وكذلك حلقة براغ والمدرسة الأمريكية. وقد تباينت طروحات هذه المدارس حول البنية، إلا انها في نهاية المطاف تجمع على ان اللغة تمثل نسقا مغلقا ينطوي على مجموعة محدودة من القواعد التي تقبل التنويع، ومن هنا يتضح ان علم اللغة قدم فهمين للبنية هما:
الأول: العلاقات المحددة لهوية كل عنصر من عناصر البنية.
الثاني: ازدواج المستوى التجريدي للبنية( ).
ويؤكد تيري ايجلتون ان "الوحدات المفردة لأي نسق لا يكون لها معنى إلا بفضل علاقة احداها بالاخرى ، ولا ينتج هذا من اعتقاد بسيط في أنك يجب ان تنظر إلى الأشياء بنيويا اذ يمكنك فحص قصيدة على انها بنية، بينما لا تزال تعامل كل واحد من مكوناتها على ان له معنى في ذاته بدرجة أو بأخرى"( ).
وقد وظفت البنيوية في حقول بحثية عدة كان اهمها "الانثروبولوجيا وأشهر الباحثين فيها كلود ليفي شتراوس وأهم كتبه الفكر البري وكذلك في ميدان البنيوية الابستملوجية لدى ميشيل فوكو في كتابه الكلمات والأشياء والبنيوية السايكلوجية لدى جان بياجيه في كتابه البنيوية ( ). ويتضح مما سبق ان ميدان البحث البنيوي هو دراسة عناصر النص كافة دراسة متعالقة بين البنى المكونة للنص لا منعزلة، ومن خلال اللغة نفسها. وهنا تكمن القطيعة التي احدثتها البنيوية مع المناهج التي سبقتها وذلك بتحويلها النقد من المجال السياقي إلى المجال النصي. وبهذا تكون قد أسست منهجا جديدا في تناول الاثر الادبي، لتتحول فيما بعد من خلال "الأفكار اللسانية إلى أهم المناهج في دراسة العديد من العلوم وتصبح المنهج المتعدد في اغلب العلوم، وفي مقدمتها دراسات ليفي شتراوس للأساطير وكذلك درس بياجيه في علم النفس"( ).
ومن خلال البحث عن البنى المهيمنة داخل أي حقل معرفي يستطيع الباحث اكتشاف علاقات التأثير والتأثر بين هذه البنى. ونجد ان قيمة هذه البنى من الناحية الجمالية تكمن بوصفها بنية كلية "وجمالية تنطوي على مجموع مركب من مكونات مترابطة ومتحققة بصورة عملية وجمالية في سلسلة متصاعدة ومعقدة يربط بينها على التوالي العنصر المهيمن على هذه المكونات"( ).
وقد تنوع تعريف مصطلح البنية مما حقق له ثراءً معرفيا في مجال تطبيقه في بقية العلوم. فقد عرفت بأنها "كل مكون من مظاهر متماسكة يتوقف كل منها على ما عداه، ولا يمكنه ما هو إلا بفضل علاقته بما عداه"( ). ونجد هنا ان التعريف ينطوي على فكرة الاعتماد المتبادل في القيام بالوظيفة الجمالية من حيث نوع العلاقة التي تربط البنى فيما بينها وتشكل نسقا من المجاورة بين البنى الصغيرة لتشكل فيما بعد البنية الكبرى. وقد عرفت أيضا بأنها "مفهوم تجريدي ، لإخضاع الأشكال إلى طرق استيعابها"( ). اما الأبنية التي يختص الأدب بها فهي "تصور تجريدي من خلق الذهن وليست خاصة للشيء، فهي نموذج يقيمه المحلل عقليا ليفهم في ضوئه الشيء المدروس بطريقة أفضل وأوضح، فالبنية موجودة في العمل بالقوة لا بالفعل، والنموذج هو تصورها"( ).
ومما سبق يمكن القول ان دراسة البنية تكون من أجل تقديم فهم يتسم بالعلمية والدقة، اذ يخضع العمل الأدبي إلى مكونات منفصلة نظريا من أجل فهم حركة البنيات الصغيرة التي تنتظم في إطار اكبر هو البنية الكبرى، ويكون الفصل نظريا لغرض البحث؛ لأنه لا يمكن بأي شكل من الأشكال تمزيق العمل الأدبي إلى أشلاء، لكن من أجل الكشف عن الوظائف والرموز وفهمها. ومن هنا تكون البنيوية قد نقلت النقد الأدبي من مجاله السياقي إلى المجال النصي، من حيث ان النص يقوم على مجموعة من العناصر المكونة له، اذ يتعالق مع أجهزة أخرى في النص ليمثل امتدادا للعناصر الاولى، وتفاعل هذه العناصر مع غيرها تنتج لنا حركية البنائية التي تصور لنا كلية النص بوصفه العينة الواضحة على هذا الاشتغال البنيوي. والبحث هنا يعتمد على هذا المفهوم في دراسة العوامل الجمالية للأدب من خلال الدوائر التي حددها النقاد والعوامل الرئيسة للادب الموضوعي سواء كان قصصيا أو مسرحيا : وهي الزمان والمكان والشخصيات والأشياء، بحيث تصبح دراسة النظام الداخلي لكل هذه العناصر وطريقة دخولها في تكوين العوالم الأخرى محور التحليل ( ). وبهذا الفهم يمكن دراسة أي بنية مهيمنة في العمل الأدبي، ومحور دراسة بحثنا هو الحوار وهو بنية مهيمنة في النص الدرامي، والبحث ينطلق من بنية الحوار لدراسة العناصر والبنى التي تشيد النص، ليصل إلى المفهوم الاوسع وهو البنية الحوارية الكلية التي تنطلق من العنصر لتصل إلى مجموع تفاعلاته تأثيرا وتأثراً.
...........
( ) مشكلة البنية ، زكريا إبراهيم ، 21 .
( ) م. ن ، 21.
( ) معرفة الآخر، عبد الله ابراهيم وسعيد الغانمي وعواد علي، 39.
( ) لسان العرب، ابن منظور، مادة (بني)، ج14، 93-94.
( ) مشكلة البنية ، 29 .
( ) النظرية البنائية في النقد الأدبي، د. صلاح فضل ، 175.
( ) مشكلة البنية، 29.
( ) النظرية البنائية في النقد الأدبي، 175.
( ) مناهج الدراسة الأدبية الحديثة، د. عمر محمد الطالب، 113.
( ) النظرية البنائية، 203.
( ) معرفة الآخر، 10.
( ) ينظر البنية القصصية في رسالة الغفران، حسين الواد، 18.
( ) مشكلة البنية، 33.
( ) مدخل إلى مناهج النقد الادبي، مجموعة من المؤلفين ت: د-رضوان ظاظا, 169.
( ) التعامل بين بنية الخطاب وبنية النص في النص الادبي، مجلة عالم الفكر، عدد (2)، مجلد 32، 180.
( ) ينظر:مشكلة البنية،69،والتعامل بين بنية الخطاب وبنية النص في النص الادبي، مجلة عالم الفكر، 182.
( ) نظرية المصطلح النقدي، د. عزت محمد جاد، 280.
( )للاستزادة ينظر:عصر البنيوية من ليفي شتراوس إلى فوكو،أديث كيرزويل، ت:جابر عصفور،23-262.
( ) الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية، د. عبد الله الغذامي، 31.
( ) اللغة المعيارية واللغة الشعرية ، مجلة فصول، 1984: نقلا عن: نظرية المصطلح النقدي، 284.
( ) مشكلة البنية ، 38.
( ) معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، سعيد علوش، 52.
( ) النظرية البنائية، 293.
قيس عمر
ينطلق البحث من حقيقة معروفة مفادها ان البنائية منهج علمي له ارهاصات فلسفية في مسيرة تكوينه، وهذا المنهج هو نتاج فلسفة احدثت قطيعة ابستملوجية مع الفلسفات التي سبقتها.
وقد اعتمدت البنائية - بوصفها منهجا علميا - على اخضاع النصوص الادبية للتحليل واكتشاف العلاقات التي تنتظم داخل بنى النص. ويؤكد كلود ليفي شتراوس هذا بقوله : "البنيوية ليست بأي حال من الأحوال فلسفة، وانما هي مجرد منهج للبحث العلمي"( ). ويذهب جان بياجيه "إلى ان البنيوية منهج، لا مذهب" ( ). وأهم ما يميز البنيوية "أنها تهتم بتقعيد الظواهر وتحليل مستوياتها المتعددة وهذا ما يجعل من البنيوية منهجاً لا فلسفةً وطريقة وليس آيدلوجيا"( ).
فالبنية لغة : "البَنْيُ: نقيض الهدم، بنى البناء البناء بَنياً وبناءً وبنى، مقصور، وبُنياناً وبنيةً وبنايةً وابتناه وبناه، والبناءُ: المبنيُّ والجمع أبنية، وأبنيات جمع الجمع واستعمل أبو حنيفة البناء في السفن. والبِنيةُ والبُنيةُ: ما بنيته، وهو البنى والبُنى. كأن البِنيةَ الهيئة التي بُنيَ عليها( ).
أما المعنى الاشتقاقي لمفردة البنية فهو يدلّ "في تضاعيفه على دلالة معمارية... وقد تكون بنية الشيء هي تكوين ... وتعني الكيفية التي شيد على نحوها هذا البناء، ومن هنا فانه يمكن التحدث عن بنية المجتمع أو بنية الشخصية أو بنية اللغة"( ) .
ومن هنا نستطيع القول ان الدلالة المتكررة هي (البناء) . وكذلك يشير المفهوم اللغوي في ثناياه إلى المراحل في عملية البناء، وهذه المرحلية تستدعي كيفية ايجاد تنظيم وتجانس بين مكونات أو طبقات عديدة كلها تنتظم من خلال الشكل النهائي للبناء الذي يتسم بالثبات.
ومن هنا فقد "تصوره اللغويون على انه الهيكل الثابت للشيء، فتحدث النحاة عن البناء مقابل الإعراب كما تصوروه على انه التركيب والصياغة، ومن هنا جاءت تسميتهم للمبني للمعلوم والمبني للمجهول"( ).
واما في اللغات الأجنبية "فان كلمة structure مشتقة من الفعل اللاتيني strucre بمعنى يبني أو يشيد أو حين تكون للشيء بنية ... فان معنى هذا وقبل كل شيء - انه ليس بشيء غير منتظم أو عديم الشكل amorphe بل هو موضوع منتظم له صورته الخاصة ووحدته الذاتية ... وهنا يظهر التقارب بين معنى البنية ومعنى الصورة form ما دامت كلمة بنية في اصلها تحمل معنى المجموع ... المؤلف من ظواهر متماسكة ، يتوقف كل منها على ما عداه ، وتحدد من خلال علاقته بما عداه"( ).
ومن هنا اتسع هذا المفهوم أي الكل المتماسك الذي يتحدد من خلال شكله ووظيفته ومن خلال علاقته مع بقية الاجزاء، فقد نصت المعاجم الاوربية على انه "الكل الذي يشمل وضع الاجزاء في مبنى ما من وجهة النظر الفنية المعمارية، وبما يؤدي إليه من جمال تشكيلي"( ).
ومما سبق يتضح ان اهم المعاني من الناحية المعجمية ان البنية هي الصورة المتشكلة والمتصورة في النص والمستقرة من ناحية التشكل، أي انها بنية الشيء، لها صورة هيكلية ثابتة وهي تتحدد من خلال بقية العناصر، أو البنى التي يشد بعضها بعضا داخل بنية النص؛ لتشكل فيما بعد البنية الكبرى. وتعود ارهاصات المنهج البنيوي إلى مدرسة الشكلانيين الروس الذين ذهبوا إلى ان "الشكل هو العامل المنظم للتجربة وتعدد الحواس ويمكن القول ان مفهوم الشكل لديهم يشير إلى القالب البنية، أو الصورة، أو المنظومة، أو الصياغة"( ). فهي تفصل بين معطيين رئيسين للعمل الفني هما الشكل والمضمون. فيما جاءت البنائية لتؤكد قيمة متساوية بين الشكل والمضمون. ومن خلال هذه النقطة جاءت البنيوية لتقيم بعد الفكر الشكلاني فهما جديدا للنص الأدبي، وذلك من خلال تطوير طروحات الشكلانيين الروس، وقد ذهب كلود ليفي شتراوس إلى ان الفرق بين الشكلية والبنائية هو ان الأولى "تفصل تماما بين هذين الجانبين؛ لان الشكل هو القابل للفهم. بينما لا يتعدى المضمون ان يكون بقايا خالية من القيمة الدالة، أما البنائية فهي ترفض وجود مثل هذه الثنائية، وليس جانبا تجريديا وآخر واقعيا. فالشكل والمضمون لهما نفس الطبيعة... إذ المضمون يكتسب واقعه من البنية، والشكل هو تشكيل لهذه البنية من أبنية موضوعية تشمل فكرة المضمون"( ). وقد أكد الشكلانيون "أن النص الادبي يختلف عن غيره ببروز شكله"( ).
وتدرس البنائية الأدب دراسة نسبية، والاتفاق الحاصل بين الشكلانية والبنائية هو أنه لا وجود للشيء إلا في حدود ذاته، واشتهر في ذلك قول براك "انا لا أقول بالأشياء، وإنما أقول بالعلاقات بين الأشياء"( ). هذا من جانب ومن جانب آخر فقد افادت البنائية من التطور الهائل الذي حصل في علم اللغة الحديث على يد فردينان دي سوسير الذي قام بتحديد الفرق بين اللغة والكلام بقوله "صحيح ان اللغة تنطوي بالضرورة على مجموعة من العناصر، ولكن هذه العناصر نفسها تفرض نظاما أو نسقا يجعل منها صورة Form لا جوهرا Substance ولهذا يشبه سوسير اللغة بورقة ذات وجهين الوجه الأول هو الدال والظهر هو المدلول.. ولا يمكن تمزيق وجه الورق دون تمزيق ظهرها"( ). ويظهر ان سوسير لم يستعمل كلمة بنية مطلقا التي غالبا ما تذكر تعبيراً عن الانتماء إلى هذا المنهج، إلا ان المفهوم الأساس عنده هو النظام "واللغة نظام لا يعرف إلا تنظيمه الخاص.. اما مصطلح البنيوية فقد ظهر فيما بعد في اعمال حلقة براغ اللسانية. وهو يعني جملة المناهج التي نتجت عن مفهوم اللغة كنظام"( ).
ومن خلال هذه الطروحات اللسانية التي ترى "ان حقيقة الدراسة اللسانية ينبغي ان لا تنظر إلى عناصر اللغة في استفراد بل في تعالق، وتعد هذه الفكرة هي البذرة الاولى التي استمدت فيما بعد التوجه البنيوي لدى تلاميذ سوسير .. يرى بنيفيست ان أهم ما جاء في الدروس مما له صلة بمتصور البنية هو قول سوسير ينبغي ان ننطلق من الكل متضامنا؛ لكي نحصل بواسطة التحليل على ما يتضمنه من عناصر"( ). وقد أخذ العديد من المدارس اللغوية فيما بعد بتطوير طروحات سوسير في مجال اللغة، وأهمها مدرسة جنيف والشكلانية الروسية وكذلك حلقة براغ والمدرسة الأمريكية. وقد تباينت طروحات هذه المدارس حول البنية، إلا انها في نهاية المطاف تجمع على ان اللغة تمثل نسقا مغلقا ينطوي على مجموعة محدودة من القواعد التي تقبل التنويع، ومن هنا يتضح ان علم اللغة قدم فهمين للبنية هما:
الأول: العلاقات المحددة لهوية كل عنصر من عناصر البنية.
الثاني: ازدواج المستوى التجريدي للبنية( ).
ويؤكد تيري ايجلتون ان "الوحدات المفردة لأي نسق لا يكون لها معنى إلا بفضل علاقة احداها بالاخرى ، ولا ينتج هذا من اعتقاد بسيط في أنك يجب ان تنظر إلى الأشياء بنيويا اذ يمكنك فحص قصيدة على انها بنية، بينما لا تزال تعامل كل واحد من مكوناتها على ان له معنى في ذاته بدرجة أو بأخرى"( ).
وقد وظفت البنيوية في حقول بحثية عدة كان اهمها "الانثروبولوجيا وأشهر الباحثين فيها كلود ليفي شتراوس وأهم كتبه الفكر البري وكذلك في ميدان البنيوية الابستملوجية لدى ميشيل فوكو في كتابه الكلمات والأشياء والبنيوية السايكلوجية لدى جان بياجيه في كتابه البنيوية ( ). ويتضح مما سبق ان ميدان البحث البنيوي هو دراسة عناصر النص كافة دراسة متعالقة بين البنى المكونة للنص لا منعزلة، ومن خلال اللغة نفسها. وهنا تكمن القطيعة التي احدثتها البنيوية مع المناهج التي سبقتها وذلك بتحويلها النقد من المجال السياقي إلى المجال النصي. وبهذا تكون قد أسست منهجا جديدا في تناول الاثر الادبي، لتتحول فيما بعد من خلال "الأفكار اللسانية إلى أهم المناهج في دراسة العديد من العلوم وتصبح المنهج المتعدد في اغلب العلوم، وفي مقدمتها دراسات ليفي شتراوس للأساطير وكذلك درس بياجيه في علم النفس"( ).
ومن خلال البحث عن البنى المهيمنة داخل أي حقل معرفي يستطيع الباحث اكتشاف علاقات التأثير والتأثر بين هذه البنى. ونجد ان قيمة هذه البنى من الناحية الجمالية تكمن بوصفها بنية كلية "وجمالية تنطوي على مجموع مركب من مكونات مترابطة ومتحققة بصورة عملية وجمالية في سلسلة متصاعدة ومعقدة يربط بينها على التوالي العنصر المهيمن على هذه المكونات"( ).
وقد تنوع تعريف مصطلح البنية مما حقق له ثراءً معرفيا في مجال تطبيقه في بقية العلوم. فقد عرفت بأنها "كل مكون من مظاهر متماسكة يتوقف كل منها على ما عداه، ولا يمكنه ما هو إلا بفضل علاقته بما عداه"( ). ونجد هنا ان التعريف ينطوي على فكرة الاعتماد المتبادل في القيام بالوظيفة الجمالية من حيث نوع العلاقة التي تربط البنى فيما بينها وتشكل نسقا من المجاورة بين البنى الصغيرة لتشكل فيما بعد البنية الكبرى. وقد عرفت أيضا بأنها "مفهوم تجريدي ، لإخضاع الأشكال إلى طرق استيعابها"( ). اما الأبنية التي يختص الأدب بها فهي "تصور تجريدي من خلق الذهن وليست خاصة للشيء، فهي نموذج يقيمه المحلل عقليا ليفهم في ضوئه الشيء المدروس بطريقة أفضل وأوضح، فالبنية موجودة في العمل بالقوة لا بالفعل، والنموذج هو تصورها"( ).
