المحور الأول: الحق بين الطبيعي والثقافي
الحق والعدالة
طرح الإشكال:
ما الذي يشرعن ويبرر إعلان الحرية أو المساواة أو غيرها حقا من حقوق الإنسان؟ أيرتبط ذلك بإرادة المشرعين والقوانين الوضعية أم لأنها حقوق محايثة للطبيعة الإنسانية؟ وبعبارة أخرى، يمكن تأسيس وتأصيل الحق خارج كل ثقافة وتشريع ومواضعة أم أن الحق يظل نسبيا بنسبية القوانين الوضعية التي تجسده على أرض الواقع؟
معالجة الإشكال:
1- بحثا عن مرجعية كونية مؤسسة للحق: فكرة الحق الطبيعي
أ- تمهيد: لماذا تأسيس الحق على ما هو طبيعي؟
لقد لوحظ على الدوام أن الحق المستمد مما هو ثقافي يسري عليه ما يسري على الثقافة من تنوع واختلاف باختلاف المجتمعات والحقب التاريخية، مما دفع باسكال أن يكتب ذات مرة ساخرا: "يا لبؤس العدالة التي يحدها نهر ! أفكار صائبة هنا، خاطئة وراء جبال البرانس" هنا بالضبط تكمن الأهمية النظرية لمقولة الحق الطبيعي التي تؤصل للحق في الطبيعة وفي الطبيعة الإنسانية خاصة، بشكل مستقل عن الثقافة وإرادة المشرعين، لأن الطبيعة مرجع كوني و سابق منطقيا وزمنيا على المجتمع والثقافة..
ب- معلومات إضافية: ثلاث نماذج لفلسفات الحق الطبيعي:
قدم هوبز واحدة من أهم صياغات نظرية الحق الطبيعي في كتابه التنين، حيث عرَّفه بأنه الحرية التي لكل إنسان في أن يتصرف كما يشاء في إمكاناته الخاصة للمحافظة على طبيعته وحياته الخاصة، وأن يفعل كل ما يرتئيه نظره وعقله ناجعا لذلك. وعليه فالحق الطبيعي أو حق الطبيعة هو الحق في الحياة والحق في المحافظة عليها والحرية المطلقة في حماية الوجود البيولوجي والدفاع عنه.
ونجد عند جون لوك التعبير الأكثر وضوحا عن الأساس المنهجي العام لنظريات الحق الطبيعي إذ يقول:" حالة الطبيعية هي حالة الحرية الكاملة للناس في تنظيم أفعالهم والتصرف بأشخاصهم وممتلكاتهم ... وهي أيضا حالة المساواة (...) إذ ليس هناك حقيقة أكثر بداهة من أن المخلوقات المنتمية إلى النوع والرتبة نفسها المتمتعة كلها بالمنافع نفسها التي تمنحها الطبيعة وباستخدام الملكات نفسها، يجب أيضا أن يتساوى بعضهم مع بعض"
أما روسو فيقول في كتابه "أصل التفاوت بين الناس": " إن التنازل عن الحياة أو الحرية وأيا كان الثمن هو إهانة للطبيعة والعقل، ولكن على افتراض إمكان التصرف الإنسان في حريته كما يتصرف في ماله، فإن الفرق يظل بينا جدا ... أن الحرية، إذ هي هبة من الطبيعة وقد وهبت لهم بصفة كونهم بشرا، ... وهكذا فمادام إنشاء العبودية يقتضي إكراه الطبيعة بالشدة والعنف، فقد وجب أيضا أن تغير الطبيعة لتأييد هذا الحق: والفقهاء الذين قضوا بكل وقار بأن ولد العبد يولد عبدا، كان معنى قضائهم هذا أن الإنسان لا يولد إنسانا"
ج- حقوق الإنسان الطبيعية أساس حقوقه المدنية:
تؤكد نظريات الحق الطبيعي على وجود حقوق أساسية محايثة لطبيعة الإنسان مثل الحياة والحرية والمساواة، بوصفها حقوقا سابقة على كل اجتماع أو مواضعة نسبية مشروطة ثقافيا أو تاريخيا، و لا يمكن تصور الإنسان كإنسان بدونها. ورغم ما نلاحظه من إختلاف بين منظري الحق الطبيعي في فهم الطبيعة الإنسانية وكذا حالة الطبيعة، إلا أنهم يتبعون نفس الإجراء المنهجي المتمثل في تجريد الإنسان من كل المحددات الثقافية والتاريخية من أجل استنباط حقوق محايثة