ومما سبق يمكن القول ان دراسة البنية تكون من أجل تقديم فهم يتسم بالعلمية والدقة، اذ يخضع العمل الأدبي إلى مكونات منفصلة نظريا من أجل فهم حركة البنيات الصغيرة التي تنتظم في إطار اكبر هو البنية الكبرى، ويكون الفصل نظريا لغرض البحث؛ لأنه لا يمكن بأي شكل من الأشكال تمزيق العمل الأدبي إلى أشلاء، لكن من أجل الكشف عن الوظائف والرموز وفهمها. ومن هنا تكون البنيوية قد نقلت النقد الأدبي من مجاله السياقي إلى المجال النصي، من حيث ان النص يقوم على مجموعة من العناصر المكونة له، اذ يتعالق مع أجهزة أخرى في النص ليمثل امتدادا للعناصر الاولى، وتفاعل هذه العناصر مع غيرها تنتج لنا حركية البنائية التي تصور لنا كلية النص بوصفه العينة الواضحة على هذا الاشتغال البنيوي. والبحث هنا يعتمد على هذا المفهوم في دراسة العوامل الجمالية للأدب من خلال الدوائر التي حددها النقاد والعوامل الرئيسة للادب الموضوعي سواء كان قصصيا أو مسرحيا : وهي الزمان والمكان والشخصيات والأشياء، بحيث تصبح دراسة النظام الداخلي لكل هذه العناصر وطريقة دخولها في تكوين العوالم الأخرى محور التحليل ( ). وبهذا الفهم يمكن دراسة أي بنية مهيمنة في العمل الأدبي، ومحور دراسة بحثنا هو الحوار وهو بنية مهيمنة في النص الدرامي، والبحث ينطلق من بنية الحوار لدراسة العناصر والبنى التي تشيد النص، ليصل إلى المفهوم الاوسع وهو البنية الحوارية الكلية التي تنطلق من العنصر لتصل إلى مجموع تفاعلاته تأثيرا وتأثراً.
...........
( ) مشكلة البنية ، زكريا إبراهيم ، 21 .
( ) م. ن ، 21.
( ) معرفة الآخر، عبد الله ابراهيم وسعيد الغانمي وعواد علي، 39.
( ) لسان العرب، ابن منظور، مادة (بني)، ج14، 93-94.
( ) مشكلة البنية ، 29 .
( ) النظرية البنائية في النقد الأدبي، د. صلاح فضل ، 175.
( ) مشكلة البنية، 29.
( ) النظرية البنائية في النقد الأدبي، 175.
( ) مناهج الدراسة الأدبية الحديثة، د. عمر محمد الطالب، 113.
( ) النظرية البنائية، 203.
( ) معرفة الآخر، 10.
( ) ينظر البنية القصصية في رسالة الغفران، حسين الواد، 18.
( ) مشكلة البنية، 33.
( ) مدخل إلى مناهج النقد الادبي، مجموعة من المؤلفين ت: د-رضوان ظاظا, 169.
( ) التعامل بين بنية الخطاب وبنية النص في النص الادبي، مجلة عالم الفكر، عدد (2)، مجلد 32، 180.
( ) ينظر:مشكلة البنية،69،والتعامل بين بنية الخطاب وبنية النص في النص الادبي، مجلة عالم الفكر، 182.
( ) نظرية المصطلح النقدي، د. عزت محمد جاد، 280.
( )للاستزادة ينظر:عصر البنيوية من ليفي شتراوس إلى فوكو،أديث كيرزويل، ت:جابر عصفور،23-262.
( ) الخطيئة والتكفير من البنيوية إلى التشريحية، د. عبد الله الغذامي، 31.
( ) اللغة المعيارية واللغة الشعرية ، مجلة فصول، 1984: نقلا عن: نظرية المصطلح النقدي، 284.
( ) مشكلة البنية ، 38.
( ) معجم المصطلحات الأدبية المعاصرة، سعيد علوش، 52.
( ) النظرية البنائية، 293.
تحليل نص نقدي بنيوي
من البنية الى الدلالة/ حسين الواد
· يعتبر النقد الادبي كتابة نظرية ، موضوعها الادب بمختلف انواعه، وقد ظهر الخطاب النقدي منذ القديم، مع كتاب " الشعرية" للفيلسوف ارسطو. ثم تطور مع العرب في القرون الوسطى بشكله اللغوي والبلاغي. وفي عصر النهضة الاوربية تمت العودة الى الثراث النقدي القديم، ثم تطويره لتظهر مناهج نقدية جديدة ، اهمها التاريخي / الاجتماعي، ثم النفسي فالبنيوية التكوينية والبنيوية ثم السيميائيات... وانتقلت هذه التجربة الى العالم العربي في مطلع القرن العشرين، بواسطة المثاقفة والترجمة ، فظهر عندنا نقاد مختلفو المشارب، مثل طه حسين و محمد مندوروحسين مروة ومحمود امين العالم ومحمد النويهي وعزالدين اسماعيل وكمال ابو ديب ومحمد برادة ومحمد مفتاح...ومن اهم المناهج النقدية الادبية المنهج البنيوي، الذي هو قراءة داخلية للادب باعتباره بنية لغوية مغلقة مكتفية بذاتها ومستقلة عن الواقع. وهو منهج حديث ظهر كرد فعل ضد المناهج الاجتماعية/ التاريخية،خلال مرحلة الخمسينيات باوربا على يد " رولان بارت" وتلامذته، لكن اصوله تعود الى مجهودات الشكلانين الروس التي ظهرت في عشرينيات القرن 20، على يد كل من جاكوبسون وتوماشوفسكي واصحاب مدرسة " براغ" ، لكن الاب الروحي له هو فيردنان دو سوسير مكتشف اللسانيات في العصر الحديث(توفي 1913). وانتقل الى الساحة الثقافية العربية على يد مجموعة من النقاد –كما اشرنا سابقا – اولا في شكل ترجمات ، ثم كتطبيقات على الادب العربي.
· ومن الاسماء النقدية التي ظلت وفية للمنهج البنيوي عربيا نذكر الدكتور حسين الواد ( 1948-؟) الناقد التونسي ، خريج الجامعة التونسية، اشتغل بالتعليم الجامعي في بلاده والسعودية. من اهم مؤلفاته " مدخل الى شعر المتنبي / اللغة الشعرية في ديوان ابي تمام / و مناهج الدراسات الادبية الذي اقتطف منه النص.
· فما هي خصائص المنهج البنيوي في نص " من البنية الى الدلالة" للناقد حسين الواد؟
· انطلاقا من اسم الناقد حسين الواد المحسوب على المنهج البنيوي، وانطلاقا من عنوان النص الذي يوظف مفهوم البنية ، وانطلاقا ايضا من بعض المصطلحات الموظفة في النص ( البناء – التناظر – التقابل – الحركة..)، نفترض ان النص ينضوي تحت لواء الخطاب النقدي البنيوي.
· اما على مستوى المضمون فالنص ينطلق من قضية ادبية هي الشعر، المتجسدة في قصيدة شعرية لابي القاسم الشابي، مكونة من تسعة ابيات . اي ان الموضع النقدي هنا نص شعري . وتتم مقاربة النص انطلاقا من بنيته الداخلية ( مكوناته الايقاعية و الصوتية والتركيبية ).
· وقد توسل الناقد معجما نقديا لسانيا ( مجموعة مفاهيم )، للتعامل مع النص الشعري كوحدة لغوية متكاملة ومكتفية بذاتها، عناصرها اصوات وايقاع وتراكيب اسمية / فعلية . فبحث اولا في المظهر الايقاعي التقليدي ( العروض ) ، محددا القافية و الوزن ( الباء – الكامل) ، ثم انتقل الى التوقف عند الاصوات متكررة الدلالة ، وبحث في دلالاتها ( الانين- الغناء- السخط)، ثم حلل التراكيب السائدة ( جمل اسمية خبرها تراكيب فعلية) ، اذ دلت الاسمية على الاستمرار و الاطراد ، ودلت الفعلية على التسلط و الانكار و الشكوى و الصدام و الخراب. وياتي المقطع الثاني كنتيجة او حل لما طرح في المقطع الاول ، وذلك حسب تقطيع الناقد لنص الشابي( في المقطع الاول ازمة وفي الثاني انفراج) كما ورد في النص النقدي. وبعد تحليل حسين الواد لبنية النص الشعري ودلالاته الجزئية ، ينتقل الى رصد الدلالة العامة له ( هذا مشار له في العنوان " من البنية الى الدلالة")، فيقسمه الى حركتين اولاهما تناظرية ايقاعيا ومعجميا وتركيبيا. وثانيهما تقابلية تنافرية، تحدد مظاهر التضاد في مضمون النص ( الليل ضد الكواكب / و التسلط ضد المسالمة..).
· وهكذا نخلص الى ان الناقد اعتمد منهجا بنيويا ، ينطلق من داخل النص الشعري ، فيدرس مكوناته الشكلية ، ليصل الى دلالته. وذلك على عكس المنهج الاجتماعي. واهم مرجعياته في ذلك تعود الى علم اللسانيات وعلم الدلالة البنيوي كمبحثين جديدين وحديثين، يضاف اليهما مرجعيات ثراثية مثل المنطق والنحو والنقد القديم.
· ان الناقد انطلق من بنية لغوية هي نص الشابي الشعري ، وتناول مكوناته الصوتية / الايقاعية ، ثم التركيبية النحوية ، ليصل الى رصد دلالة لا توجد خارج النص وانما داخله، هي تعبير الشاعر عن ازمة ( القهر والتسلط)، وعن الانفراج ( مسالمة ووداعة).
· وقد اعتمد الناقد اسلوبا استقرائيا في معالجة موضوعه هذا، بحيث انطلق من مثال محدد( ابيات شعرية)، ثم انتقل الى معالجتها بالتركيز على عناصرها الصوتية والتركيبية، للوصول الى حكم ( الازمة و انفراجها).ومن خلال هذا نكتشف التصميم المنهجي الواضح الذي اعتمده الناقد، بحيث انطلق من معطى هو الابيات ، ثم انتقل الى استعراض نتائج تحليله لها، ليصل في الختام الى حكم كما راينا في الاستقراء.
· وعلى مستوى اللغة فقد اعتمد مظاهر الاتساق في النص، بتوظيف اليات الربط بين الجمل و الفقرات، بواسطة الادوات اللغوية او التكرار والعنونة، بالضافة الى الاحالات القبلية والبعدية على النص الشعري،او بواسطة التفسير والشرح للدلالة.مع اعتماد الحجج المنطقية والادبية( المفاهيم والشواهد).الى جانب اساليب البرهنة، مثل التفسير والتعريف، حيث حدد المفاهيم( النوع الاول- وحدة كلامية..). وكذلك الوصف( اعتماد مفاهيم لسانية ونحوية)،والمقارنة بين المقاطع. ويطغى على اللغة في النص الطابع التقريري الابلاغي ، لانها لغة الشرح والاقناع وليست لغةالامتاع كما هو الحال في الشعر والقصة.اما على مستوى الانسجام فالنص يحققه باعتباره خطابا قابلا للتاويل ، فهذا النص النقدي هو جزء مما يمكن ان يطبق على تجارب اخرى مشابهة للتجربة الشعرية للشابي. وهذا النص الشعري بدوره هو جزء من الخطاب الشعري الذي يمكن ان يخضع لنفس التحليل ، فالتغريض او البنية الكبرى يقوم على مركز جدب هو ثنائية البنية والدلالة في نص الشابي، المرتبطة بدورها بثنائية السلب/الايجاب. والمنهج البنيوي مرتبط هنا بعلوم الانسان، خاصة اللسانيات، التي تعتبر العلم المختص في اللغة، التي تتخذ هنا شكل قصيدة شعرية للشا بي.
· وبعد تحليلنا لمستويات هذا النص النقدي ، نستخلص انه يمثل جل مظاهر الكتابة النقدية البنيوية. فقد اعتمد قضية ادبية كموضوع له ( نص شعري)، ثم اعتمد مفاهيم نقدية ومنهجا بنيويا، لينتهي الى تشريح النص.ومن الماخذ المسجلة على هذا المنهج استبعاده للمجتمع والتاريخ وقتله للمبدع كذات سيكولوجية واجتماعية. ولكن قيمته الايجابية تتجلى في احترامه لخصوصية النص الادبي( الشعري/النثري) كنص لغوي ونسيج خاص مستقل – ولو نسبيا – عن واقعه الاجتماعي والنفسي.ان هذا المنهج ليست له نسخة واحدة متكررة وانما هو عدة نسخ ، تعكس كل منها خصوصية الناقد، ومستجدات الساحة النقدية، سواء في الغرب او في العالم العربي.
· اعداد ذ/ لعميري عبد الجليل/ ثانوية القدس التاهيلية بالشماعية.
من البنية الى الدلالة/ حسين الواد
· يعتبر النقد الادبي كتابة نظرية ، موضوعها الادب بمختلف انواعه، وقد ظهر الخطاب النقدي منذ القديم، مع كتاب " الشعرية" للفيلسوف ارسطو. ثم تطور مع العرب في القرون الوسطى بشكله اللغوي والبلاغي. وفي عصر النهضة الاوربية تمت العودة الى الثراث النقدي القديم، ثم تطويره لتظهر مناهج نقدية جديدة ، اهمها التاريخي / الاجتماعي، ثم النفسي فالبنيوية التكوينية والبنيوية ثم السيميائيات... وانتقلت هذه التجربة الى العالم العربي في مطلع القرن العشرين، بواسطة المثاقفة والترجمة ، فظهر عندنا نقاد مختلفو المشارب، مثل طه حسين و محمد مندوروحسين مروة ومحمود امين العالم ومحمد النويهي وعزالدين اسماعيل وكمال ابو ديب ومحمد برادة ومحمد مفتاح...ومن اهم المناهج النقدية الادبية المنهج البنيوي، الذي هو قراءة داخلية للادب باعتباره بنية لغوية مغلقة مكتفية بذاتها ومستقلة عن الواقع. وهو منهج حديث ظهر كرد فعل ضد المناهج الاجتماعية/ التاريخية،خلال مرحلة الخمسينيات باوربا على يد " رولان بارت" وتلامذته، لكن اصوله تعود الى مجهودات الشكلانين الروس التي ظهرت في عشرينيات القرن 20، على يد كل من جاكوبسون وتوماشوفسكي واصحاب مدرسة " براغ" ، لكن الاب الروحي له هو فيردنان دو سوسير مكتشف اللسانيات في العصر الحديث(توفي 1913). وانتقل الى الساحة الثقافية العربية على يد مجموعة من النقاد –كما اشرنا سابقا – اولا في شكل ترجمات ، ثم كتطبيقات على الادب العربي.
· ومن الاسماء النقدية التي ظلت وفية للمنهج البنيوي عربيا نذكر الدكتور حسين الواد ( 1948-؟) الناقد التونسي ، خريج الجامعة التونسية، اشتغل بالتعليم الجامعي في بلاده والسعودية. من اهم مؤلفاته " مدخل الى شعر المتنبي / اللغة الشعرية في ديوان ابي تمام / و مناهج الدراسات الادبية الذي اقتطف منه النص.
· فما هي خصائص المنهج البنيوي في نص " من البنية الى الدلالة" للناقد حسين الواد؟
· انطلاقا من اسم الناقد حسين الواد المحسوب على المنهج البنيوي، وانطلاقا من عنوان النص الذي يوظف مفهوم البنية ، وانطلاقا ايضا من بعض المصطلحات الموظفة في النص ( البناء – التناظر – التقابل – الحركة..)، نفترض ان النص ينضوي تحت لواء الخطاب النقدي البنيوي.
· اما على مستوى المضمون فالنص ينطلق من قضية ادبية هي الشعر، المتجسدة في قصيدة شعرية لابي القاسم الشابي، مكونة من تسعة ابيات . اي ان الموضع النقدي هنا نص شعري . وتتم مقاربة النص انطلاقا من بنيته الداخلية ( مكوناته الايقاعية و الصوتية والتركيبية ).
· وقد توسل الناقد معجما نقديا لسانيا ( مجموعة مفاهيم )، للتعامل مع النص الشعري كوحدة لغوية متكاملة ومكتفية بذاتها، عناصرها اصوات وايقاع وتراكيب اسمية / فعلية . فبحث اولا في المظهر الايقاعي التقليدي ( العروض ) ، محددا القافية و الوزن ( الباء – الكامل) ، ثم انتقل الى التوقف عند الاصوات متكررة الدلالة ، وبحث في دلالاتها ( الانين- الغناء- السخط)، ثم حلل التراكيب السائدة ( جمل اسمية خبرها تراكيب فعلية) ، اذ دلت الاسمية على الاستمرار و الاطراد ، ودلت الفعلية على التسلط و الانكار و الشكوى و الصدام و الخراب. وياتي المقطع الثاني كنتيجة او حل لما طرح في المقطع الاول ، وذلك حسب تقطيع الناقد لنص الشابي( في المقطع الاول ازمة وفي الثاني انفراج) كما ورد في النص النقدي. وبعد تحليل حسين الواد لبنية النص الشعري ودلالاته الجزئية ، ينتقل الى رصد الدلالة العامة له ( هذا مشار له في العنوان " من البنية الى الدلالة")، فيقسمه الى حركتين اولاهما تناظرية ايقاعيا ومعجميا وتركيبيا. وثانيهما تقابلية تنافرية، تحدد مظاهر التضاد في مضمون النص ( الليل ضد الكواكب / و التسلط ضد المسالمة..).
· وهكذا نخلص الى ان الناقد اعتمد منهجا بنيويا ، ينطلق من داخل النص الشعري ، فيدرس مكوناته الشكلية ، ليصل الى دلالته. وذلك على عكس المنهج الاجتماعي. واهم مرجعياته في ذلك تعود الى علم اللسانيات وعلم الدلالة البنيوي كمبحثين جديدين وحديثين، يضاف اليهما مرجعيات ثراثية مثل المنطق والنحو والنقد القديم.
· ان الناقد انطلق من بنية لغوية هي نص الشابي الشعري ، وتناول مكوناته الصوتية / الايقاعية ، ثم التركيبية النحوية ، ليصل الى رصد دلالة لا توجد خارج النص وانما داخله، هي تعبير الشاعر عن ازمة ( القهر والتسلط)، وعن الانفراج ( مسالمة ووداعة).
· وقد اعتمد الناقد اسلوبا استقرائيا في معالجة موضوعه هذا، بحيث انطلق من مثال محدد( ابيات شعرية)، ثم انتقل الى معالجتها بالتركيز على عناصرها الصوتية والتركيبية، للوصول الى حكم ( الازمة و انفراجها).ومن خلال هذا نكتشف التصميم المنهجي الواضح الذي اعتمده الناقد، بحيث انطلق من معطى هو الابيات ، ثم انتقل الى استعراض نتائج تحليله لها، ليصل في الختام الى حكم كما راينا في الاستقراء.
· وعلى مستوى اللغة فقد اعتمد مظاهر الاتساق في النص، بتوظيف اليات الربط بين الجمل و الفقرات، بواسطة الادوات اللغوية او التكرار والعنونة، بالضافة الى الاحالات القبلية والبعدية على النص الشعري،او بواسطة التفسير والشرح للدلالة.مع اعتماد الحجج المنطقية والادبية( المفاهيم والشواهد).الى جانب اساليب البرهنة، مثل التفسير والتعريف، حيث حدد المفاهيم( النوع الاول- وحدة كلامية..). وكذلك الوصف( اعتماد مفاهيم لسانية ونحوية)،والمقارنة بين المقاطع. ويطغى على اللغة في النص الطابع التقريري الابلاغي ، لانها لغة الشرح والاقناع وليست لغةالامتاع كما هو الحال في الشعر والقصة.اما على مستوى الانسجام فالنص يحققه باعتباره خطابا قابلا للتاويل ، فهذا النص النقدي هو جزء مما يمكن ان يطبق على تجارب اخرى مشابهة للتجربة الشعرية للشابي. وهذا النص الشعري بدوره هو جزء من الخطاب الشعري الذي يمكن ان يخضع لنفس التحليل ، فالتغريض او البنية الكبرى يقوم على مركز جدب هو ثنائية البنية والدلالة في نص الشابي، المرتبطة بدورها بثنائية السلب/الايجاب. والمنهج البنيوي مرتبط هنا بعلوم الانسان، خاصة اللسانيات، التي تعتبر العلم المختص في اللغة، التي تتخذ هنا شكل قصيدة شعرية للشا بي.
· وبعد تحليلنا لمستويات هذا النص النقدي ، نستخلص انه يمثل جل مظاهر الكتابة النقدية البنيوية. فقد اعتمد قضية ادبية كموضوع له ( نص شعري)، ثم اعتمد مفاهيم نقدية ومنهجا بنيويا، لينتهي الى تشريح النص.ومن الماخذ المسجلة على هذا المنهج استبعاده للمجتمع والتاريخ وقتله للمبدع كذات سيكولوجية واجتماعية. ولكن قيمته الايجابية تتجلى في احترامه لخصوصية النص الادبي( الشعري/النثري) كنص لغوي ونسيج خاص مستقل – ولو نسبيا – عن واقعه الاجتماعي والنفسي.ان هذا المنهج ليست له نسخة واحدة متكررة وانما هو عدة نسخ ، تعكس كل منها خصوصية الناقد، ومستجدات الساحة النقدية، سواء في الغرب او في العالم العربي.
· اعداد ذ/ لعميري عبد الجليل/ ثانوية القدس التاهيلية بالشماعية.
الجمعة، 23 أبريل 2010
معاني أيام الإسبوع باللغةالإنجليزية والعربية
معاني أيام الإسبوع باللغةالإنجليزية والعربية ,‘,‘
,‘,‘
Saturday = day of Saturn = يوم زحل
,‘,‘
Sunday = day of the sun = يوم الشمس
,‘,‘
Monday = day of the moon= يوم القمر
,‘,‘
Tuesday = The god of war day = يوم إله الحرب
,‘,‘
Wednesday = the king of the gods .= يوم ملك الآلهه
,‘,‘
Thursday = the god of sky day = يوم إله السماء
,‘,‘
Friday = day of Frigg = يوم إله الحب
,‘,‘
كنتم تتوقعون معناها؟؟؟
مفاجأة صح !!
منقول
,‘,‘
Saturday = day of Saturn = يوم زحل
,‘,‘
Sunday = day of the sun = يوم الشمس
,‘,‘
Monday = day of the moon= يوم القمر
,‘,‘
Tuesday = The god of war day = يوم إله الحرب
,‘,‘
Wednesday = the king of the gods .= يوم ملك الآلهه
,‘,‘
Thursday = the god of sky day = يوم إله السماء
,‘,‘
Friday = day of Frigg = يوم إله الحب
,‘,‘
كنتم تتوقعون معناها؟؟؟
مفاجأة صح !!
منقول
الخميس، 22 أبريل 2010
ظاهرة الشعر الحديث أحمد المجاطي مداخل لدراسة المؤَلف
ظاهرة الشعر الحديث
أحمد المجاطي
مداخل لدراسة المؤَلف :
المدخل الأول : النقد من حيث هو مفهوم
يعتبر النقد عملية وصفية تنطلق مباشرة بعد الإبداع، و تكون غايتها قراءة الأثر الأدبي،و مقاربته بهد ف استقصاء مواطن الجودة و النقص فيه.
و يرتبط النقد في الغالب بالوصف و التفسير و التأويل و الكشف و التحليل و التقويم، و ينصب كل ذلك على النص أو الأثر المنقود.
و يمر العمل النقدي عبر مجموعة من الخطوات و المراحل ، يمكن ترتيبها مثل ما يلي:
* قراءة النص أو الأثر المنقود و ملاحظته.
* تحليل مضمونه وشكله.
* تقويمه إيجابا و سلبا.
* توجيه المبدع من خلال عملية تغذية راجعة *(feed back)، يمده بها العمل النقدي.
و من أهم وظائف النقد توجيه دفة الإبداع، وإضاءة الطريق للمبدعين المبتدئين و لكبار الكتاب على حد سواء. وكشف مواطن القوة و الضعف في الأثر الإبداعي، و التمييز بين الجودة و الرداءة، و الطبع و التكلف، و الصنعة و التصنع. كما يعرف النقد المبدعين بما وصل إليه الإبداع من تطور، في النظرية و الممارسة، و يجلي لهم طرائق التجديد و مدارسه و تصوراته الجمالية و الفلسفية و الفنية، قصد إبعادهم عن التقليد .
المدخل الثاني:المسار النقدي الأدبي في المغرب في القرن العشرين
إذا كان النقد الأدبي فاعلية قرائية بعدية تتطلب مادة إبداعية قبلية تقرأها و تشتغل عليها و تستولد منها و حولها أسئلتها و تأملاتها و إشكالاتها البانية لخطابها و المحركة لوتائرها، و هو يتطلب "وعيا" نظريا و منهجيا، يضبط صنيعه و يجعله على بينة كافية بالصنيع الأدبي الذي يتعامل معه، فإنه لم يكن بالإمكان ، قبل ستينيات القرن العشرين، الحديث عن "مشهد نقدي" في المغرب، وإنما كانت هناك كتابات لبعض الأدباء المغاربة هي عبارة عن ردود عفوية و ملاحظات انطباعية تقييمية، أكثر منها كتابات نقدية. ومن هؤلاء الأدباء نذكر: عبد الله كنون، و أحمد زياد، و عبد الرحمان الفاسي، و محمد بلعباس القباج...
كانت ستينيات ق20، نقطة انطلاق "الوعي" النقدي الحديث في المغرب، و كانت وراء هذه الانطلاقة عوامل و ملابسات سوسيوثقافية، يمكن تلخيصها في الآتي :
1/ حصول المغرب على استقلاله السياسي و تفرغه لمشاكله الداخلية.
2/ انطلاقة الجامعة المغربية، و تأسيس كلية الآداب و العلوم الإنسانية.
3/ ظهور أعمال أدبية تنتمي لأجناس أدبية حديثة.
4/ الازدهار النسبي للصحافة الأدبية ( ملاحق ثقافية، مجلات أدبية متخصصة)
5/ انفتاح المغرب على لحركة الثقافية و الأدبية في المشرق العربي (القاهرة، بيروت، بغداد).
6/ تأسيس اتحاد كتاب المغرب، و مساهمته في التحسيس بسؤال الثقافة و الأدب .
تضافر هذه العوامل وغيرها، كان حافزا للوعي النقدي الحديث في المغرب، و كان صدور بعض الأعمال الروائية و الشعرة على الخصوص، أوائل ستينيات ق 20، فرصة سانحة أطلقت النقد المغربي الحديث، و لعل أبرز من مثل هذه الحقبة هم: محمد برادة، و أحمد اليابوري، و محمد السرغيني، و أحمد المجاطي، و حسن المنيعي، و إبراهيم
السولامي.
لقد تخرج على أيدي هؤلاء الأساتذة و غيرهم، مع طلائع سبعينيات ق 20، جيل جديد من النقاد و المبدعين هم الذين سيؤثثون المشهد النقدي المغربي بعطائهم،و هم الذين سيملأون فضاءه بأصواتهم و أفكارهم، و ستتفرع معهم الأنحاء التي انتحاها النقد في المغرب بعد ذلك، من نقد شفوي، و صحفي، و جمعوي، و جامعي، و سجالي...
و قد ساهمت هذه الجهود، بلا شك، في التأسيس لوعي نقدي جديد، يتوخى إعادة النظر في شروط القراءة و أدبية النص المقروء، لكنها لم تخل من هنات أجملها ذ. نجيب العوفي في أربع هي :
1/ المنهاجوية : ويقصد بها ارتهان الناقد غير المشروط للمنهج على حساب النص المقروء.فيستعاض عن المبدإ المعروف( النص و لا شئ غير النص) بمبدإ مضاد ( المنهج و لا شئ سوى المنهج). فتكون النتيجة الحتمية آخر المطاف هي اغتراب النص، و المنهج، و الناقد، و المتلقي.
2/ الارتحال السريع بين المناهج و النماذج : الذي تحول عند البعض إلى قطيعة قسرية بين المحطات المنهجية، و إلى سلسلة من النواسخ و المنسوخات.
3/ غياب النقد عن النقد : و هيمنة النزعة الوصفية التحليلية على النزعة التقييمية التأويلية، مما يجعلنا، في آخر التحليل، تجاه خطاب علموي شكلاني متعال، غايته الأولى ة الأخيرة، أن يعيد كتابة النص و يفكك أجزاءه و عناصره، ثم يعيدها إلى أماكنها أو يتركها لحما على وضح. و من تم تتساوى النصوص المقروءة و توضع في سلة واحدة.
4/ غياب شخصية الناقد في قراءته و ارتباك لغته النقدية، معجما و مصطلحا.
و قد استمر النقد العربي في المغرب، على عواهنه، يصارع كل أشكال النقص فيه، و يحاول أن يؤسس هويته العربية المغربية ، لكن طريقه لتحقيق ذلك لا زال يبدو طويلا، و مليئا بالأشواك، والمطبات ، التي نتمنى أن يتجاوزها من سيأتي في هذا القرن الواحد و العشرين.
المدخل الثالث : صـاحــب المــــؤَلــــف
جمع أحمد المجاطي بين خاصيتي الإبداع و النقد لذلك جاءت كتاباته مفيدة و مقنعة في آن معا. و كان قد ولد في الدار البيضاء سنة 1936، تلقى دراسته بين الدار البيضاء و الرباط ودمشق . و درس بكل من جامعة محمد بن عبد الله بفاس و جامعة محمد الخامس بالرباط. اعتبر من المؤسسين لحركة الحداثة الشعرية بالمغرب. فاز بجائزة ابن زيدون للشعر التي يمنحها المعهد الإسباني/ العربي للثقافة بمدريد عام 1985، كما فاز بجائزة المغرب الكبرى للشعر سنة1987.
توفي أحمد المجاطي سنة 1995، مخلفا وراءه عطاءً متميزا في الشعر و النقد و التدريس.
المدخل الرابع : طبــــيعــة المــؤَلَف
يعتبر كتاب " ظاهرة الشعر الحديث" دراسة نقدية تتبع مسار تطور الشعر العربي الحديث، و البحث في العوامل التي جعلت الشاعر العربي الحديث ينتقل من مرحلة الإحياء و الذات إلى مرحلة التحرر من قيود التقليد، مع رصد العوامل و التجارب التي غذت التجديد في الشعر العربي :
·على مستوى المضمون: من خلال تجربة الغربة و الضياع، و تجربة الموت ، مع ما ميز كل تجربة من
مظاهر و خصوصيات.
·على مستوى الشكل و البناء الفني: في اللغة و السياق و آليات التعبير و خاصة الصورة الشعرية و الأسس الموسيقية.
دراســـــة الـــكـــتـــاب
الـقراءة الـمضمونــيـة:
الفصـــــــل الأول : التطور التدريجي في الشعر الحدـيث.
القسم الأول: نحو مضمون ذاتي.
·الشعر العربي القديم:
أمران مهمان يحددان التطور في الشعر العربي،عند أحمد المجاطي، هما: الحرية و الاحتكاك بالثقافة الأجنبية.
و في الشعر العربي القديم لم يتحقق هذا التطور إلا جزئيا، في مرحلتين:
◄ في العصر العباسي، مع شعراء رفعوا لواء الحداثة الشعرية و التحول، أمثال: أبي نواس،
و أبي تمام، و المتنبئ.
◄ في شعر الموشحات الأندلسية خاصة على مستوى الإيقاع العروضي.
و مع هيمنة معايير القصيدة العمودية التي كان يدافع عنها نقاد اللغة ظل هذا التجديد محدودا و ضئيلا.
نستنتج أن الشعر العربي القديم ظل – في مجمله - ثابتا و محافظا على الأصول، و لم يحقق تطورا ملحوظا بسبب انعدام الحرية الإبداعية و ضعف الاحتكاك بالثقافات و الآداب الأجنبية.
·التيار الإحيائي :
كانت العودة إلى التراث الشعري العربي في مراحل إشراقه، أهم مرتكز يقوم عليه التيار الإحيائي قصد
تجاوز ركود عصر الانحطاط و مخلفات كساد شعره و الخروج من الأزمة الشعرية التي عاشها شعراء عصر النهضة.
و يعتبر محمود سامي البارودي أهم زعماء هذا التيار، إذ نظم شعره متوسلا بالبيان الشعري القديم، مما جعل هذا التيار حركة تقليدية محافظة جراء مجاراتها طرائق التعبير عند الشعراء القدامى، و وضعف اطلاع أصحابه على الآداب الأجنبية.
·التيار الذاتي:
تداخلت عدة عوامل سياسية و اجتماعية و تاريخية، للدفع نحو تجاوز شعار العودة إلى التراث، و الأخذ بشعار البحث عن الذات الفردية و الإعلاء من شأنها، مما أنتج تيارا ذاتيا في الكتابة الشعرية العربية الحديثة، تشكل عبر الجماعات الأدبية الآتية:
(أ)جماعة الديوان:
و تضم كلا من العقاد و شكري و المازني، الذين آمنوا بأن الشعر وجدان، لكنهم اختلفوا في التعبير عن هذا الإيمان، مما أعطى تمايزا في مضامين إبداعهم الشعري، يمكن تجسيده كالآتي:
العقاد شكري المازني
- "مفكر قبل أن يكون شاعرا"
- غلب التفكير على الوجدان و الشعور
- قصيدة"الحبيب" غلب فيها المنطق العقلي على ما هو وجداني داخلي.
- من طبيعة الشعر عنده أن ينطلق من النفس بصورة طبيعية.
- تعامل مع الأشياء تعاملا مباشرا أساسه الانفعال المباشر دون تدخل من العقل أو توغل في أعماق النفس
- تأمل في أعماق الذات، و انصرف عن الاهتمام بالعقل الخالص.
- المعاني جزء من النفس تدرك بالقلب لا بالعقل،مما أنتج لديه شعر الاستبطان و استكناه أغوار الذات
نصل مما سبق إلى أن ميزة الشعر الذاتي عند جماعة الديوان هي التمايز و التفرد و التغني بشعر الشخصية،و ليس دعوة لإبداع شعر متشابه الوسائل و الغايات. و لعل مرجع اهتمام الجماعة بالعنصر الذاتي أمران:
إعادة الاعتبار للذات المصرية التي كانت تعاني من الانهيار التام .
انتشار الفكر الحر بين مثقفي و مبدعي مصر، فعبروا عن أنفسهم باعتبارها قيما إنسانية ذات وزن.
(ب) تيار الرابطة القلمية :
تجاوز مفهوم الوجدان مع شعراء الرابطة القلمية، الذات ليشمل الحياة و الكون في إطار وحدة الوجود الصوفية، فقالوا بوجود روابط خفية، تشد الكائن الفرد إلى الكون جملة، و أن من شأن هذه الروابط الرفع من مكانة الفرد، و تقريبه من الذات الإلهية حتى تغدو العودة إلى الذات عبارة عن تفتح العالم بكلياته و جزئياته، و قد اختلفت سبل العودة إلى الذات عند كل من جبران خليل جبران، و ميخائيل نعيمة، و إيليا أبي ماضي.
جبران نعيمة أبو ماضي
- انقطع إلى التأمل في نفسه، مؤمنا بأن ملكوت الله في داخل الإنسان.
- لا مجال لمحاولة التحرر من الفساد
- الصلاح و الطلاح شيء واحد، ووجودهما ضروري كوجود الليل و النهار.
- آثر حياة الفطرة على تعقد الحضارة.
- هرب بأحلامه إلى الغاب.
- قدم عن المجتمع المتحضر صورة حافلة بالضجيج و الاحتجاج و الخصومة.
- استعصم بالخيال و ركن إلى القناعة و الرضى.
- فر من الحضارة المعقدة إلى القفر أو إلى الغاب.
- عاد إلى نفسه ليتأسى روحيا.
رغم معاصرة شاعر الرابطة القلمية للمد القومي العربي، إلا أنه ظل حبيس الذات و المضامين السلبية مثل اليأس و الخنوع و الاستسلام و القناعة، مخالفا حقيقة الوعي القومي المستلزم للأفعال الإيجابية و التغيير الثوري و ترجمة المشاعر إلى الواقع العملي.
(ج) جماعة أبوللو:
أسسها الدكتور أحمد زكي أبو شادي سنة 1932، ارتكزت في مفهومها للشعر على التغني بالذات و الوجدان، إذ رأت في ذات الشاعر مصدر ما ينتج من شعره، بشكل يسمح بتعرف هذه الذات من خلال النظر في شعر صاحبها. يرى أحمد المجاطي أن معاني الشعر عند أصحاب هذه الجماعة تتميز بالسلبية نظرا لتعاطيهم مع مواضيع الطبيعة و الهروب من الحياة الواقعية إلى الذات المنكمشة، و من المدينة نحو الغاب، و اصطباغ شعرهم بالخيبة و الحرمان و اليأس بالمرارة و المعاناة من الاغتراب.
انتهت جماعة أبوللو بالانفصال و التمزق و الهجرة و الفرار، فتعددت الاتجاهات المختلفة التفاصيل، و المتحدة عند انفصال الشاعر المصري عن مجتمعه.
القسم الثاني: نحو شكل جديد.
اتخذ تطور القصيدة العربية منحى متكاملا، ارتكز على مبدإ العودة إلى الذات، إذ أدرك الشاعر الوجداني أن كل تجربة جديدة لا تعبر عنها إلا لغة تستوفي صيغتها التعبيرية و صورها البيانية و إيقاعاتها الموسيقية من التجربة نفسها. و من تم راح يعتمد للتعبير عن تجربته الذاتية أشكالا تختلف في خصائصها عما ألفه التيار التقليدي من أشكال كان مصدرها امتلاء الذاكرة و تقليد النموذج.
و يمكن إجمال خصائص الشكل في القصيدة الوجدانية في ما يلي:
·سهولة التعبير: راح الشاعر الوجداني الحديث يقترب من أحاديث الناس، موظفا لغة الحديث المألوف و لغة الشارع كما عند العقاد في قصيدة"أصداء الشارع" من ديوان "عابر سبيل"، إذ أصبحت السهولة صفة أساسية في أسلوبه.
·الصورة البيانية: صارت تعبيرية و انفعالية و ذاتية ملتصقة بتجربة الشاعر الرومانسي، يريد بها شرح عاطفة أو بيان حالة، بعد أن كانت عند الإحيائيين زخارف و أصباغا تراد لذاتها.
·الوحدة العضوية: ابتغى الشاعر الوجداني ربط العواطف و الأحاسيس و الأفكار ببعضها ربطا يظهر القصيدة بمظهر الكائن الحي، لكل عضو من أعضائه دور هام يحدده مكانه من الجسد، فربط القافية و الوزن، مثلا، بالأفكار و العواطف الجزئية لا بموضوع القصيدة بوصفه كلا موحدا، فنظموا قصائد ذات موضوع واحد و قواف متعددة و أوزان مختلفة.
هذه المحاولات التجديدية انحصرت على مستوى الشكل بفعل الحملة التي شنها النقاد المحافظون على هذه الحركة التجديدية النامية و محاولاتها المستهدفة للغة و الأوزان و القوافي و الصور البيانية.