لطبيعته؛ ثم إن هذا الإختلاف يتلاشى، لأن نظريات الحق الطبيعي تتحول في النهاية إلى نظرية للعقد الإجتماعي ذلك أن تأسيس الحق على ما هو طبيعي، لا يعني استبعاد الثقافة والاجتماع والتعاقد، فإذا كانت الطبيعة تعطي للحق مصدره ومشروعيته، فإن التعاقد هو الذي يضمن استمراريته. وواضح أن الإحالة على "الطبيعة" هنا لايعني سوى تأسيس الحق على مرجعية سابقة على كل مرجعية تاريخية: فالطبيعة سابقة على كل ثقافة وحضارة، على كل مجتمع ودولة، وبالتالي ، فهي مرجعية كلية مطلقة، ومن ثَمّ فالحقوق التي تتأسس عليها هي حقوق كلية مطلقة كذلك
2- الحق الوضعي: حق نسبي بنسبية مبادئه
رغم القوة النظرية والجاذبية التي تتمتع بها نظرية الحق الطبيعي، إلا أن البعض لا يرى في مرجعية الطبيعة سوى مفهوم إفتراضي يفتقد إلى الإجماع حول مضمونه: إذ يبدو أن البشر عرفوا على الدوام أشكالا من التنظيم مَهْما كانت بدائية بسيطة، مما يشكك في حالة الطبيعة المستخدمة كفرضية للإستنباط الحقوق الطبيعية؛ إضافة إلى صعوبة تحديد محتوى الطبيعة الإنسانية الذي تعرض في القرن العشرين للمراجعة سواء من طرف العلوم الإنسانية أو الفلسفة الوجودية. مما يجعل الإجماع حول مبادئ عقلانية كونية أمرا مستبعدا، لأن هذه المبادئ نفسها تتجاهل المحددات الثقافية النسبية. ألا ينبغي بالأحرى الحديث عن الحق في بعده النسبي الثقافي؟
تأسيسا على هذه الملاحظات، لاترى الوضعية القانونية في أطروحة الحق الطبيعي سوى إنشاءات ميتافيزيقية لاتحقق شروط العلمية كما تفهمها الإبستملوجيا الوضعية الملتزمة بأحكام الواقع (ماهو كائن) لابأحكام القيمة (ماينبغي أن يكون). وهكذا فالحق عند هانز كيلسن مثلا لايستمد قوته ومصدره إلا من القوانين التي تبلوره وتحتم العمل به، لأن القانون يقول الحق تبعا للإختيارات والأولويات بما يعكس خصوصية المجتمع وتطوره التاريخي وبما يترجم موازين القوى داخل البنية الإجتماعية وهي موازين ديناميكية متغيرة بتغير التشكيلات الإجتماعية. ومن وجهة نظر فقه القانون والدراسة العلمية، فلا وجود لحق أو عدالة خارج القانون الوضعي الذي يوفر قوة الإلزام الضرورية لتحويل الحق إلى واقع معيش مستعينا بالمؤسسات التنفيذية والقضائية.
معلومات إضافية (ملخص نص هانز كيلسن من كتابه نظرية خالصة في الحق):
تترتب عن هذه المقاربة نتيجتان: الأولى هي إستبعاد كل حديث عن الحق في بعده الأخلاقي المثالي المُعوِّل على الإلتزام الذاتي للفرد، والحرص على ألا يدعي النص القانوني صفة الإطلاقية بإشهاره للصفة الأخلاقية. فالقانون والأخلاق دائرتان منفصلتان. لأن القانون نسق تراتبي من القواعد التي تستمد قيمتها من هذا النسق لا من مرجعية متعالية مفارقة؛ تترتب عن ذلك عضويا نتيجة ثانية، وهي استحالة المفاضلة بين الأنظمة القانونية، لعدم وجود معيار أسمى يسمح بالمفاضلة: فقد يعتبر أحدهم النظام الليبرالي عادلا والشيوعي ظالما إعتمادا على معيار الحرية الفردية، في حين يغدو النظام الليبيرالي ظالما والشيوعي عادلا من منظور الأمان الإجتماعي ! ولكن مالسبيل للمفاضلة بين الحرية والأمان الإجتماعي؟ لاسبيل للمفاضلة حسب كيلسن إلا اعتمادا على معايير سيكلوجية ذاتية لاتحظى بأي إجماع، إذ يصعب الإجماع على معايير بديهية للعدل والكرامة والحق.