اصطبغت نهاية هذه التيارات التجديدية بالحزن إن على صعيد المضمون أو الشكل:
فعلى صعيد المضمون: انحدر إلى مستوى البكاء و الأنين و التفجع و الشكوى، و هي معان ممعنة
في الضعف وتكشف عما وراءها من مرض و خذلان.
و على صعيد الشكـــل : فشل في مسيرته نحو الوصول إلى صورة تعبيرية ذات مقومات خاصة
و مميزات مكتملة ناضجة، و كان فشله بفعل النقد المحافظ الذي استمد قوته مما كان الوجود العربي التقليدي يتمتع به من تماسك و مناعة قبل نكبة فلسطين، و الذي سيتغير بعد النكبة.
الفصـــــــــل الثاني : تجربة الغربة و الضياع.
لم يكنِ الشاعر العربي الحديث بمعزل عن المؤثرات العامة المحيطة به، بدءاً بواقع الهزيمة الأسود مع نكبة فلسطين عام ، مرورا بالمد القومي الوليد، وصولا إلى انهيار الواقع العربي و ما أحدثه من زرع الشكوك في نفوس المثقفين و المبدعين، و إسقاط كل الوثوقيات العربية التقليدية و الثوابت المقدسة و الطابوهات. لقد مكنت كل هذه الاهتزازات الشاعر العربي الحديث من خلخلة الثوابت، و الانفتاح على ثقافات العالم، شرقه و غربه، و كذا على التراث العربي، فكان :
1/ استيعاب الروافد الروافد الفكرية القادمة من الشرق، ( مذاهب صوفية، تعاليم متحدرة من الديانات
الهندية و الفارسية و الصابئة...)
2/ الاستفادة من الفلسفات الغربية الحديثة ، من وجودية و اشتراكية...
3/ التفاعل مع أشعار: بابلو نيرودا، و بول ايليوار، و لويس أراكون، و كارسيا لوركا،
و ماياكوفسكي، و ناظم حكمت، و توماس إليوت....
4/ التأثر بأشعار جلال الدين الرومي، و عمر الخيام، و فريد العطار، و طاغور....
5/ الانفتاح على الثقافات الشعبية ( سيرة عنترة بن شداد، سيرة سيف بن ذي يزن،سيرة
أبي زيد الهلالي، كتاب ألف ليلة و ليلة....)
6/ التعمق في القرآن الكريم، و في الحديث النبوي الشريف.
7/ التمعن في الشعر العربي القديم.
بكل ذلك غدا الشعر العربي الحديث وسيلة لاستكشاف الإنسان و العالم تعبر عن ثمار الرؤيا الحضارية الجديدة التي استقرت عند بعض الشعراء المحدثين الكبار، من أمثال السياب و نازك الملائكة و البياتي و صلاح عبد الصبور و خليل حاوي و أدونيس و غيرهم.
و من الموضوعات التي تسجل حضورها بكثرة في الشعر العربي الحديث، تجربة الغربة و الضياع التي يرجع الدارسون عوامل بروزها إلى ثلاثة هي:
(أ ) التأثر بشعر توماس إليوت، خاصة في قصيدته " الأرض الخراب"
(ب) التأثر بأعمال بعض المسرحيين و الروائيين الوجوديين أمثال: ألبير كامو، و جون بول سارتر،
و بعض النقاد مثل: كولن ولسون، خاصة في دراسته عن اللامنتمي ، و هي أعمال ترجمت إلى اللغة العربية و ساعدت في تبني الشباب موجة من القلق و الضجر انعكست في أشعارهم
(ج) عامل المعرفة، باعتبار المعرفة سلاح الشاعر الحديث.
إلا أن أحمد المجاطي لا يقر بكون هذه المصادر هي الوحيدة التي شكلت سبب نغمة الكآبة و الضياع و التمزق، بل هو يرى أن هناك جذورا لهذه النغمة تتمثل في تربة الواقع العربي الذي حولته النكبة إلى خرائب و أطلال، ذلك أن النكبة في نظره أهم عامل في الدفع نحو آفاق الضياع و الغربة بالشعر العربي الحديث، فليس الأمر مجرد نغمة سوداء استقدمها الشعراء بقدر ما هو مأساة حقيقية مصدرها هذا الواقع المنحل و ذلك التاريخ الملوث اللذين قدر على الشاعر العربي الحديث أن يحمل لعنتهما مما يؤكد أصالة هذه التجربة و ضرورة البحث عن جذورها في الواقع، و تصوير أهم مظاهرها البارزة في القصيدة العربية الحديثة، و التي نذكر منها :
1.الغربة في الكون:
حين حلت النكبة، و طرد العربي الفلسطيني من أرضه، و نفي من أمجاده و تاريخه، و حاصرته المهانة و الذل، و انفصل عما حوله من أشياءَ و قيمٍ، مال إلى الشك في كل شيءٍ، و كان الشاعر بفعل حساسيته المفرطةِ، أبلغ من جسد هذا الميل حين جرب أن يحس بوحدته و تفرده في الكون، و تولى أمر نفسه بنفسه، فشكك في الحقائق و مال إلى التفلسف الوجودي ( الأنطولوجي )، و تفسير الكون عقلا ومنطقا، بفعل إحساسه بالعبث و القلق و المرارة المظلمة، و ممن جسد هذا الميل نذكر: صلاح عبد الصبور، و السياب، و أدونيس، و يوسف الخال .
2.الغربة في المدينة:
آمن الشاعر العربي الحديث بأن هدف الشعر هو تفسير العالم و تغييره، لذا وجد في المدينة المجال الأنسب لتحقيق هدفه، على اعتبار أنها تمثل الوجه الحضاري للأمة بكل أبعاده الذاتية و الموضوعية، و تتخذ قناعا سياسيا و اجتماعيا و ثقافيا و اقتصاديا .
لكن المدينة العربية فقدت كثيرا من مظاهر أصالتها، حين غزتها المدينة الأوربية، فأضحت بمصانعها الحديثة
و عماراتها الشاهقة و طرقاتها الفسيحة، قالبا لا يناسب واقع الأمة العربية المهزومة مما غذى إحساس الشاعر العربي الحديث بالغربة في علاقته بالمدينة مكانا و ناسا وقيما و أشياءَ، فكان أن سلك في تصوير هذه المدينة طرقا متعددة، فقد صورها في ثوبها المادي و حقيقتها المفرغة من كل محتوى إنساني، كما فعل أحمد عبد المعطي حجازي في ديوانه (مدينة بلا قلب).كما اهتم الشاعر العربي الحديث بالناس في المدينة، فقدمهم صامتين يثقلهم الإحساس بالزمن، مشغولين بأنفسهم، لا يكاد يلتفت الواحد منهم إلى الآخر.
و رغم هذه المواقف السلبية من المدينة فإن الشاعر الحديث لم يستطع الهروب منها إلى الريف أو الغاب، كما فعل الرومانسيون، فقد وجد أن المدينة تحاصره، كما عند السياب مع بغداد، إذ وجد أن الخلاص منها يكمن في الموت، كما عند صلاح عبد الصبور في قصيدة (الخروج).
3.الغربة في الحب:
فَشَلٌ ثالث يضاف إلى فشل الشاعر العربي الحديث في فهم أسرار الكون و في التأقلم مع المدينة، إنه فشله في الحب الذي بات زيفا مصطنعا و بريقا واهما، ذلك أن هموم الشاعر العربي الحديث كثيرة متنوعة، و تركيبته النفسية معقدة لا ينفع معها ترياق الحب بمفهومه الروحي أو المادي، فلم تعد المرأة بجسدها و أنوثتها و رقتها و جمالها قادرة على تخليصه من همه القاتل، بل إن العلاقة بين الزوجين تحولت إلى عداوة و قتال كما عند خليل حاوي في قصيدته (الجروح السود) من ديوانه (نهر الرماد)، و الحب يموت كما عند عبد المعطي حجازي، أو يصاب بالاختناق كما عند صلاح عبد الصبور.
4.الغربة في الكلمة:
كانت رغبة الشاعر العربي الحديث أن تكون كلمته قوة و حركة وفعلا، غير أن الزمن لم يلبث أن حول الكلمة على لسانه إلى حجر كما قال أدونيس في قصيدة (السماء الثامنة) من ديوان (المسرح و المرايا)، فعاشت الكلمة بذلك غربتها الذاتية في واقع لا يربي سوى الصدى و خنق الجهر، و قتل الكلام الصارخ، مما جعل الشاعر يلوذ بالصمت، كما فعل البياتي في قصيدة (إلى أسماء) من ديوان (سفر الفقر و الثورة) رغم كونه عذاب و سكون و حزن، حين اكتشف أن نضاله بالكلمة لن يتجاوز تصوير الواقع البشع الذي خلقته الهزيمة و حكمت عليه بمعاناته و الاكتواء بناره، دون أن تمتلك الكلمة ميزة الحركة و الفعل.
خلاصة الفصل:
هكذا شكلت هذه التنويعات الأربعة الأبعاد المختلفة لتجربة الغربة لدى الشاعر العربي الحديث و التي تبلورت في مفهوم دال واحد هو : الغربة في الواقع الحضاري، سواء تمظهرت من خلال جانب واحد أو أكثر، فقد كان هدفه الأساس هو البحث عن الخلاص الكلي إيمانا منه أن وراء كل ظلمة نوراً، و أن الموت نفسه وسيلة إلى الحياة حين لا تبقى أية وسيلة أخرى، فكان هناك ارتباط وثيق بين معاني الضياع و الغربة و معاني اليقظة و التجدد و البعث، و حصل تداخل بين بين المعاني جميعها في قصائد الشعراء المحدثين.
الفصل الثالث تجربة الحياة و الموت
لم يكن حال الأمة العربية كله مدعاة لليأس و الغربة و الضياع و السأم و الحزن، ذلك أن العشرين سنة التي تلت النكبة قد شهدت هزات عنيفة و تغيرات واسعة شملت العالم العربي كله ، مما ولد حالا آخر ممثلا في إيقاع الأمل و الحياة و اليقظة و التجدد ، بسبب ما تم إنجازه واقعيا و سياسيا بدءاً بثورة مصر سنة مرورا بتأميم قناة السويس و رد العدوان الثلاثي وصولا إلى استقلال أقطار العالم العربي...الشيء الذي انعكس في أشعار بعض شعراء هذه المرحلة، ذكر منهم أحمد المجاطي أربعة هم : بدر شاكر السياب و خليل حاوي و أدونيس 1952 و عبد الوهاب البياتي.
لقد رفض الشاعر من هؤلاء الموت، موت الحياة الذي ليس بعده بعث، و قَبلَ بموت تكون معه الحياة،فعانق بذلك الرفض و الثورة و النضال ، و التجدد و الأمل و التحول و الحياة.
يرى المجاطي أن هؤلاء الشعراء هم أفضل من يمثل هذا الاتجاه، و يعدد الخصائص التي توحد بينهم في ما يلي:
* ارتباط تجربتهم بالحياة و الموت.
* ارتباط تجربتهم بالواقع الحضاري للأمة.
* رغبتهم في الانتصار على جميع التحديات التي تواجه الذات و الكون و الزمن و الجماعة.
* استخدامهم للمنهج الأسطوري.
* استشراف المستقبل.
لقد استفاد الشاعر الحديث من مجموعة من الأساطير و الرموز الدالة على البعث و التجدد، استلهمها من الوثنية البابلية و اليونانية و الفينيقية و العربية، و من المعتقدات المسيحية و من الفكر الإنساني عامة، و من هذه الأساطير نذكر: تموز ، و عشتار ، و أورفيوس ، و طائر الفينيق ، و مهيار الدمشقي ، و العنقاء ، و السندباد ، و عمر الخيام ، و الحلاج... مما أرز منهجا نقديا و أدبيا و فلسفيا يسمى بالمنهج الأسطوري، يصوغ فيه الشاعر مشاعره و رؤاه، و مجمل تجربته في صور رمزية، يتم بواسطتها التواصل عن طريق التغلغل إلى اللاشعور حيث تكمن رواسب المعتقدات و الأفكار المشتركة.
أدونيس:
ركز الكاتب في دراسته لأدونيس على ديوانيه( كتاب التحولات و الهجرة في أقاليم النهار و الليل) و ( المسرح و المرايا )، فلاحظ أن ما يميز تجربة الحياة و الموت عند أدونيس، من خلالهما، هو صدورها عن ذات محتقنة بفحولة التاريخ العربي،في واقع يفتقر إلى الفحولة و الخصب،و محتقنة بجموح الحضارة العربية قبل أن يسلط سيف الاستعمار على عنقها.
كان موقف أدونيس من الواقع العربي المنهار هو موقف الرافض للموت، لذلك كان في شعره اتجاهان:
·اتجاه ينطلق من الحيرة و التساؤل، و البحث عن وسيلة للبعث.
·اتجاه ينطلق من اكتشاف مفهوم التحول بصفته وسيلة لدفع الواقع العربي نحو البعث و التجدد.
و الاتجاهان معا متكاملان منسجمان مع موقف احتقان الذات بفحول التاريخ العربي و إمكانية البعث، و بإمكانية التحول التي تدور حولها معاني الحياة و الموت عند أدونيس.
لقد كان المنهج الأسطوري بارزا جليا في شعر أدونيس ، عكس مفهوم التحول الذي انفلت من إطار هذا المنهج أحيانا، ليؤسس عالما شعريا لا نهاية فيه للعمليات الكيميائية بين عناصر الذات و الأشياء، و الروح و المادة و الحياة و الحصاد، من أجل أن يتحقق النصر الكامل للحياة، مما جعل شعر أدونيس أقل ارتباطا بحركة التاريخ العربي، إذ أمعن في تخطيها و تجاوزها طمعا في إقامة حوار غريب مع زمن لم يجئ بعد.
خليل حاوي:
عبر خليل حاوي في دواوينه الثلاثة ( نهر الرماد ) و ( الناي و الريح ) و بيادر الجوع )، عن مبدإ آخر غير مبدإ التحول، هو مبدأ المعاناة، الحاضر في مقدمات قصائده و في شعره، معاناة الموت و معاناة البعث، على إيقاع من الأمل و اليأس بصور الخراب و الدمار و الجفاف و العقم، و قد وظف في شعره أسطورة تموز و أسطورة العنقاء ، دلالة على الخراب الحضاري و التجدد مع العنقاء.
و يرى أحمد المجاطي في تجربة الشاعر خليل حاوي، تجربة عظيمة قائمة على التوافق بينها و بين حركة الواقع في حقبة من تاريخ الأمة العربية، و على قدرته على تجاوز ذلك الواقع و تخطيه، و على معاينة ملامح الواقع المرعب المنتظر.
بدر شاكر السياب:
تناول السياب في الكثير من قصائده معاني الموت و البعث، فعبر عن طبيعة الفداء في الموت، معتقدا أن الخلاص لا يكون إلا بالموت، بمزيد من الأموات و الضحايا كما في قصيدة " النهر و الموت"
لقد عمل السياب على استثمار الإطار الأسطوري ليحول الموت إلى فداء، ليجعل الفداء ثمنا للموت، كما فعل في قصيدة " المسيح بعد الصلب " مثلا حين استخدم رمز المسيح للتعبير عن فكرة الخلاص.
و يرى الكاتب أن إدراك السياب لجدلية الحياة و الموت، و تحويل الموت إلى فداء، قد يكون له علاقة بمزاجه، أو التركيب الغريب لعقله الباطن، و يقر الكاتب أن السياب عرف كيف يفيد من ذلك في تتبع معاني الحياة و الموت على مستوى الواقع الذاتي و الحضاري.
عبد الوهاب البياتي:
تحمل أشعار البياتي قضية الصراع بين الذات و موت الحضارة و بعثهما، من خلال جدلية الأمل و اليأس، و قد تمت صياغة هذه القضية في أشعار البياتي من خلال ثلاثة منحنيات هي:
1. منحنى الأمل : و فيه انتصار ساحق للحياة على الموت، و تمثله الأعمال الشعرية التالية : ( كلمات لا تموت / النار و الكلمات / سفر الفقر و الثورة )، إذ يظهر الشاعر مناضلا يعيش الأمل لصالح الحياة، فيغدو السقوط حياةً و الهزيمة انتصارا و الموت حياةً.
2.منحنى الانتظار: و فيه تتكافأ الحياة مع الموت و يمثله ديوان (الذي يأتي و لا يأتي )و فيه أربعة خطوط هي: خط الحياة و خط الموت و خط الاستفهام و خط الرجاء و التمني.
3.منحنى الشك: يتم فيه انتصار الموت على الحياة، و يمثله ديوان (الموت و الحياة)، و هو يكشف زيف النضال العربي، لأنه لا موت بدون نضال و لا بعث بدون موت.
يصل الكاتب إلى حكم مفاده أن قدرة البياتي على كشف الواقع هي سبب اهتمامه بالموت، و أن اهتمامه بالحياة مصدره إيمانه بالثورة، و الصراع بين الحياة و الموت. و أنه من كل ذلك تفجرت صور الأمل و اليأس و صور القلق و الانتظار.
خلاصة الفصل:
لم يغفل المجاطي، و هو ينهي مقاربته هذه التجربة، التنويه بإضافتها النوعية المتمثلة في المضامين و كشف الواقع و استشراف المستقبل، مما جعل منها تجربة مرتبطة بحركة التاريخ خلال العشرين سنة الفاصلة بين النكبة و النكسة، رغم كونها لم تأت أكلها، و يحدد الكاتب العوامل التي حالت دون وصول هذه التجربة للجماهير العربية في:
1.عامل ديني قومي: الخوف مما يمكن أن تمثله هذه التجربة من تطاول على التراث باسم الشعر.
2.عامل ثقافي: وقوف جماعة من الشعراء و النقاد في وجه ما هو جديد.
3.خوف الحكام من المضامين الثورية لهذه التجربة، مما جعلهم يلجأون إلى المصادرة و المنع و السجن و النفي.
الفصل الرابع الشـكـــل الجـــديـــد
تقديـــــــــــــــم:
إذا كان لكل تجربة شعرية إطارها السوسيوتاريخي، فإن لها كذلك أدواتها التعبيرية و وسائلها الفنية التي تمدها بالقيمة الجمالية لتجعل منها تجربة متميزة متكاملة في البناء العام للقصيدة و اللغة و طريقة التعبير و توظيف الصور البيانية و الرموز و الأساطير .
و لأن الشكل الفني ليس قالبا أو نموذجا أو قانونا ، بل هو حياة تتحرك أو تتغير، فقد حرص الشاعر العربي الحديث على تجاوز الشكل القديم، فأقام بناءً من التحولات التي خلخلت العناصر الأساسية للشكل الشعري، مثل اللغة و الإيقاع و التصوير... و هي تحولات كان لها أثر كبير على سياق القصيدة و بنائها العام أيضا.
فما التحولات التي رأى المجاطي أنها أصابت عناصر الشكل الشعري في القصيدة العربية الحديثة ؟ .
1/ تطور اللغة في الشعر الحديث:
يرى أحمد المجاطي أن لغة الشعر الحديث تتصف بكثير من الخصائص التي لايمكن أن تظهر من دراسة ديوان واحد، بل تحتاج لكثير من التأمل و البحث في لغة الشعر الحديث، و هي الخصائص التي يسميها الناقد ب ( المميزات الثورية للغة الشعر الجديد) و منها :
·النفس التقليدي في لغة الشعر الحديث: لغة جزلة و عبارة فخمة و سبك متين، على غرار الشعر القديم ، وتبدو هذه الخاصية عند السياب في دواوينه القديمة و المتأخرة، خاصة قصيدته " مدينة بلا مطر" و قصيدة " منزل الأقنان" .