المصدر: الكتاب المدرسي لمادة الفلسفة-الشعبة الأدبية-طبعة 1996 ص 192
3- خلاصة نقدية: إذا كانت العدالة هي المثل الأعلى للحق، فإنها لا تختزل إلى القوانين الوضعية
من منظور الوضعية القانونية، يصبح الحق وضعيا متجذرا في الثقافة بمحدداتها الإجتماعية والإقتصادية والتاريخية، غير مطلق بل نسبي بنسبية هذه المحددات. ولكن إلى أي حد يمكن المضي في المطابقة بين الحق والقانون الوضعي، أي بين المشروع والقانوني؟ يرى ليو ستراوس أن رفض فكرة الحق الطبيعي يعني أن كل حق فهو وضعي من صنع المشرعين ومحاكم مختلف البلدان، لكن وجود قوانين وقرارات جائرة كقوانين المستعمر والطغاة، يلزم عنه وجود معيار للعدل والظلم يستقل عن الحق الوضعي ويسمح بتقييمه. وقديما أعلن شيشرون أنه ما لم يقم الحق على الطبيعة فإن جميع الفضائل ستتلاشى، لأننا لانملك قاعدة غير الطبيعة لتمييز حَسَنِ القوانين عن قبيحها.
يتبين مما سبق أن الحق قيمة مركبة شأنها شأن باقي القيم الأساسية التي تحكم الفاعلية البشرية: فهو طبيعي وثقافي، كوني ونسبي في نفس الوقت. طبيعي كوني لأنه يمس الماهية الإنسانية، ويخاطب الإنسان بما هو إنسان؛ وثقافي نسبي لأن بتحوله من فكرة ومبدأ إلى واقع معيش يتجذر في القيم والمؤسسات والتاريخ الخاص بهذا المجتمع أو ذاك.
المحور الثاني: العدالة كأساس للحق
أنظر الفقرة السابقة وكذا المحور الموالي
المحور الثالث: العدالة بين الحق والمساواةا
طرح الإشكال:
للعدالة عدة معان، يعرفها المعجم الفلسفي لجميل صليبا كالتالي:"المبدأ المثالي او الطبيعي او الوضعي الذي يحدد معنى الحق... وتنقسم إلى عدالة تبادلية قائمة على أساس المساواة؛ وعدالة توزيعية تتعلق بقسمة الأموال والكرامات بين الأفراد بحسب ما يستحقه كل واحد منهم" ونستخدمها هنا كمرادفة للحق، منظورا إليه من حيث تعلقه لا بالذات في فرديتها، بل في علاقتها بأقرانها داخل جماعة بشرية ما من حيث كونهم ذوات حقوقية متكافئة ومتماثلة. وبهذا المعنى ولذلك قيل بأن العدالة تهدف إلى خلق المساواة بين هذه الذوات، ولكن هل الجميع متساوون فعلا؟ إذا كانوا متساوين في الاعتبار القانوني فعل هم متساوون في المواهب والحهد المبذول؟ بعبارة أخرى هل يمكن للعدالة كمساواة أن تنصف جميع أفراده؟ وماذا نقصد بالإنصاف أولا؟
في الوقت الذي تهدف فيه المساواة إلى تحقيق التماثل والتكافؤ الرياضي بين الأفراد بغض النظر عن اختلافاتهم وتفاوتاتهم محاولة طمس هذه االتفاوتات أو تحييدها، فإن الإنصاف يهدف إلى إعطاء كل ذي حق حقه مراعيا بذلك مبدأ الاستحقاق، أي أنه يسعى إلى مكافأة التفاوتات من جهة ، أو الحد من الهوة التي قد تنتج عنها من جهة أخرى.