·البعد عن لغة الحديث اليومية: كما عند أدونيس و البياتي و محمد عفيفي مطر و صلاح عبد الصبور...، إذ تبتعد لغة الشعر عندهم عن لغة الحديث الحية بعدا يمنح مفرداتها قيما و دلالات مغايرة لما تحمله في الاستعمال الشائع.
·السياق الدرامي للغة الشعر الحديث: كما نجد عند محمد مفتاح الفيتوري في قصيدته " معزوفة لدرويش متجول" إذ يشغل لغة درامية متوترة نابعة من صوت داخلي منبثق من أعماق الذات، و متجها إليها.
2/ التعبير بالصورة في الشعر الحديث:
لقد تجاوز الشاعر الحديث الصور البيانية المرتبطة بالذاكرة التراثية عند الشعراء الإحيائيين، و الصور المرتبطة بالتجارب الذاتية عند الرومانسيين ، إلى صور تقوم على توسيع مدلول الكلمات من خلال تحريك الخيال و التخييل و تشغيل الانزياح و الرموز و الأساطير و توظيف الصورة/ الرؤيا و تجاوز اللغة التقريرية المباشرة إلى لغة الإيحاء.
و لعل تجاوز الشاعر للصورة البيانية قد ساهم في إبعاد تجاربه الشعرية عن دوق عامة الناس، مما منحهم نوعا من التبرير لوصف الشعر الحديث بالغموض.
3/ تطور الأسس الموسيقية للشعر الحديث:
إن الشاعر الحديث و هو يسعى إلى بناء نظام موسيقي جديد، لم يكن يهدف إلى هدم الأصول الموسيقية الموروثة، بل كان غرضه أن يتحرر من بعض القيود بالقدر الذي يمنح له من الحرية ما يسعفه في التعبير عن عواطفه و أحاسيسه و فكره... و لاشك في أن ذلك القدر من الحرية الذي تمتع به قد أتاح له أن يطوع تلك القوانين و أن يطورها ، و أن يضيف إلى الخصائص الجمالية للبحور التقليدية ، خصائص جمالية أخرى تستمد أصولها من التطور الذي أصاب المضامين الشعرية نفسها.
لقد وجد الشاعر نفسه، قديما، متقبلا خاضعا لقيود صرامة البيت و سياقه الهندسي، مما عطل تطور نظام موسيقى الشعر حتى أواخر العقد الخامس من القرن العشرين، حيث تحققت تطورات في الإطار الموسيقي للقصيدة العربية منها:
·تجاوز نظام الشطرين لصالح السطر الشعري.
·السطر الشعري قد يطول و قد يقصر بحسب ما يتضمن من نسق شعوري أو فكري.
·طول ذلك السطر قد يتراوح ما بين تفعيلة واحدة و تسع تفعيلات.
·إذا كان عدد التفعيلات في أية قصيدة تراثية محدداً و محصوراً تتوزعه الأعجاز و الصدور، فإن التفعيلات في القصيدة الحديثة تمثل عدداً لا يحيط به الحصر.
·ينظم الشاعر الحديث على ستة بحور هي المعروفة بالصافية و هي: الهزج (مفاعيلن)، و الرمل (فاعلاتن)، و المتقارب (فعولن)، و المتدارك (فاعلن)، و الرجز (مستفعلن)، و الكامل (متفاعلن).
·أصبح بمقدور الشاعر أن يستخرج من البحر الواحد أكثر من بناءٍ موسيقي واحدٍ.
·امتاز نظام التفعيلة بالمرونة و الطواعية.
·الخلط بين البحور داخل قصيدة واحدة، في محاولة لتفتيت وحدة البيت فيها، كما عند السياب في قصائده من ديوان " شناشيل ابنة الجلبي"، و أدونيس في قصيدة" مرآة لخالدة" من ديوان " المسرح و المرايا".
يرى أحمد المجاطي أن البحور المختلطة رغم ما تتوفر عليه من طاقات موسيقية كبيرة فهي لم تستغل لأسباب منها:
1.مسألة الزحاف : تولد إحساسٌ بالرتابة و الملل ناتج عن اعتماد التفعيلة كوحدة إيقاعية ثابتة، و لتكسير حد القافية و منحها مزيدا من التنوع و التلوين، لجأ الشاعر الحديث إلى الإكثار من استعمال الزحاف، فكان أن حصل الشاعر على أكثر من إيقاع من دون أن يلجأ إلى البحور المختلطة.
2.تنويع الأضرب : بهدف التنويع في الإيقاع و التلوين في النغم، عمد الشاعر الحديث إلى:
·توظيف تفعيلات تعود إلى أصل واحدٍ، كما في أبيات عبد الصبور ( مستفعلن ).
·تنويع الأضرب دون الاكتراث بقيود القافية.
·إدماج بعض البحور المتشابهة في بحر واحدٍ، مثل: الرجز و السريع.
3.فاعل في حشو الخبب : تظل مسألة تنويع الأضرب و القافية تلوينات مقبولة و ملتزمة بقوانين علم
العروض، إلا أن الخروج عن هذه القوانين يتمثل في استعمال (فاعل) بدل (فاعلن) في حشو بعض
أبيات الشعر الحديث، و هو خروج أصبح متفشيا في كثير من قصائد الشعر المعاصر الجديد، و مستساغا من قبل " الرأي العام" على حد تعبير كل من محمد النويهي و عز الدين إسماعيل.
4.مسألة التدوير : إن حركة المشاعر و الأفكار و الأخيلة قد تأخذ شكل دفقة تتجاوز، في اندفاعها،
حدود الشطر أو البيت الشعريين، مما نتج عنه نتيجتين:
·الأولى: تبرز في التعبير عن الدفقة دون الوقوع في التدوير، و بالتالي اللجوء إلى استعمال تفعيلة خماسية أو تساعية كما ورد عند نازك الملائكة و خليل حاوي.
·الثانية: و تظهر في اتساع الدفقة الشعورية و بالتالي الوقوع في التدوير الذي يتخلص من صرامة البيت ذي الشطرين و من انتظامه في نسق هندسي رتيب.
4/ نظام القافية في الشعر الحديث:
يمكن تلخيص التغييرات التي مست القافية باعتبارها جزءاً من البناء العام للقصيدة في ما يلي:
* الالتزام بالقافية باعتبارها نظاما إيقاعيا دون الالتزام بحرف روي واحدٍ.
* الربط بين إيقاع البيت و إيقاع القافية.
* التخلي عن القافية باعتبارها المرمى الأفقي النهائي للجمل المختلفة، و جعلها محطة وقوف اختيارية تستجمع فيها الدفقة الشعورية أنفاسها.
* جعل القافية لبنة حية في البناء الموسيقي العام للقصيدة.
* إخضاع البناء الموسيقي لحركة المشاعر و الأفكار.
* الابتعاد عن النزعة الهندسية الحادة التي عُرفت بها القوالب الموسيقية التقليدية .
و يرى الكاتب في آخر الكتاب أن الحداثة من العوامل التي كانت وراء وصف الشعر العربي الحديث بالغموض، إلى جانب ما تتطلبه القصيدة الحديثة من إعمال للجهد و استلزام لذوق قرائي جديد ، ثم انفصال هذا الشعر عن الجماهير ما دام لا ينزل معها إلى ساحة المقاتلة و النضال و الصراع ضد قوى الاستغلال و البطش و لا يشاركها في معاركها الحضارية .
القضايا النقدية في كتاب " ظاهرة الشعر الحديث"
إن قراءة كتاب أحمد المجاطي تجعلنا نقف على جملة قضايا نقدية عمل الكاتب على طرحها و مناقشتها و إبداء رأيه وفيها، و يمكن إجمال أهم هذه القضايا في ما يلي :
1. دور التجربة الذاتية:
يخلص المجاطي إلى أن تطور الشعر عموما يتنج عن تحقق عاملين يتمثلان في الاحتكاك بالثقافات و الآداب الأجنبية، و توفر مقدار من الحرية للشعراء يمكنهم من التعبير عن تجاربهم. و قد أدى تفاعل هذين العاملين في الشعر العربي الحديث إلى ظهور تيارات مختلفة في الخصائص و متفقة في الهدف ( إخراج الشعر العربي من إطار التقليد إلى حدود التعبير عن التجربة الذاتية كما يعيشها الشاعر)، منها الديوان و أبوللو و الرابطة القلمية... و قد أرجع المجاطي سبب الاهتمام بقضية الذات في الشعر العربي إلى :
* ظهور البورجوازية الصغيرة على مسرح الأحداث في مصر، و الالتحام بيم الأجيال الصاعدة و بين الحضارة الحديثة.
* معاناة شخصية الفرد المصري من انهيار تام ، و محاولة إعادة الاعتبار إلى ذاته المسحوقة.
* تشبع شعراء هذه التيارات بالفكر الحر، مما مكنهم من فرص التعبير عن أنفسهم بكل حرية.
و إذا كان شعراء هذه التيارات قد استطاعوا التمرد على بنية القصيدة التقليدية و موضوعاتها، فإنهم قد ظلوا حبيسي معاني اليأس و التردد و القناعة و الاستسلام، رافضين الانفتاح على الحياة المتجددة، حتى أثروا في من جاء بعدهم، فتشابهت التجارب، و كثر الاجترار، وقلت فرص الجِدة و الطرافة.
2. الاغتـــراب:
يرى بعض الدارسين أن قضية الاغتراب في شعرنا الحديث ليست إلا نوعا من التأثر بأحزان الشاعر الأوروبي الحديث(شعر ت.س.إليوت) ، إلا أن المجاطي ينظر إلى هذه القضية في شموليتها و كليتها، ذلك أن الشاعر العربي الحديث إذا كان قد تأثر بهذه الرؤية الوافدة ، فإنه قد استجاب لها لأن الواقع العربي يتوفر على مشيرات كافية تسمح له بذلك.
إن أبعاد قضية الاغتراب و الحزن في شعرنا العربي الحديث تدور كلها حول موقف الذات الواعية من الكون و من المجتمع و من نفسها . و هي في محاولتها التوازن تبحث عن كل وسيلة، تبحث عن الموت نفسه، كما تبحث عن الجنون، فإن عز منالها فإنها تبحث عن الحب، و لكن الحب نفسه يكون قد مات مع فقدان القدرة عليه، فلا يبقى إلا الضياع.
و الحق أن نزعة الاغتراب و الحزن في شعرنا الحديث قد أضافت إلى التجربة الشعرية بعامة آفاقا جديدة زادتها ثراءً و خصباً، كما أنها ولدت طاقات تعبيرية لها أصالتها و قيمتها .
3. اللغة في الشعر الوجداني:
يرى المجاطي أن سهولة اللغة تعتبر من خصائص الشكل في القصيدة الوجدانية الحديثة، و المقصود بالسهولة الاقتراب من لغة الحديث المألوف. و أن الشاعر الوجداني لم يكن يلجأ إليها للتعبير عن همومه اليومية الصغيرة فحسب، بل عبر بها عن تجارب أعمق و أشد تجريدا.
كانت بواعث الشعراء الوجدانيين في هذا السياق تتمثل في التحرر من الرؤية التقليدية في التعامل مع اللغة العربية بالتراث الشعري و النثري. فإذا كانت بواعث الإحياء موضوعية مرتبطة بالبحث عن مخرج من وهاد التخلف التي آل إليها الأدب العربي عموما في عصور الانحطاط، فإن بواعث الشعراء الوجدانيين ذاتية تهم اختيار أنسب الوسائل اللغوية للتعبير عن حقيقة الذات و جوهرها دون تكلف أو تقليد.
4. موضوعة الحياة و الموت :
اقتنع العديد من الشعراء العرب بأن موت الحضارة العربية ليس موتا نهائيا، بل هو المرحلة الضرورية التي تسبق البعث و الانبعاث، و هو فاتحة لعصر جديد. و قد وجدوا في الأساطير و الرموز الحضارية التي تعتبر أن الانبعاث يأتي بعد الموت ( أساطير: الفينيق أو عشتار أو الخضر...)، مجالا واسعا لتأكيد تصورهم ذاك، إلا أن تعامل شعراء الحداثة مع هذا الموضوع تم بطرق مختلفة : ( أدونيس: التحول عبر الموت )، ( خليل حاوي: معاناة الموت و الحياة )، ( السياب: الفداء في الموت )، ( البياتي: جدلية اليأس و الأمل).
5. الشعر الحديث رؤيا :
يقدم مضمون الشعر العربي الحديث رؤى استشرافية متراوحة بين الأمل واليأس حسب طبيعة الشعراء و خلفياتهم، و كيفية تفاعلهم مع الواقع . و قد دافع المجاطي عن رؤيا شعراء الحداثة و رفض تحميلهم جزءاً من أسباب النكبة.
و تبدو قضية الرؤيا مرتبطة بمدى تأثير القصيدة الحديثة على المتلقي العربي، هذا التأثير الذي كان ضعيفا لأن الصلة بين هذا الشعر و القارئ العربي لم تكن موصولة لدواعٍ سياسية و دينية و قومية.
6. الغموض في الشعر الحديث :
يرى المجاطي أن هذا الشعر ليس غامضا في ذاته، و أن مرد هذا الغموض المفترض إلى تجديد شكل القصيدة و التغيير في نظامها الإيقاعي و تطوير صورها و كذا توظيف الرموز و الأساطير و الانفتاح على الثقافة الإنسانية مع ما يتطلبه الأمر من وجود قارئ مؤهل و ملم بهذه المرجعيات، إضافة إلى عدم تواصل الجماهير مع هذا الشعر لأسباب دينية و سياسية و قومية. كل هذه الأسباب و غيرها أدى إلى الحكم علي هذا الشعر بالغموض.
7. الشعر الحديث و الثورة و الجماهير:
يعتقد المجاطي أن الثورية الموجودة في الشعر العربي الحديث كانت واحدة من العوامل التي دفعت الحاكمين إلى التخوف منه، و العمل على خلق فجوة بينه وبين الجماهير. يضاف إلى ذلك التخوف القومي و الديني الذي اعتبر أن هذا الشعر يعمل على تحطيم المرتكزات الأساسية للأمة، و التخوفات السياسية المرتبطة بالخوف من المضامين الثورية لهذا الشعر، المتماهية مع مفهوم الالتزام الذي ساعد في توجيه حركة الحداثة الشعرية في بداياتها، و جعلها تبحث عن التفاعل مع القضايا العامة، و تبحث عن مقومات تساعد على تطوير المكونات الفنية.
8. مقومات التطوير في القصيدة الحديثة:
ينطلق تصور الكاتب من أن التجديد ينبغي أن يكون كليا، و إلا فإنه ليس تجديداً. و لذلك نجده ينتصر للقصائد التي طورت المضامين و الأشكال و اللغة و الصور، على حساب تلك التي جددت المضامين و اللغة و أهملت الجوانب الأخرى.
لقد دافع المجاطي عن التطوير الشامل، لكنه ظل معتدلا في تناوله لبعض الجوانب مثل :
·اللغة الشعريــة: التي أكد أنها لا ينبغي أن تكون مماثلة للغة اليومية، لأن ذلك سيجعلها أكثر اقترابا من السطحية.
·موسيقى الشعر: رفض المجاطي اعتبار الشعر الحديث ظاهرة عروضية ، و أكد أن ما أصبح يتحكم في هذه الموسيقى هو الدفقة الشعورية التي توجه الجمل الشعرية و الأسطر الشعرية و الأبيات.
·الصور البيانية: عرفت تطورا مهما باعتمادها الرموز و الأساطير، و لم تعد مجرد صور جزئية متفرقة، بل غدت صورا مرتبطة بالقصيدة كلها ، وبشعر الشاعر ككل.
القراءة الهيكلية الجهاز المفاهيمي المعتمد في الكتاب
تـــقــديـــم:
تعتمد كل دراسة نقدية كل جهاز مفاهيمي يوظفه الكاتب في مقاربة موضوعه ، و هذا الجهاز يتميز بوجود شكل من أشكال التطابق و الانسجام بين الموضوع المدروس و الأدوات و الوسائل المنهجية المعتمدة.
و لأن الجهاز المفاهيمي في كتاب " ظاهرة الشعر الحديث" للأستاذ أحمد المجاطي ، جهاز متشعب ، يستحيل جرد كافة مفاهيمه، في مقاربة مثل هاته، فسنكتفي باستخراج المفاهيم المحورية و الأكثر إفادة في دراسة الكتاب، و التي يمكن أن نذكر منها:
1. الشكل الجديد:
يقصد به الكاتب الحالة الجديدة التي أصبحت عليها القصيدة العربية الحديثة إثر تغير مضامينها و محتوياتها، مما يثبت العلاقة الجدلية بين الشكل و المضمون في الإبداع الأدبي ، فكلما تحول مجال اهتمام المضامين، و تغيرت طبيعة القضايا الصادرة عنها، كلما تحول الشكل التعبيري و الصياغة الفنية و الجمالية التي تعرض من خلالها هذه المضامين. و تتمثل المكونات البنائية التي مسها التحول و التغيير في :
* لغة القصيدة. * صور القصيدة . * بناء القصيدة . * موسيقى القصيدة.
2. الغربة / الاغتراب:
يعتبر هذا المفهوم من أكثر المفاهيم تداولا في الكتابات التي تطرح مشاكل المجتمع الحديث. و رغم تعدد و تباين تعاريف هذا المفهوم، فإن هناك عناصر مشتركة بينها هي : الانسلاخ عن المجتمع/ العزلة أو الانعزال/ العجزعن التلاؤم / الإخفاق في التكيف مع الأوضاع السائدة/ اللامبالاة/ عدم الشعور بالانتماء/ عدم الشعور بمغزى الحياة .
إن الغربة التي أحس بها الشاعر الحديث ناتجة عن إحساسه بأنه يعيش وسط أبناء جنسه غريبا عنهم، إنه اغتراب عن مجتمع انعدمت فيه القيم . و الشاعر الحديث، إذ يشعر بالاغتراب عن منابع ذاته الحقيقية، يشعر في الوقت نفسه بالخيبة و الألم ، فينمو لديه شعور حاد برفض النظام الذي يسير عليه العالم، وبرفض نفاق العصر و مجتمع الحياد و اللامبالاة، مجتمع الأوهام و الحقائق المزيفة و العلم الميت. و من تم يجد الشاعر نفسه عاجزا عن توكيد ذاته في الديمومة أو التاريخ . إنه يتحرك في زمن جزئي متقطع يسحقه و يبعثره. لذلك فالشعر عنده يبقى خيمة مسكونة بالحسرات، و فضاءً مملوءاً بالتجاويف و صدإِ الغيثِ.
3. اللاشعور الجمعي:
و هو مفهوم صاغه كارل غوستاف يونغ، و يعني أن اللاشعور يستمد تجاربه من الموروث الإنساني العام ، و ليس من تجارب الفرد الشخصية فقط. و هذا ما جعل الحديث عن هذا المفهوم برتبط بالحديث عن الرموز التي كررها الإنسان في كل زمان و مكان، و شكلت النماذج الأصلية التي كثيرا ما توجه السلوكات و التمثلات البشرية شأنها في ذلك شأن الأساطير التي تشكل خلاصة التجربة البشرية عبر كل الأزمنة، لذلك لم يكن مستغربا أن يجد القارئ تشابها بين مضامين الكثير من الأساطير و الرموز.