معالجة الإشكال:
1- العدالة كمساواة
إذا كانت أغلب الدساتير والإعلانات والنظم الأخلاقية المعاصرة تنص اليوم وبصراحة على المساواة الاعتبارية لجميع أفراد النوع الإنساني كحق طبيعي، فإن هذا الاعتراف الذي يبدو اليوم بديهيا، لم يكن كذلك في الماضي: إذ اعتبر المواطن أفضل من الأجنبي، والرجل أسمى من المرأة والأطفال، والسيد أرقى من العبد
ولذلك يقول الفيلسوف الفرنسي آلان Alain: "ما الحق؟ إنه المساواة (...) لقد ابتكر الحق ضد اللامساواة. والقوانين العادلة هي التي يكون الناس أمامها سواسية، نساءا كانوا أم رجالا أو أطفالا أو مرضى أو جهالا. أما أولئك الذين يقولون إن اللامساواة من طبيعة الأشياء، فهم يقولون قولا بئيسا"
وبعبارة أخرى، فجوهر العدالة يكمن في هذه الحالة في التماثل والمساواة بل في المساواة الرياضية A=B
ومن أمثلة ذلك: المساواة أمام القضاء، تكافؤ الحظوظ في نيل المناصب، الترشح والتصويت، المساواة بين الرجل والمرأة...
وليس من الغريب أن يستأثر مبدأ المساواة بجاذبية خاصة بحيث رفعته الكثير من الحركات النضالية كمطلب وأيديولوجيا تعبوية، ولكن المآل الفاشل لتجربة الأنظمة الاقتصادية الاشتراكية في إصرارها على تحقيق نوع من المساواة واللاطبقية، من خلال سياسة توحيد الأجور وتقزيم الملكية الخاصة لدرء الفورارق والتي أدت إلى إبطال حوافز الإنتاج والابتكار وإضعاف القدرة التنافسية... هذا الفشل يدعونا إلى التفكير مجددا في مدى ملاءمة المساواة كمثل أعلى للعدالة
2-العدالة كإنصاف
يتضح مما سبق أن فكرة المساواة تتضمن مبدءا عاما وبسيطا بساطة العلاقات الرياضية كما يرى إرنست بلوخ، ولكنها لا تنشغل بمدى قدرة الناس على الاستفادة الفعلية من مبدأ المساواة، وباحتمال أن ينتج عن تطبيق المساواة خلاف المقصود أي الظلم أو خراب النظام!
لذلك يرى جون راولز –بناءا على فرضية الوضعية الأصلية وحجاب الجهل – أن نظاما عادلا لابد يقوم على مبدأي المساواة واللامساواة معا: المساواة في الحقوق والواجبات الأساسية، واللامساوة الاجتماعية والاقتصادية، مثل اللامساواة في الثرورة والسلطة
بيد أن اللامساواة لا تكون عدلا وإنصافا إلا إذا استوفت شرطا وحققت غاية. فأما الشرط فهو استفادة الأقل حظا من ثمار هذه الثروة والسلطة، بواسطة مبدأ تكافؤ الفرص في لإمكانية جمع الثروة أو تبوأ المناصب كما يتجلى ذلك أيضا في دولة الرعاية من خلال تقديم خدمات ومساعدات اجتماعية للذين يعيشون الإقصاء على هامش نظام الرخاء لهذا السبب أو ذاك. وأما الغاية، فهي ضمان التعاون الإرادي والعمل المشترك من أجل الرخاء، ضمن ما يسميه راولز بالنظام المنصف للتعاون الاجتماعي.
نقول إذن أن الإنصاف – بخلاف المساواة- يهدف إلى مراعاة الفروق والتفاوتات وعدم طمسها أو تجاهلها إما بهدف مكافأة المجدين والمستحقين وتشجيع المنافسة، أو مساعدة الأقل حظا ونصيبا. وقد سبق لأرسطو في كتاب "الأخلاق إلى نيقوماخوس"، أن ذهب إلى "أن العدالة مساواة، ولكن فقط بين المتكافئين؛ واللامساواة عدالة ولكن بين غير المتكافئين". ولكن ما مصدر عدم تكافئهما؟ أن الاستحقاق والتميز قد يدين بالفضل للانتماء الاجتماعي والرأسمال الرمزي أو المادي الذي يجد بعض المحظوظين أنفسهم مزودين به دون غيرهم وهم يخوضون غمار المنافسة مع الأنداد.
يختلف الإنصاف عن المساواة على مستوى آخر كما يختلف العام عن الخاص. يقول أرسطو: "تتجلى الطبيعة الخاصة للإنصاف في تصحيح القوانين كلما بدت هذه الأخيرة غير كافية بسبب عموميتها" ويدخل في هذا الإنصاف ما يسمى مثلا بــ "الاجتهاد القضائي" الذي يترك للقاضي في بعض الأحيان فرصة تكييف القوانين وفق ظروف النازلة ومستجدات العصر أو إعمال مبدأ الإنصاف عند سكوت النص القانوني؛ كما يدخل في باب الإنصاف أيضا "الميز الإيجابي" مثل تخصيص نسب مئوية من مقاعد المجالس النيابية للنساء، لأن تطبيق المساواة أظهر أن النساء ولأسباب سوسيوثقافية وتاريخية لا يستطعن أن يحرزن على أكثر من عشر المقاعد رغم أنهن يشكلن عدديا نصف المجتمع !
إذا كان الإنصاف فضيلة للمؤسسات لتجاوز عيوب المساواة، فإن الإحسان Charité هو تلك الفضيلة المطلوبة من الفرد عندما لاتفلح إجراءات المساواة والانصاف معا
الاثنين، 17 مايو 2010
الواجب
الواجب
نتوقف في البداية عند تعريف الواجب، ليس لأن تعريف الواجب مدخل إلى الدرس، فالدرس بأكمله بمثابة تعريف للواجب في تعالقه مع مفاهيم أخرى، ولكن لأن من مقتضيات دراسة قضية ما امتلاك تصور أولي حول دلالة المفردة المعبرة عن القضية...
يعرفه جميل صليبا في معجمه الفلسفي (ج2 ص 541-542)كالتالي: " الواجب ما تقتضي ذاته وجوده اقتضاءا تاما" بيد أن هذا تعريف عام يشمل المنطق والأنطلوجيا معا، أما التعريف الخاص الأقرب إلى مجزوءة الأخلاق فهو: " الواجب بوجه عام هو الإلزام الأخلاقي الذي يؤدي تركه إلى مفسدة... والواجب بوجه خاص قاعدة عملية معينة، أو إلزام محدد يتعلق بموقف إنساني معين كواجب الموظف في أداء عمله"
ونضيف مع إيريك فايل بأن الواجب يشكل المقولة الأساسية والوحيدة للأخلاق
المحور الأول: الواجب والإكراه
طرح الإشكال:
الواجبات كثيرة: أسرية، دينية، عرفية، وطنية، مهنية... وما إن يذكر الواجب، أو يتم تذكيرنا به وهذا هو الغالب، حتى يتبادر إلى ذهننا الإلزام والإكراه. وفي اللغة: وجب الشيء إذا ثبت ولزم؛ والواجب هو ما يقابل الجائز والممكن. وحيث أن الذات خاضعة لدوافع شتى، فإن ضرورة الواجب تنقلب إكراها وينقلب تصورها إلى أمر نسميه بالأمر الأخلاقي. بيد أن الواجب، من جهة أخرى، لا يُتصور دون حرية: فحرية الفاعل الأخلاقي هي التي نرتب عليها واجباتها، ولامعنى للواجب بالنسبة لحجر ساقط خاضع لقوانين حتمية و حيوان أعجم تقوده الغريزة!!
الإكراه إذن خاصية محايثة للواجب والحرية شرطه! فكيف نجمع بينهما؟ وإذا كان الواجب إكراها، والواجبات كثيرة، ألن يجعل ذلك من حياتنا جحيما لا يطاق ومعاناة للإكراه المستمر؟ وحيث أن الواجب يشكل المقولة الأساسية والوحيدة للأخلاق، فأي قيمة لهذه الأخلاقية التي ترزح تحت الإكراه وتتعارض مع أخص خصائص الإنسان أي الحرية؟ وبعبارة أخرى: هل المصالحة بين الواجب والحرية ممكنة؟
معالجة الإشكال:
ملاحظة: يتفق أغلب الفلاسفة على أن الواجب (الأخلاقي) لا يخلو من إكراه، فهو ليس فعلا تلقائيا عفويا، ليس غريزة أو رد فعل! وتنحصر المشكلة عندها في إعادة التوفيق بين الواجب والحرية
1-الحل الكانطي: الواجب إكراه يحقق استقلالية الإرادة
يقر كانط بأن "الضرورة الأخلاقية هي إكراه أي إلزام وكل فعل مؤسس عليها، يجب أن نتمثله بوصفه واجبا، وليس مجرد طريقة للفعل نرغب فيها الآن أو قد نرغب فيها مستقبلا"
فالواجب إذن إكراه بل قهر يمارسه العقل العملي على الميولات، لكنه إكراه حر لأنه يخلص الإرادة من ضغط وإلحاح هذه الميول ،فلا تخضع إلا لنفسها أو للواجب من حيث هو واجب. فتغدو بذلك إرادة طيبة حقا.