4. لغة الشعر:
مصطلح يطلق على اللغة التي تمنح الإبداع ما يميزه عن الكلام اليومي و المتداول، فرغم أن المواد التي يعتمدها الشاعر هي نفسها التي يستعملها كل متكلم، إلا أن الوظائف التي تؤديها لغة القصيدة تختلف عن غيرها. ذلك أن المواد الصوتية و المعجمية و التركيبية و الدلالية توظف بطريقة تمنح للوظيفة الشعرية الأولوية على غيرها من الوظائف الأخرى، وذلك بخلقها أثرا جماليا يجعلها منزاحة عن اللغة اليومية أو اللغة العلمية أو غيرها من اللغات التي تبحث عن تواصل مباشر و شفاف.
5. الرؤيا:
يقصد بشعر الرؤيا ذلك النمط من الإبداع الشعري القائم على إنتاج نصوص بوعي مسبق يرفض محاكاة النماذج الشعرية السابقة، و يؤمن بأن الإبداع يقع خارج المتداول و المألوف، و أنه ليس تصويرا للواقع، بل هو كشف جديد لعلاقاته الضمنية و غير المباشرة، و أن الأشياء المادية و المحسوسة و المعيشة ليست سوى تفاصيل و جزئيات يتجاوزها شاعر الرؤيا بتشييده لرؤياه التي تغوص في أعماق الحقائق غير المرئية مستحضرة تجربة الذات في تفاعلها مع التجربة المجتمعية و الإنسانية و هو ما يفسر توظيفه للرموز و الأساطير
أحمد المجاطي
مداخل لدراسة المؤَلف :
المدخل الأول : النقد من حيث هو مفهوم
يعتبر النقد عملية وصفية تنطلق مباشرة بعد الإبداع، و تكون غايتها قراءة الأثر الأدبي،و مقاربته بهد ف استقصاء مواطن الجودة و النقص فيه.
و يرتبط النقد في الغالب بالوصف و التفسير و التأويل و الكشف و التحليل و التقويم، و ينصب كل ذلك على النص أو الأثر المنقود.
و يمر العمل النقدي عبر مجموعة من الخطوات و المراحل ، يمكن ترتيبها مثل ما يلي:
* قراءة النص أو الأثر المنقود و ملاحظته.
* تحليل مضمونه وشكله.
* تقويمه إيجابا و سلبا.
* توجيه المبدع من خلال عملية تغذية راجعة *(feed back)، يمده بها العمل النقدي.
و من أهم وظائف النقد توجيه دفة الإبداع، وإضاءة الطريق للمبدعين المبتدئين و لكبار الكتاب على حد سواء. وكشف مواطن القوة و الضعف في الأثر الإبداعي، و التمييز بين الجودة و الرداءة، و الطبع و التكلف، و الصنعة و التصنع. كما يعرف النقد المبدعين بما وصل إليه الإبداع من تطور، في النظرية و الممارسة، و يجلي لهم طرائق التجديد و مدارسه و تصوراته الجمالية و الفلسفية و الفنية، قصد إبعادهم عن التقليد .
المدخل الثاني:المسار النقدي الأدبي في المغرب في القرن العشرين
إذا كان النقد الأدبي فاعلية قرائية بعدية تتطلب مادة إبداعية قبلية تقرأها و تشتغل عليها و تستولد منها و حولها أسئلتها و تأملاتها و إشكالاتها البانية لخطابها و المحركة لوتائرها، و هو يتطلب "وعيا" نظريا و منهجيا، يضبط صنيعه و يجعله على بينة كافية بالصنيع الأدبي الذي يتعامل معه، فإنه لم يكن بالإمكان ، قبل ستينيات القرن العشرين، الحديث عن "مشهد نقدي" في المغرب، وإنما كانت هناك كتابات لبعض الأدباء المغاربة هي عبارة عن ردود عفوية و ملاحظات انطباعية تقييمية، أكثر منها كتابات نقدية. ومن هؤلاء الأدباء نذكر: عبد الله كنون، و أحمد زياد، و عبد الرحمان الفاسي، و محمد بلعباس القباج...
كانت ستينيات ق20، نقطة انطلاق "الوعي" النقدي الحديث في المغرب، و كانت وراء هذه الانطلاقة عوامل و ملابسات سوسيوثقافية، يمكن تلخيصها في الآتي :
1/ حصول المغرب على استقلاله السياسي و تفرغه لمشاكله الداخلية.
2/ انطلاقة الجامعة المغربية، و تأسيس كلية الآداب و العلوم الإنسانية.
3/ ظهور أعمال أدبية تنتمي لأجناس أدبية حديثة.
4/ الازدهار النسبي للصحافة الأدبية ( ملاحق ثقافية، مجلات أدبية متخصصة)
5/ انفتاح المغرب على لحركة الثقافية و الأدبية في المشرق العربي (القاهرة، بيروت، بغداد).
6/ تأسيس اتحاد كتاب المغرب، و مساهمته في التحسيس بسؤال الثقافة و الأدب .
تضافر هذه العوامل وغيرها، كان حافزا للوعي النقدي الحديث في المغرب، و كان صدور بعض الأعمال الروائية و الشعرة على الخصوص، أوائل ستينيات ق 20، فرصة سانحة أطلقت النقد المغربي الحديث، و لعل أبرز من مثل هذه الحقبة هم: محمد برادة، و أحمد اليابوري، و محمد السرغيني، و أحمد المجاطي، و حسن المنيعي، و إبراهيم
السولامي.
لقد تخرج على أيدي هؤلاء الأساتذة و غيرهم، مع طلائع سبعينيات ق 20، جيل جديد من النقاد و المبدعين هم الذين سيؤثثون المشهد النقدي المغربي بعطائهم،و هم الذين سيملأون فضاءه بأصواتهم و أفكارهم، و ستتفرع معهم الأنحاء التي انتحاها النقد في المغرب بعد ذلك، من نقد شفوي، و صحفي، و جمعوي، و جامعي، و سجالي...
و قد ساهمت هذه الجهود، بلا شك، في التأسيس لوعي نقدي جديد، يتوخى إعادة النظر في شروط القراءة و أدبية النص المقروء، لكنها لم تخل من هنات أجملها ذ. نجيب العوفي في أربع هي :
1/ المنهاجوية : ويقصد بها ارتهان الناقد غير المشروط للمنهج على حساب النص المقروء.فيستعاض عن المبدإ المعروف( النص و لا شئ غير النص) بمبدإ مضاد ( المنهج و لا شئ سوى المنهج). فتكون النتيجة الحتمية آخر المطاف هي اغتراب النص، و المنهج، و الناقد، و المتلقي.
2/ الارتحال السريع بين المناهج و النماذج : الذي تحول عند البعض إلى قطيعة قسرية بين المحطات المنهجية، و إلى سلسلة من النواسخ و المنسوخات.
3/ غياب النقد عن النقد : و هيمنة النزعة الوصفية التحليلية على النزعة التقييمية التأويلية، مما يجعلنا، في آخر التحليل، تجاه خطاب علموي شكلاني متعال، غايته الأولى ة الأخيرة، أن يعيد كتابة النص و يفكك أجزاءه و عناصره، ثم يعيدها إلى أماكنها أو يتركها لحما على وضح. و من تم تتساوى النصوص المقروءة و توضع في سلة واحدة.
4/ غياب شخصية الناقد في قراءته و ارتباك لغته النقدية، معجما و مصطلحا.
و قد استمر النقد العربي في المغرب، على عواهنه، يصارع كل أشكال النقص فيه، و يحاول أن يؤسس هويته العربية المغربية ، لكن طريقه لتحقيق ذلك لا زال يبدو طويلا، و مليئا بالأشواك، والمطبات ، التي نتمنى أن يتجاوزها من سيأتي في هذا القرن الواحد و العشرين.
المدخل الثالث : صـاحــب المــــؤَلــــف
جمع أحمد المجاطي بين خاصيتي الإبداع و النقد لذلك جاءت كتاباته مفيدة و مقنعة في آن معا. و كان قد ولد في الدار البيضاء سنة 1936، تلقى دراسته بين الدار البيضاء و الرباط ودمشق . و درس بكل من جامعة محمد بن عبد الله بفاس و جامعة محمد الخامس بالرباط. اعتبر من المؤسسين لحركة الحداثة الشعرية بالمغرب. فاز بجائزة ابن زيدون للشعر التي يمنحها المعهد الإسباني/ العربي للثقافة بمدريد عام 1985، كما فاز بجائزة المغرب الكبرى للشعر سنة1987.
توفي أحمد المجاطي سنة 1995، مخلفا وراءه عطاءً متميزا في الشعر و النقد و التدريس.
المدخل الرابع : طبــــيعــة المــؤَلَف
يعتبر كتاب " ظاهرة الشعر الحديث" دراسة نقدية تتبع مسار تطور الشعر العربي الحديث، و البحث في العوامل التي جعلت الشاعر العربي الحديث ينتقل من مرحلة الإحياء و الذات إلى مرحلة التحرر من قيود التقليد، مع رصد العوامل و التجارب التي غذت التجديد في الشعر العربي :
·على مستوى المضمون: من خلال تجربة الغربة و الضياع، و تجربة الموت ، مع ما ميز كل تجربة من
مظاهر و خصوصيات.
·على مستوى الشكل و البناء الفني: في اللغة و السياق و آليات التعبير و خاصة الصورة الشعرية و الأسس الموسيقية.
دراســـــة الـــكـــتـــاب
الـقراءة الـمضمونــيـة:
الفصـــــــل الأول : التطور التدريجي في الشعر الحدـيث.
القسم الأول: نحو مضمون ذاتي.
·الشعر العربي القديم:
أمران مهمان يحددان التطور في الشعر العربي،عند أحمد المجاطي، هما: الحرية و الاحتكاك بالثقافة الأجنبية.
و في الشعر العربي القديم لم يتحقق هذا التطور إلا جزئيا، في مرحلتين:
◄ في العصر العباسي، مع شعراء رفعوا لواء الحداثة الشعرية و التحول، أمثال: أبي نواس،
و أبي تمام، و المتنبئ.
◄ في شعر الموشحات الأندلسية خاصة على مستوى الإيقاع العروضي.
و مع هيمنة معايير القصيدة العمودية التي كان يدافع عنها نقاد اللغة ظل هذا التجديد محدودا و ضئيلا.
نستنتج أن الشعر العربي القديم ظل – في مجمله - ثابتا و محافظا على الأصول، و لم يحقق تطورا ملحوظا بسبب انعدام الحرية الإبداعية و ضعف الاحتكاك بالثقافات و الآداب الأجنبية.
·التيار الإحيائي :
كانت العودة إلى التراث الشعري العربي في مراحل إشراقه، أهم مرتكز يقوم عليه التيار الإحيائي قصد
تجاوز ركود عصر الانحطاط و مخلفات كساد شعره و الخروج من الأزمة الشعرية التي عاشها شعراء عصر النهضة.
و يعتبر محمود سامي البارودي أهم زعماء هذا التيار، إذ نظم شعره متوسلا بالبيان الشعري القديم، مما جعل هذا التيار حركة تقليدية محافظة جراء مجاراتها طرائق التعبير عند الشعراء القدامى، و وضعف اطلاع أصحابه على الآداب الأجنبية.
·التيار الذاتي:
تداخلت عدة عوامل سياسية و اجتماعية و تاريخية، للدفع نحو تجاوز شعار العودة إلى التراث، و الأخذ بشعار البحث عن الذات الفردية و الإعلاء من شأنها، مما أنتج تيارا ذاتيا في الكتابة الشعرية العربية الحديثة، تشكل عبر الجماعات الأدبية الآتية:
(أ)جماعة الديوان:
و تضم كلا من العقاد و شكري و المازني، الذين آمنوا بأن الشعر وجدان، لكنهم اختلفوا في التعبير عن هذا الإيمان، مما أعطى تمايزا في مضامين إبداعهم الشعري، يمكن تجسيده كالآتي:
العقاد شكري المازني
- "مفكر قبل أن يكون شاعرا"
- غلب التفكير على الوجدان و الشعور
- قصيدة"الحبيب" غلب فيها المنطق العقلي على ما هو وجداني داخلي.
- من طبيعة الشعر عنده أن ينطلق من النفس بصورة طبيعية.
- تعامل مع الأشياء تعاملا مباشرا أساسه الانفعال المباشر دون تدخل من العقل أو توغل في أعماق النفس
- تأمل في أعماق الذات، و انصرف عن الاهتمام بالعقل الخالص.
- المعاني جزء من النفس تدرك بالقلب لا بالعقل،مما أنتج لديه شعر الاستبطان و استكناه أغوار الذات
نصل مما سبق إلى أن ميزة الشعر الذاتي عند جماعة الديوان هي التمايز و التفرد و التغني بشعر الشخصية،و ليس دعوة لإبداع شعر متشابه الوسائل و الغايات. و لعل مرجع اهتمام الجماعة بالعنصر الذاتي أمران:
إعادة الاعتبار للذات المصرية التي كانت تعاني من الانهيار التام .
انتشار الفكر الحر بين مثقفي و مبدعي مصر، فعبروا عن أنفسهم باعتبارها قيما إنسانية ذات وزن.
(ب) تيار الرابطة القلمية :
تجاوز مفهوم الوجدان مع شعراء الرابطة القلمية، الذات ليشمل الحياة و الكون في إطار وحدة الوجود الصوفية، فقالوا بوجود روابط خفية، تشد الكائن الفرد إلى الكون جملة، و أن من شأن هذه الروابط الرفع من مكانة الفرد، و تقريبه من الذات الإلهية حتى تغدو العودة إلى الذات عبارة عن تفتح العالم بكلياته و جزئياته، و قد اختلفت سبل العودة إلى الذات عند كل من جبران خليل جبران، و ميخائيل نعيمة، و إيليا أبي ماضي.
جبران نعيمة أبو ماضي
- انقطع إلى التأمل في نفسه، مؤمنا بأن ملكوت الله في داخل الإنسان.
- لا مجال لمحاولة التحرر من الفساد
- الصلاح و الطلاح شيء واحد، ووجودهما ضروري كوجود الليل و النهار.
- آثر حياة الفطرة على تعقد الحضارة.
- هرب بأحلامه إلى الغاب.
- قدم عن المجتمع المتحضر صورة حافلة بالضجيج و الاحتجاج و الخصومة.
- استعصم بالخيال و ركن إلى القناعة و الرضى.
- فر من الحضارة المعقدة إلى القفر أو إلى الغاب.
- عاد إلى نفسه ليتأسى روحيا.
رغم معاصرة شاعر الرابطة القلمية للمد القومي العربي، إلا أنه ظل حبيس الذات و المضامين السلبية مثل اليأس و الخنوع و الاستسلام و القناعة، مخالفا حقيقة الوعي القومي المستلزم للأفعال الإيجابية و التغيير الثوري و ترجمة المشاعر إلى الواقع العملي.
(ج) جماعة أبوللو:
أسسها الدكتور أحمد زكي أبو شادي سنة 1932، ارتكزت في مفهومها للشعر على التغني بالذات و الوجدان، إذ رأت في ذات الشاعر مصدر ما ينتج من شعره، بشكل يسمح بتعرف هذه الذات من خلال النظر في شعر صاحبها. يرى أحمد المجاطي أن معاني الشعر عند أصحاب هذه الجماعة تتميز بالسلبية نظرا لتعاطيهم مع مواضيع الطبيعة و الهروب من الحياة الواقعية إلى الذات المنكمشة، و من المدينة نحو الغاب، و اصطباغ شعرهم بالخيبة و الحرمان و اليأس بالمرارة و المعاناة من الاغتراب.
انتهت جماعة أبوللو بالانفصال و التمزق و الهجرة و الفرار، فتعددت الاتجاهات المختلفة التفاصيل، و المتحدة عند انفصال الشاعر المصري عن مجتمعه.
القسم الثاني: نحو شكل جديد.
اتخذ تطور القصيدة العربية منحى متكاملا، ارتكز على مبدإ العودة إلى الذات، إذ أدرك الشاعر الوجداني أن كل تجربة جديدة لا تعبر عنها إلا لغة تستوفي صيغتها التعبيرية و صورها البيانية و إيقاعاتها الموسيقية من التجربة نفسها. و من تم راح يعتمد للتعبير عن تجربته الذاتية أشكالا تختلف في خصائصها عما ألفه التيار التقليدي من أشكال كان مصدرها امتلاء الذاكرة و تقليد النموذج.
و يمكن إجمال خصائص الشكل في القصيدة الوجدانية في ما يلي:
·سهولة التعبير: راح الشاعر الوجداني الحديث يقترب من أحاديث الناس، موظفا لغة الحديث المألوف و لغة الشارع كما عند العقاد في قصيدة"أصداء الشارع" من ديوان "عابر سبيل"، إذ أصبحت السهولة صفة أساسية في أسلوبه.
·الصورة البيانية: صارت تعبيرية و انفعالية و ذاتية ملتصقة بتجربة الشاعر الرومانسي، يريد بها شرح عاطفة أو بيان حالة، بعد أن كانت عند الإحيائيين زخارف و أصباغا تراد لذاتها.
·الوحدة العضوية: ابتغى الشاعر الوجداني ربط العواطف و الأحاسيس و الأفكار ببعضها ربطا يظهر القصيدة بمظهر الكائن الحي، لكل عضو من أعضائه دور هام يحدده مكانه من الجسد، فربط القافية و الوزن، مثلا، بالأفكار و العواطف الجزئية لا بموضوع القصيدة بوصفه كلا موحدا، فنظموا قصائد ذات موضوع واحد و قواف متعددة و أوزان مختلفة.
هذه المحاولات التجديدية انحصرت على مستوى الشكل بفعل الحملة التي شنها النقاد المحافظون على هذه الحركة التجديدية النامية و محاولاتها المستهدفة للغة و الأوزان و القوافي و الصور البيانية.
اصطبغت نهاية هذه التيارات التجديدية بالحزن إن على صعيد المضمون أو الشكل:
فعلى صعيد المضمون: انحدر إلى مستوى البكاء و الأنين و التفجع و الشكوى، و هي معان ممعنة
في الضعف وتكشف عما وراءها من مرض و خذلان.
و على صعيد الشكـــل : فشل في مسيرته نحو الوصول إلى صورة تعبيرية ذات مقومات خاصة
و مميزات مكتملة ناضجة، و كان فشله بفعل النقد المحافظ الذي استمد قوته مما كان الوجود العربي التقليدي يتمتع به من تماسك و مناعة قبل نكبة فلسطين، و الذي سيتغير بعد النكبة.
الفصـــــــــل الثاني : تجربة الغربة و الضياع.
لم يكنِ الشاعر العربي الحديث بمعزل عن المؤثرات العامة المحيطة به، بدءاً بواقع الهزيمة الأسود مع نكبة فلسطين عام ، مرورا بالمد القومي الوليد، وصولا إلى انهيار الواقع العربي و ما أحدثه من زرع الشكوك في نفوس المثقفين و المبدعين، و إسقاط كل الوثوقيات العربية التقليدية و الثوابت المقدسة و الطابوهات. لقد مكنت كل هذه الاهتزازات الشاعر العربي الحديث من خلخلة الثوابت، و الانفتاح على ثقافات العالم، شرقه و غربه، و كذا على التراث العربي، فكان :
1/ استيعاب الروافد الروافد الفكرية القادمة من الشرق، ( مذاهب صوفية، تعاليم متحدرة من الديانات
الهندية و الفارسية و الصابئة...)
2/ الاستفادة من الفلسفات الغربية الحديثة ، من وجودية و اشتراكية...
3/ التفاعل مع أشعار: بابلو نيرودا، و بول ايليوار، و لويس أراكون، و كارسيا لوركا،
و ماياكوفسكي، و ناظم حكمت، و توماس إليوت....
4/ التأثر بأشعار جلال الدين الرومي، و عمر الخيام، و فريد العطار، و طاغور....
5/ الانفتاح على الثقافات الشعبية ( سيرة عنترة بن شداد، سيرة سيف بن ذي يزن،سيرة
أبي زيد الهلالي، كتاب ألف ليلة و ليلة....)
6/ التعمق في القرآن الكريم، و في الحديث النبوي الشريف.
7/ التمعن في الشعر العربي القديم.
بكل ذلك غدا الشعر العربي الحديث وسيلة لاستكشاف الإنسان و العالم تعبر عن ثمار الرؤيا الحضارية الجديدة التي استقرت عند بعض الشعراء المحدثين الكبار، من أمثال السياب و نازك الملائكة و البياتي و صلاح عبد الصبور و خليل حاوي و أدونيس و غيرهم.
و من الموضوعات التي تسجل حضورها بكثرة في الشعر العربي الحديث، تجربة الغربة و الضياع التي يرجع الدارسون عوامل بروزها إلى ثلاثة هي:
(أ ) التأثر بشعر توماس إليوت، خاصة في قصيدته " الأرض الخراب"
(ب) التأثر بأعمال بعض المسرحيين و الروائيين الوجوديين أمثال: ألبير كامو، و جون بول سارتر،
و بعض النقاد مثل: كولن ولسون، خاصة في دراسته عن اللامنتمي ، و هي أعمال ترجمت إلى اللغة العربية و ساعدت في تبني الشباب موجة من القلق و الضجر انعكست في أشعارهم
(ج) عامل المعرفة، باعتبار المعرفة سلاح الشاعر الحديث.
إلا أن أحمد المجاطي لا يقر بكون هذه المصادر هي الوحيدة التي شكلت سبب نغمة الكآبة و الضياع و التمزق، بل هو يرى أن هناك جذورا لهذه النغمة تتمثل في تربة الواقع العربي الذي حولته النكبة إلى خرائب و أطلال، ذلك أن النكبة في نظره أهم عامل في الدفع نحو آفاق الضياع و الغربة بالشعر العربي الحديث، فليس الأمر مجرد نغمة سوداء استقدمها الشعراء بقدر ما هو مأساة حقيقية مصدرها هذا الواقع المنحل و ذلك التاريخ الملوث اللذين قدر على الشاعر العربي الحديث أن يحمل لعنتهما مما يؤكد أصالة هذه التجربة و ضرورة البحث عن جذورها في الواقع، و تصوير أهم مظاهرها البارزة في القصيدة العربية الحديثة، و التي نذكر منها :
1.الغربة في الكون:
حين حلت النكبة، و طرد العربي الفلسطيني من أرضه، و نفي من أمجاده و تاريخه، و حاصرته المهانة و الذل، و انفصل عما حوله من أشياءَ و قيمٍ، مال إلى الشك في كل شيءٍ، و كان الشاعر بفعل حساسيته المفرطةِ، أبلغ من جسد هذا الميل حين جرب أن يحس بوحدته و تفرده في الكون، و تولى أمر نفسه بنفسه، فشكك في الحقائق و مال إلى التفلسف الوجودي ( الأنطولوجي )، و تفسير الكون عقلا ومنطقا، بفعل إحساسه بالعبث و القلق و المرارة المظلمة، و ممن جسد هذا الميل نذكر: صلاح عبد الصبور، و السياب، و أدونيس، و يوسف الخال .
2.الغربة في المدينة:
آمن الشاعر العربي الحديث بأن هدف الشعر هو تفسير العالم و تغييره، لذا وجد في المدينة المجال الأنسب لتحقيق هدفه، على اعتبار أنها تمثل الوجه الحضاري للأمة بكل أبعاده الذاتية و الموضوعية، و تتخذ قناعا سياسيا و اجتماعيا و ثقافيا و اقتصاديا .
لكن المدينة العربية فقدت كثيرا من مظاهر أصالتها، حين غزتها المدينة الأوربية، فأضحت بمصانعها الحديثة
و عماراتها الشاهقة و طرقاتها الفسيحة، قالبا لا يناسب واقع الأمة العربية المهزومة مما غذى إحساس الشاعر العربي الحديث بالغربة في علاقته بالمدينة مكانا و ناسا وقيما و أشياءَ، فكان أن سلك في تصوير هذه المدينة طرقا متعددة، فقد صورها في ثوبها المادي و حقيقتها المفرغة من كل محتوى إنساني، كما فعل أحمد عبد المعطي حجازي في ديوانه (مدينة بلا قلب).كما اهتم الشاعر العربي الحديث بالناس في المدينة، فقدمهم صامتين يثقلهم الإحساس بالزمن، مشغولين بأنفسهم، لا يكاد يلتفت الواحد منهم إلى الآخر.
و رغم هذه المواقف السلبية من المدينة فإن الشاعر الحديث لم يستطع الهروب منها إلى الريف أو الغاب، كما فعل الرومانسيون، فقد وجد أن المدينة تحاصره، كما عند السياب مع بغداد، إذ وجد أن الخلاص منها يكمن في الموت، كما عند صلاح عبد الصبور في قصيدة (الخروج).
3.الغربة في الحب:
فَشَلٌ ثالث يضاف إلى فشل الشاعر العربي الحديث في فهم أسرار الكون و في التأقلم مع المدينة، إنه فشله في الحب الذي بات زيفا مصطنعا و بريقا واهما، ذلك أن هموم الشاعر العربي الحديث كثيرة متنوعة، و تركيبته النفسية معقدة لا ينفع معها ترياق الحب بمفهومه الروحي أو المادي، فلم تعد المرأة بجسدها و أنوثتها و رقتها و جمالها قادرة على تخليصه من همه القاتل، بل إن العلاقة بين الزوجين تحولت إلى عداوة و قتال كما عند خليل حاوي في قصيدته (الجروح السود) من ديوانه (نهر الرماد)، و الحب يموت كما عند عبد المعطي حجازي، أو يصاب بالاختناق كما عند صلاح عبد الصبور.
4.الغربة في الكلمة:
كانت رغبة الشاعر العربي الحديث أن تكون كلمته قوة و حركة وفعلا، غير أن الزمن لم يلبث أن حول الكلمة على لسانه إلى حجر كما قال أدونيس في قصيدة (السماء الثامنة) من ديوان (المسرح و المرايا)، فعاشت الكلمة بذلك غربتها الذاتية في واقع لا يربي سوى الصدى و خنق الجهر، و قتل الكلام الصارخ، مما جعل الشاعر يلوذ بالصمت، كما فعل البياتي في قصيدة (إلى أسماء) من ديوان (سفر الفقر و الثورة) رغم كونه عذاب و سكون و حزن، حين اكتشف أن نضاله بالكلمة لن يتجاوز تصوير الواقع البشع الذي خلقته الهزيمة و حكمت عليه بمعاناته و الاكتواء بناره، دون أن تمتلك الكلمة ميزة الحركة و الفعل.
خلاصة الفصل:
هكذا شكلت هذه التنويعات الأربعة الأبعاد المختلفة لتجربة الغربة لدى الشاعر العربي الحديث و التي تبلورت في مفهوم دال واحد هو : الغربة في الواقع الحضاري، سواء تمظهرت من خلال جانب واحد أو أكثر، فقد كان هدفه الأساس هو البحث عن الخلاص الكلي إيمانا منه أن وراء كل ظلمة نوراً، و أن الموت نفسه وسيلة إلى الحياة حين لا تبقى أية وسيلة أخرى، فكان هناك ارتباط وثيق بين معاني الضياع و الغربة و معاني اليقظة و التجدد و البعث، و حصل تداخل بين بين المعاني جميعها في قصائد الشعراء المحدثين.
الفصل الثالث تجربة الحياة و الموت
لم يكن حال الأمة العربية كله مدعاة لليأس و الغربة و الضياع و السأم و الحزن، ذلك أن العشرين سنة التي تلت النكبة قد شهدت هزات عنيفة و تغيرات واسعة شملت العالم العربي كله ، مما ولد حالا آخر ممثلا في إيقاع الأمل و الحياة و اليقظة و التجدد ، بسبب ما تم إنجازه واقعيا و سياسيا بدءاً بثورة مصر سنة مرورا بتأميم قناة السويس و رد العدوان الثلاثي وصولا إلى استقلال أقطار العالم العربي...الشيء الذي انعكس في أشعار بعض شعراء هذه المرحلة، ذكر منهم أحمد المجاطي أربعة هم : بدر شاكر السياب و خليل حاوي و أدونيس 1952 و عبد الوهاب البياتي.
لقد رفض الشاعر من هؤلاء الموت، موت الحياة الذي ليس بعده بعث، و قَبلَ بموت تكون معه الحياة،فعانق بذلك الرفض و الثورة و النضال ، و التجدد و الأمل و التحول و الحياة.
يرى المجاطي أن هؤلاء الشعراء هم أفضل من يمثل هذا الاتجاه، و يعدد الخصائص التي توحد بينهم في ما يلي:
* ارتباط تجربتهم بالحياة و الموت.
* ارتباط تجربتهم بالواقع الحضاري للأمة.
* رغبتهم في الانتصار على جميع التحديات التي تواجه الذات و الكون و الزمن و الجماعة.
* استخدامهم للمنهج الأسطوري.
* استشراف المستقبل.
لقد استفاد الشاعر الحديث من مجموعة من الأساطير و الرموز الدالة على البعث و التجدد، استلهمها من الوثنية البابلية و اليونانية و الفينيقية و العربية، و من المعتقدات المسيحية و من الفكر الإنساني عامة، و من هذه الأساطير نذكر: تموز ، و عشتار ، و أورفيوس ، و طائر الفينيق ، و مهيار الدمشقي ، و العنقاء ، و السندباد ، و عمر الخيام ، و الحلاج... مما أرز منهجا نقديا و أدبيا و فلسفيا يسمى بالمنهج الأسطوري، يصوغ فيه الشاعر مشاعره و رؤاه، و مجمل تجربته في صور رمزية، يتم بواسطتها التواصل عن طريق التغلغل إلى اللاشعور حيث تكمن رواسب المعتقدات و الأفكار المشتركة.
أدونيس:
ركز الكاتب في دراسته لأدونيس على ديوانيه( كتاب التحولات و الهجرة في أقاليم النهار و الليل) و ( المسرح و المرايا )، فلاحظ أن ما يميز تجربة الحياة و الموت عند أدونيس، من خلالهما، هو صدورها عن ذات محتقنة بفحولة التاريخ العربي،في واقع يفتقر إلى الفحولة و الخصب،و محتقنة بجموح الحضارة العربية قبل أن يسلط سيف الاستعمار على عنقها.
كان موقف أدونيس من الواقع العربي المنهار هو موقف الرافض للموت، لذلك كان في شعره اتجاهان:
·اتجاه ينطلق من الحيرة و التساؤل، و البحث عن وسيلة للبعث.
·اتجاه ينطلق من اكتشاف مفهوم التحول بصفته وسيلة لدفع الواقع العربي نحو البعث و التجدد.
و الاتجاهان معا متكاملان منسجمان مع موقف احتقان الذات بفحول التاريخ العربي و إمكانية البعث، و بإمكانية التحول التي تدور حولها معاني الحياة و الموت عند أدونيس.
لقد كان المنهج الأسطوري بارزا جليا في شعر أدونيس ، عكس مفهوم التحول الذي انفلت من إطار هذا المنهج أحيانا، ليؤسس عالما شعريا لا نهاية فيه للعمليات الكيميائية بين عناصر الذات و الأشياء، و الروح و المادة و الحياة و الحصاد، من أجل أن يتحقق النصر الكامل للحياة، مما جعل شعر أدونيس أقل ارتباطا بحركة التاريخ العربي، إذ أمعن في تخطيها و تجاوزها طمعا في إقامة حوار غريب مع زمن لم يجئ بعد.
خليل حاوي:
عبر خليل حاوي في دواوينه الثلاثة ( نهر الرماد ) و ( الناي و الريح ) و بيادر الجوع )، عن مبدإ آخر غير مبدإ التحول، هو مبدأ المعاناة، الحاضر في مقدمات قصائده و في شعره، معاناة الموت و معاناة البعث، على إيقاع من الأمل و اليأس بصور الخراب و الدمار و الجفاف و العقم، و قد وظف في شعره أسطورة تموز و أسطورة العنقاء ، دلالة على الخراب الحضاري و التجدد مع العنقاء.
و يرى أحمد المجاطي في تجربة الشاعر خليل حاوي، تجربة عظيمة قائمة على التوافق بينها و بين حركة الواقع في حقبة من تاريخ الأمة العربية، و على قدرته على تجاوز ذلك الواقع و تخطيه، و على معاينة ملامح الواقع المرعب المنتظر.
بدر شاكر السياب:
تناول السياب في الكثير من قصائده معاني الموت و البعث، فعبر عن طبيعة الفداء في الموت، معتقدا أن الخلاص لا يكون إلا بالموت، بمزيد من الأموات و الضحايا كما في قصيدة " النهر و الموت"
لقد عمل السياب على استثمار الإطار الأسطوري ليحول الموت إلى فداء، ليجعل الفداء ثمنا للموت، كما فعل في قصيدة " المسيح بعد الصلب " مثلا حين استخدم رمز المسيح للتعبير عن فكرة الخلاص.
و يرى الكاتب أن إدراك السياب لجدلية الحياة و الموت، و تحويل الموت إلى فداء، قد يكون له علاقة بمزاجه، أو التركيب الغريب لعقله الباطن، و يقر الكاتب أن السياب عرف كيف يفيد من ذلك في تتبع معاني الحياة و الموت على مستوى الواقع الذاتي و الحضاري.
عبد الوهاب البياتي:
تحمل أشعار البياتي قضية الصراع بين الذات و موت الحضارة و بعثهما، من خلال جدلية الأمل و اليأس، و قد تمت صياغة هذه القضية في أشعار البياتي من خلال ثلاثة منحنيات هي:
1. منحنى الأمل : و فيه انتصار ساحق للحياة على الموت، و تمثله الأعمال الشعرية التالية : ( كلمات لا تموت / النار و الكلمات / سفر الفقر و الثورة )، إذ يظهر الشاعر مناضلا يعيش الأمل لصالح الحياة، فيغدو السقوط حياةً و الهزيمة انتصارا و الموت حياةً.
2.منحنى الانتظار: و فيه تتكافأ الحياة مع الموت و يمثله ديوان (الذي يأتي و لا يأتي )و فيه أربعة خطوط هي: خط الحياة و خط الموت و خط الاستفهام و خط الرجاء و التمني.
3.منحنى الشك: يتم فيه انتصار الموت على الحياة، و يمثله ديوان (الموت و الحياة)، و هو يكشف زيف النضال العربي، لأنه لا موت بدون نضال و لا بعث بدون موت.
يصل الكاتب إلى حكم مفاده أن قدرة البياتي على كشف الواقع هي سبب اهتمامه بالموت، و أن اهتمامه بالحياة مصدره إيمانه بالثورة، و الصراع بين الحياة و الموت. و أنه من كل ذلك تفجرت صور الأمل و اليأس و صور القلق و الانتظار.
خلاصة الفصل:
لم يغفل المجاطي، و هو ينهي مقاربته هذه التجربة، التنويه بإضافتها النوعية المتمثلة في المضامين و كشف الواقع و استشراف المستقبل، مما جعل منها تجربة مرتبطة بحركة التاريخ خلال العشرين سنة الفاصلة بين النكبة و النكسة، رغم كونها لم تأت أكلها، و يحدد الكاتب العوامل التي حالت دون وصول هذه التجربة للجماهير العربية في:
1.عامل ديني قومي: الخوف مما يمكن أن تمثله هذه التجربة من تطاول على التراث باسم الشعر.
2.عامل ثقافي: وقوف جماعة من الشعراء و النقاد في وجه ما هو جديد.
3.خوف الحكام من المضامين الثورية لهذه التجربة، مما جعلهم يلجأون إلى المصادرة و المنع و السجن و النفي.
الفصل الرابع الشـكـــل الجـــديـــد
تقديـــــــــــــــم:
إذا كان لكل تجربة شعرية إطارها السوسيوتاريخي، فإن لها كذلك أدواتها التعبيرية و وسائلها الفنية التي تمدها بالقيمة الجمالية لتجعل منها تجربة متميزة متكاملة في البناء العام للقصيدة و اللغة و طريقة التعبير و توظيف الصور البيانية و الرموز و الأساطير .
و لأن الشكل الفني ليس قالبا أو نموذجا أو قانونا ، بل هو حياة تتحرك أو تتغير، فقد حرص الشاعر العربي الحديث على تجاوز الشكل القديم، فأقام بناءً من التحولات التي خلخلت العناصر الأساسية للشكل الشعري، مثل اللغة و الإيقاع و التصوير... و هي تحولات كان لها أثر كبير على سياق القصيدة و بنائها العام أيضا.
فما التحولات التي رأى المجاطي أنها أصابت عناصر الشكل الشعري في القصيدة العربية الحديثة ؟ .
1/ تطور اللغة في الشعر الحديث:
يرى أحمد المجاطي أن لغة الشعر الحديث تتصف بكثير من الخصائص التي لايمكن أن تظهر من دراسة ديوان واحد، بل تحتاج لكثير من التأمل و البحث في لغة الشعر الحديث، و هي الخصائص التي يسميها الناقد ب ( المميزات الثورية للغة الشعر الجديد) و منها :
·النفس التقليدي في لغة الشعر الحديث: لغة جزلة و عبارة فخمة و سبك متين، على غرار الشعر القديم ، وتبدو هذه الخاصية عند السياب في دواوينه القديمة و المتأخرة، خاصة قصيدته " مدينة بلا مطر" و قصيدة " منزل الأقنان" .
·البعد عن لغة الحديث اليومية: كما عند أدونيس و البياتي و محمد عفيفي مطر و صلاح عبد الصبور...، إذ تبتعد لغة الشعر عندهم عن لغة الحديث الحية بعدا يمنح مفرداتها قيما و دلالات مغايرة لما تحمله في الاستعمال الشائع.
·السياق الدرامي للغة الشعر الحديث: كما نجد عند محمد مفتاح الفيتوري في قصيدته " معزوفة لدرويش متجول" إذ يشغل لغة درامية متوترة نابعة من صوت داخلي منبثق من أعماق الذات، و متجها إليها.
2/ التعبير بالصورة في الشعر الحديث:
لقد تجاوز الشاعر الحديث الصور البيانية المرتبطة بالذاكرة التراثية عند الشعراء الإحيائيين، و الصور المرتبطة بالتجارب الذاتية عند الرومانسيين ، إلى صور تقوم على توسيع مدلول الكلمات من خلال تحريك الخيال و التخييل و تشغيل الانزياح و الرموز و الأساطير و توظيف الصورة/ الرؤيا و تجاوز اللغة التقريرية المباشرة إلى لغة الإيحاء.
و لعل تجاوز الشاعر للصورة البيانية قد ساهم في إبعاد تجاربه الشعرية عن دوق عامة الناس، مما منحهم نوعا من التبرير لوصف الشعر الحديث بالغموض.