يرى كانط أن الإنسان حينما يخضع للقوانين التي يمليها الواجب الصادر عن العقل، فإنه حر مادام لا يخضع سوى لتشريعه الخاص، فهو يمنح نفسه قانونها في حين تتلقى الموجودات المادية قانونها من خارج على شكل حتمية طبيعية. لذلك تنص إحدى الأوامر المطلقة الكانطية على وجوب التصرف كما لو كنت مشرع القانون؛ ولما كان هذا الأمر كونيا، فإن الفرد يشارك بذلك في مملكة الإرادة بوصفها مملكة للحرية. هذه الإرادة التي تتميز بالاستقلال الذاتي، لأنها تشرع لنفسها في استقلال عن أية شروط أو غايات خارجية،
ولفهم الشرط الأخير لابد أن نميز – مع كانط - بين نوعين من الأوامر الأخلاقية؛ أوامر أخلاقية شرطية يتوقف أداؤها على النتائج التي المتوقعة منها كاللذة أو السعادة أو تقدير الآخرين.. أو أية منفعة أخرى، فتكون الواجبات في هذه الحالة مجرد وسائل لتحقيق غايات معينة؛ كأن نقول الصدق من أجل أن نكسب ثقة الناس؛ والنوع الثاني هو الأوامر الأخلاقية القطعية أو المطلقة، وهي تلك التي تنظر إلى الأفعال في ذاتها لا من حيث النتائج المترتبة عنها: كأن نقول الصدق دائما احتراما للواجب نفسه.
إذن فالقيام بالواجب من حيث هو واجب هو عين الحرية لأنه يخلص الإرادة من ضغط الميولات الحسية ولا يرهن غاياتها ودوافعها بالنتائج المترتبة عن الفعل الأخلاقي. ولكن هل تتوجه الأخلاق والواجبات الكانطية إلى الإنسان الواقعي، أم إلى صورة مجردة ومثالية للإنسان !؟
2- دوركايم: الواجب اكراه خارجي لكنه يتحول إلى موضوع رغبة
يتفق دوركايم مع كانط بأن الواجب يحمل قدرا من الإلزام والإكراه، لكنه لا يقتنع بالحل الكانطي لمشكلة الإكراه والمتمثل في تحويل الواجب إلى أمر مطلق وغير مشروط، بحيث نقوم بالواجب امتثالا للواجب، ذلك أنه من المستحيل حسب دوركايم السعي نحو هدف نكون فاترين تجاهه ولا يحرك حساسيتنا، وهكذا يجب أن نقبل بقسط من أخلاق اللذة لنفسر كيف أننا نشعر بنوع من الرضي والإغراء أثناء قيامنا بواجبات تحددت خارجنا وقبلنا.