3/ تطور الأسس الموسيقية للشعر الحديث:
إن الشاعر الحديث و هو يسعى إلى بناء نظام موسيقي جديد، لم يكن يهدف إلى هدم الأصول الموسيقية الموروثة، بل كان غرضه أن يتحرر من بعض القيود بالقدر الذي يمنح له من الحرية ما يسعفه في التعبير عن عواطفه و أحاسيسه و فكره... و لاشك في أن ذلك القدر من الحرية الذي تمتع به قد أتاح له أن يطوع تلك القوانين و أن يطورها ، و أن يضيف إلى الخصائص الجمالية للبحور التقليدية ، خصائص جمالية أخرى تستمد أصولها من التطور الذي أصاب المضامين الشعرية نفسها.
لقد وجد الشاعر نفسه، قديما، متقبلا خاضعا لقيود صرامة البيت و سياقه الهندسي، مما عطل تطور نظام موسيقى الشعر حتى أواخر العقد الخامس من القرن العشرين، حيث تحققت تطورات في الإطار الموسيقي للقصيدة العربية منها:
·تجاوز نظام الشطرين لصالح السطر الشعري.
·السطر الشعري قد يطول و قد يقصر بحسب ما يتضمن من نسق شعوري أو فكري.
·طول ذلك السطر قد يتراوح ما بين تفعيلة واحدة و تسع تفعيلات.
·إذا كان عدد التفعيلات في أية قصيدة تراثية محدداً و محصوراً تتوزعه الأعجاز و الصدور، فإن التفعيلات في القصيدة الحديثة تمثل عدداً لا يحيط به الحصر.
·ينظم الشاعر الحديث على ستة بحور هي المعروفة بالصافية و هي: الهزج (مفاعيلن)، و الرمل (فاعلاتن)، و المتقارب (فعولن)، و المتدارك (فاعلن)، و الرجز (مستفعلن)، و الكامل (متفاعلن).
·أصبح بمقدور الشاعر أن يستخرج من البحر الواحد أكثر من بناءٍ موسيقي واحدٍ.
·امتاز نظام التفعيلة بالمرونة و الطواعية.
·الخلط بين البحور داخل قصيدة واحدة، في محاولة لتفتيت وحدة البيت فيها، كما عند السياب في قصائده من ديوان " شناشيل ابنة الجلبي"، و أدونيس في قصيدة" مرآة لخالدة" من ديوان " المسرح و المرايا".
يرى أحمد المجاطي أن البحور المختلطة رغم ما تتوفر عليه من طاقات موسيقية كبيرة فهي لم تستغل لأسباب منها:
1.مسألة الزحاف : تولد إحساسٌ بالرتابة و الملل ناتج عن اعتماد التفعيلة كوحدة إيقاعية ثابتة، و لتكسير حد القافية و منحها مزيدا من التنوع و التلوين، لجأ الشاعر الحديث إلى الإكثار من استعمال الزحاف، فكان أن حصل الشاعر على أكثر من إيقاع من دون أن يلجأ إلى البحور المختلطة.
2.تنويع الأضرب : بهدف التنويع في الإيقاع و التلوين في النغم، عمد الشاعر الحديث إلى:
·توظيف تفعيلات تعود إلى أصل واحدٍ، كما في أبيات عبد الصبور ( مستفعلن ).
·تنويع الأضرب دون الاكتراث بقيود القافية.
·إدماج بعض البحور المتشابهة في بحر واحدٍ، مثل: الرجز و السريع.
3.فاعل في حشو الخبب : تظل مسألة تنويع الأضرب و القافية تلوينات مقبولة و ملتزمة بقوانين علم
العروض، إلا أن الخروج عن هذه القوانين يتمثل في استعمال (فاعل) بدل (فاعلن) في حشو بعض
أبيات الشعر الحديث، و هو خروج أصبح متفشيا في كثير من قصائد الشعر المعاصر الجديد، و مستساغا من قبل " الرأي العام" على حد تعبير كل من محمد النويهي و عز الدين إسماعيل.
4.مسألة التدوير : إن حركة المشاعر و الأفكار و الأخيلة قد تأخذ شكل دفقة تتجاوز، في اندفاعها،
حدود الشطر أو البيت الشعريين، مما نتج عنه نتيجتين:
·الأولى: تبرز في التعبير عن الدفقة دون الوقوع في التدوير، و بالتالي اللجوء إلى استعمال تفعيلة خماسية أو تساعية كما ورد عند نازك الملائكة و خليل حاوي.
·الثانية: و تظهر في اتساع الدفقة الشعورية و بالتالي الوقوع في التدوير الذي يتخلص من صرامة البيت ذي الشطرين و من انتظامه في نسق هندسي رتيب.
4/ نظام القافية في الشعر الحديث:
يمكن تلخيص التغييرات التي مست القافية باعتبارها جزءاً من البناء العام للقصيدة في ما يلي:
* الالتزام بالقافية باعتبارها نظاما إيقاعيا دون الالتزام بحرف روي واحدٍ.
* الربط بين إيقاع البيت و إيقاع القافية.
* التخلي عن القافية باعتبارها المرمى الأفقي النهائي للجمل المختلفة، و جعلها محطة وقوف اختيارية تستجمع فيها الدفقة الشعورية أنفاسها.
* جعل القافية لبنة حية في البناء الموسيقي العام للقصيدة.
* إخضاع البناء الموسيقي لحركة المشاعر و الأفكار.
* الابتعاد عن النزعة الهندسية الحادة التي عُرفت بها القوالب الموسيقية التقليدية .
و يرى الكاتب في آخر الكتاب أن الحداثة من العوامل التي كانت وراء وصف الشعر العربي الحديث بالغموض، إلى جانب ما تتطلبه القصيدة الحديثة من إعمال للجهد و استلزام لذوق قرائي جديد ، ثم انفصال هذا الشعر عن الجماهير ما دام لا ينزل معها إلى ساحة المقاتلة و النضال و الصراع ضد قوى الاستغلال و البطش و لا يشاركها في معاركها الحضارية .
القضايا النقدية في كتاب " ظاهرة الشعر الحديث"
إن قراءة كتاب أحمد المجاطي تجعلنا نقف على جملة قضايا نقدية عمل الكاتب على طرحها و مناقشتها و إبداء رأيه وفيها، و يمكن إجمال أهم هذه القضايا في ما يلي :
1. دور التجربة الذاتية:
يخلص المجاطي إلى أن تطور الشعر عموما يتنج عن تحقق عاملين يتمثلان في الاحتكاك بالثقافات و الآداب الأجنبية، و توفر مقدار من الحرية للشعراء يمكنهم من التعبير عن تجاربهم. و قد أدى تفاعل هذين العاملين في الشعر العربي الحديث إلى ظهور تيارات مختلفة في الخصائص و متفقة في الهدف ( إخراج الشعر العربي من إطار التقليد إلى حدود التعبير عن التجربة الذاتية كما يعيشها الشاعر)، منها الديوان و أبوللو و الرابطة القلمية... و قد أرجع المجاطي سبب الاهتمام بقضية الذات في الشعر العربي إلى :
* ظهور البورجوازية الصغيرة على مسرح الأحداث في مصر، و الالتحام بيم الأجيال الصاعدة و بين الحضارة الحديثة.
* معاناة شخصية الفرد المصري من انهيار تام ، و محاولة إعادة الاعتبار إلى ذاته المسحوقة.
* تشبع شعراء هذه التيارات بالفكر الحر، مما مكنهم من فرص التعبير عن أنفسهم بكل حرية.
و إذا كان شعراء هذه التيارات قد استطاعوا التمرد على بنية القصيدة التقليدية و موضوعاتها، فإنهم قد ظلوا حبيسي معاني اليأس و التردد و القناعة و الاستسلام، رافضين الانفتاح على الحياة المتجددة، حتى أثروا في من جاء بعدهم، فتشابهت التجارب، و كثر الاجترار، وقلت فرص الجِدة و الطرافة.
2. الاغتـــراب:
يرى بعض الدارسين أن قضية الاغتراب في شعرنا الحديث ليست إلا نوعا من التأثر بأحزان الشاعر الأوروبي الحديث(شعر ت.س.إليوت) ، إلا أن المجاطي ينظر إلى هذه القضية في شموليتها و كليتها، ذلك أن الشاعر العربي الحديث إذا كان قد تأثر بهذه الرؤية الوافدة ، فإنه قد استجاب لها لأن الواقع العربي يتوفر على مشيرات كافية تسمح له بذلك.
إن أبعاد قضية الاغتراب و الحزن في شعرنا العربي الحديث تدور كلها حول موقف الذات الواعية من الكون و من المجتمع و من نفسها . و هي في محاولتها التوازن تبحث عن كل وسيلة، تبحث عن الموت نفسه، كما تبحث عن الجنون، فإن عز منالها فإنها تبحث عن الحب، و لكن الحب نفسه يكون قد مات مع فقدان القدرة عليه، فلا يبقى إلا الضياع.
و الحق أن نزعة الاغتراب و الحزن في شعرنا الحديث قد أضافت إلى التجربة الشعرية بعامة آفاقا جديدة زادتها ثراءً و خصباً، كما أنها ولدت طاقات تعبيرية لها أصالتها و قيمتها .
3. اللغة في الشعر الوجداني:
يرى المجاطي أن سهولة اللغة تعتبر من خصائص الشكل في القصيدة الوجدانية الحديثة، و المقصود بالسهولة الاقتراب من لغة الحديث المألوف. و أن الشاعر الوجداني لم يكن يلجأ إليها للتعبير عن همومه اليومية الصغيرة فحسب، بل عبر بها عن تجارب أعمق و أشد تجريدا.
كانت بواعث الشعراء الوجدانيين في هذا السياق تتمثل في التحرر من الرؤية التقليدية في التعامل مع اللغة العربية بالتراث الشعري و النثري. فإذا كانت بواعث الإحياء موضوعية مرتبطة بالبحث عن مخرج من وهاد التخلف التي آل إليها الأدب العربي عموما في عصور الانحطاط، فإن بواعث الشعراء الوجدانيين ذاتية تهم اختيار أنسب الوسائل اللغوية للتعبير عن حقيقة الذات و جوهرها دون تكلف أو تقليد.
4. موضوعة الحياة و الموت :
اقتنع العديد من الشعراء العرب بأن موت الحضارة العربية ليس موتا نهائيا، بل هو المرحلة الضرورية التي تسبق البعث و الانبعاث، و هو فاتحة لعصر جديد. و قد وجدوا في الأساطير و الرموز الحضارية التي تعتبر أن الانبعاث يأتي بعد الموت ( أساطير: الفينيق أو عشتار أو الخضر...)، مجالا واسعا لتأكيد تصورهم ذاك، إلا أن تعامل شعراء الحداثة مع هذا الموضوع تم بطرق مختلفة : ( أدونيس: التحول عبر الموت )، ( خليل حاوي: معاناة الموت و الحياة )، ( السياب: الفداء في الموت )، ( البياتي: جدلية اليأس و الأمل).
5. الشعر الحديث رؤيا :
يقدم مضمون الشعر العربي الحديث رؤى استشرافية متراوحة بين الأمل واليأس حسب طبيعة الشعراء و خلفياتهم، و كيفية تفاعلهم مع الواقع . و قد دافع المجاطي عن رؤيا شعراء الحداثة و رفض تحميلهم جزءاً من أسباب النكبة.
و تبدو قضية الرؤيا مرتبطة بمدى تأثير القصيدة الحديثة على المتلقي العربي، هذا التأثير الذي كان ضعيفا لأن الصلة بين هذا الشعر و القارئ العربي لم تكن موصولة لدواعٍ سياسية و دينية و قومية.
6. الغموض في الشعر الحديث :
يرى المجاطي أن هذا الشعر ليس غامضا في ذاته، و أن مرد هذا الغموض المفترض إلى تجديد شكل القصيدة و التغيير في نظامها الإيقاعي و تطوير صورها و كذا توظيف الرموز و الأساطير و الانفتاح على الثقافة الإنسانية مع ما يتطلبه الأمر من وجود قارئ مؤهل و ملم بهذه المرجعيات، إضافة إلى عدم تواصل الجماهير مع هذا الشعر لأسباب دينية و سياسية و قومية. كل هذه الأسباب و غيرها أدى إلى الحكم علي هذا الشعر بالغموض.
7. الشعر الحديث و الثورة و الجماهير:
يعتقد المجاطي أن الثورية الموجودة في الشعر العربي الحديث كانت واحدة من العوامل التي دفعت الحاكمين إلى التخوف منه، و العمل على خلق فجوة بينه وبين الجماهير. يضاف إلى ذلك التخوف القومي و الديني الذي اعتبر أن هذا الشعر يعمل على تحطيم المرتكزات الأساسية للأمة، و التخوفات السياسية المرتبطة بالخوف من المضامين الثورية لهذا الشعر، المتماهية مع مفهوم الالتزام الذي ساعد في توجيه حركة الحداثة الشعرية في بداياتها، و جعلها تبحث عن التفاعل مع القضايا العامة، و تبحث عن مقومات تساعد على تطوير المكونات الفنية.
8. مقومات التطوير في القصيدة الحديثة:
ينطلق تصور الكاتب من أن التجديد ينبغي أن يكون كليا، و إلا فإنه ليس تجديداً. و لذلك نجده ينتصر للقصائد التي طورت المضامين و الأشكال و اللغة و الصور، على حساب تلك التي جددت المضامين و اللغة و أهملت الجوانب الأخرى.
لقد دافع المجاطي عن التطوير الشامل، لكنه ظل معتدلا في تناوله لبعض الجوانب مثل :
·اللغة الشعريــة: التي أكد أنها لا ينبغي أن تكون مماثلة للغة اليومية، لأن ذلك سيجعلها أكثر اقترابا من السطحية.
·موسيقى الشعر: رفض المجاطي اعتبار الشعر الحديث ظاهرة عروضية ، و أكد أن ما أصبح يتحكم في هذه الموسيقى هو الدفقة الشعورية التي توجه الجمل الشعرية و الأسطر الشعرية و الأبيات.
·الصور البيانية: عرفت تطورا مهما باعتمادها الرموز و الأساطير، و لم تعد مجرد صور جزئية متفرقة، بل غدت صورا مرتبطة بالقصيدة كلها ، وبشعر الشاعر ككل.
القراءة الهيكلية الجهاز المفاهيمي المعتمد في الكتاب
تـــقــديـــم:
تعتمد كل دراسة نقدية كل جهاز مفاهيمي يوظفه الكاتب في مقاربة موضوعه ، و هذا الجهاز يتميز بوجود شكل من أشكال التطابق و الانسجام بين الموضوع المدروس و الأدوات و الوسائل المنهجية المعتمدة.
و لأن الجهاز المفاهيمي في كتاب " ظاهرة الشعر الحديث" للأستاذ أحمد المجاطي ، جهاز متشعب ، يستحيل جرد كافة مفاهيمه، في مقاربة مثل هاته، فسنكتفي باستخراج المفاهيم المحورية و الأكثر إفادة في دراسة الكتاب، و التي يمكن أن نذكر منها:
1. الشكل الجديد:
يقصد به الكاتب الحالة الجديدة التي أصبحت عليها القصيدة العربية الحديثة إثر تغير مضامينها و محتوياتها، مما يثبت العلاقة الجدلية بين الشكل و المضمون في الإبداع الأدبي ، فكلما تحول مجال اهتمام المضامين، و تغيرت طبيعة القضايا الصادرة عنها، كلما تحول الشكل التعبيري و الصياغة الفنية و الجمالية التي تعرض من خلالها هذه المضامين. و تتمثل المكونات البنائية التي مسها التحول و التغيير في :
* لغة القصيدة. * صور القصيدة . * بناء القصيدة . * موسيقى القصيدة.
2. الغربة / الاغتراب:
يعتبر هذا المفهوم من أكثر المفاهيم تداولا في الكتابات التي تطرح مشاكل المجتمع الحديث. و رغم تعدد و تباين تعاريف هذا المفهوم، فإن هناك عناصر مشتركة بينها هي : الانسلاخ عن المجتمع/ العزلة أو الانعزال/ العجزعن التلاؤم / الإخفاق في التكيف مع الأوضاع السائدة/ اللامبالاة/ عدم الشعور بالانتماء/ عدم الشعور بمغزى الحياة .
إن الغربة التي أحس بها الشاعر الحديث ناتجة عن إحساسه بأنه يعيش وسط أبناء جنسه غريبا عنهم، إنه اغتراب عن مجتمع انعدمت فيه القيم . و الشاعر الحديث، إذ يشعر بالاغتراب عن منابع ذاته الحقيقية، يشعر في الوقت نفسه بالخيبة و الألم ، فينمو لديه شعور حاد برفض النظام الذي يسير عليه العالم، وبرفض نفاق العصر و مجتمع الحياد و اللامبالاة، مجتمع الأوهام و الحقائق المزيفة و العلم الميت. و من تم يجد الشاعر نفسه عاجزا عن توكيد ذاته في الديمومة أو التاريخ . إنه يتحرك في زمن جزئي متقطع يسحقه و يبعثره. لذلك فالشعر عنده يبقى خيمة مسكونة بالحسرات، و فضاءً مملوءاً بالتجاويف و صدإِ الغيثِ.
3. اللاشعور الجمعي:
و هو مفهوم صاغه كارل غوستاف يونغ، و يعني أن اللاشعور يستمد تجاربه من الموروث الإنساني العام ، و ليس من تجارب الفرد الشخصية فقط. و هذا ما جعل الحديث عن هذا المفهوم برتبط بالحديث عن الرموز التي كررها الإنسان في كل زمان و مكان، و شكلت النماذج الأصلية التي كثيرا ما توجه السلوكات و التمثلات البشرية شأنها في ذلك شأن الأساطير التي تشكل خلاصة التجربة البشرية عبر كل الأزمنة، لذلك لم يكن مستغربا أن يجد القارئ تشابها بين مضامين الكثير من الأساطير و الرموز.
4. لغة الشعر:
مصطلح يطلق على اللغة التي تمنح الإبداع ما يميزه عن الكلام اليومي و المتداول، فرغم أن المواد التي يعتمدها الشاعر هي نفسها التي يستعملها كل متكلم، إلا أن الوظائف التي تؤديها لغة القصيدة تختلف عن غيرها. ذلك أن المواد الصوتية و المعجمية و التركيبية و الدلالية توظف بطريقة تمنح للوظيفة الشعرية الأولوية على غيرها من الوظائف الأخرى، وذلك بخلقها أثرا جماليا يجعلها منزاحة عن اللغة اليومية أو اللغة العلمية أو غيرها من اللغات التي تبحث عن تواصل مباشر و شفاف.
5. الرؤيا:
يقصد بشعر الرؤيا ذلك النمط من الإبداع الشعري القائم على إنتاج نصوص بوعي مسبق يرفض محاكاة النماذج الشعرية السابقة، و يؤمن بأن الإبداع يقع خارج المتداول و المألوف، و أنه ليس تصويرا للواقع، بل هو كشف جديد لعلاقاته الضمنية و غير المباشرة، و أن الأشياء المادية و المحسوسة و المعيشة ليست سوى تفاصيل و جزئيات يتجاوزها شاعر الرؤيا بتشييده لرؤياه التي تغوص في أعماق الحقائق غير المرئية مستحضرة تجربة الذات في تفاعلها مع التجربة المجتمعية و الإنسانية و هو ما يفسر توظيفه للرموز و الأساطير
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)