وبعبارة أخرى، ففي الوقت الذي يعترف فيه دوركايم أن الوقائع الاجتماعية ومن أهمها الواجبات تتميز بالخارجية والقسر، لا يفوته أن يلاحظ أن الفاعل الاجتماعي لا يعي هذا الإكراه أو القسر المسلط عليها لأن الواجبات تحولت إلى موضوع رغبة، وعلى سبيل المثال، فالمقبل على الزواج مطالب بتنظيم طقوس الزواج والزفاف بطريقة معينة مفروضة ، ولكن الفاعل يتماهى مع الدور بحيث يصبح في امتثاله شيء من الرضي و اللذة والمتعة ونفس الشيء يمكن أن نقوله عن انتعال الحذاء الذي كان بالنسبة للطفل الصغير واجبا ثقيلا، فتحول لاحقا إلى موضوع رغبة واستمتاع، بل انضافت إلى قيمته الاستعمالية قيمة جمالية! أو ذاك الذي يهب في زمن الحرب بكل حمية وحماس للتطوع في الجيش امتثالا لواجب الوطنية... وغيرها من الأمثلة التي تظهر امتزاج الواجب بالرغبة وتطابقه أحيانا مع العواطف الشخصية، ولذلك يقول دوركايم في كتابه قواعد المنهج السوسيولوجي: "إنني حين أؤدي واجب كأخ أو زوج او مواطن ... أقوم بأداء واجبات خارجية حددها العرف والقانون وعلى الرغم من أن هذه الواجبات لا تتعارض مع عواطفي الشخصية (...) إن هذه الضروب من السلوك والتفكير لا توجد خارج شعور الفرد بل تمتاز أيضا بقوة آمرة قاهرة هي السبب في أنها تفرض نفسها على الفرد شاء أم أبى. حقا إني لا أشعر بهذا القهر حين أستسلم له بمحض إرادتي"
ينتج عن ذلك صفتان للواجب الأخلاقي: الصفة الأولى هي الإلزام لكن الصفة الثانية الملازمة له هي كونه موضع رغبة
خلاصة:
: إن الواجب الناتج عن الأمر الأخلاقي الكانطي المطلق ليس إذن إلا مظهرا مجردا من مظاهر الواقع الأخلاقي يغفل المظهر الملموس لهذا الواقع الذي ينكشف بالتحليل السوسيولوجي، لا مجرد التأمل العقلي. وبذلك فموقف دوركايم يختلف عن موقف كانط اختلاف المقاربة السوسيولوجية المنصتة إلى دروس الوقائع عن المقاربة الفلسفية المتسمة غالبا بنظرة تجريدية تقتضيها شمولية المنظور الفلسفي
المحور الثاني: الوعي أو الحس الأخلاقي
طرح الإشكال:
يمكن للأخلاق أن "تتموضع" في الخارج، فتكون موضع خطب ووعظ، كما يمكن تدوينها بالحبر على الأوراق أو بالنقش على الحجر، لكنها توجد قبل هذا وذاك على شكل وعي تمتلكه الذات به تميز بين الخير والشر وتضفي صبغة أخلاقية على أفعالها أو أفعال غيرها. ويبدو هذا الوعي الأخلاقي حسا داخليا عميقا على شكل ضمير أخلاقي أو صوت منطلق من أعماق النفس، يأمر وينهى، يؤنب و ويرضى.. هل يعني ذلك أن الحس الأخلاقي غريزة منقوشة في جبلة الإنسان ومن ثمة خالدة ولازمنية، ام أنه ظاهرة إنسانية كباقي الظواهر لها نشأة وتاريخ؟ وبعبارة مختصرة: ما مصدر الحس الأخلاقي؟
معالجة الإشكال:
1-الحس الأخلاقي فطري مطبوع في الجبلة-روسو
في إطار فلسفة الأنوار ونزعتها الإنسية الرامية إلى جعل الإنسان الفرد مرجعا لكل القيم بما فيها القيم الأخلاقية، يندرج التصور الروسوي الذي يرجع الحس الأخلاقي إلى مبادئ فطرية خالدة مطبوعة في الجبلة. وقد عبر كانط عن فطرية الوعي الأخلاقي في قولته الشهيرة التي استلهم فيها روسو: "شيئان يملآن القلب إعجابا متجددا متزايدا: السماء المرصعة بالنجوم فوقي والقانون الأخلاقي بداخلي"
يقول روسو إذن بوجود مبدأ فطري للعدالة والفضيلة في أعماق النفس البشرية، تقوم عليه رغم مبادئنا الشخصية أحكامنا التي نصدرها على أفعالنا وأفعال الغير فنصفها بالخيرة أو الشريرة.
لا ينكر روسو بأن الأحكام الأخلاقية مكتسبة وخارجية المصدر، لكن الإحساس الذي بموجبه نقدر ونقوم هذه الأفكار يظل فطريا، ثم إن هذا الوعي الأخلاقي أحاسيس وجدانية وليس أحكاما عقلية، إذ لو انتظرت الأخلاق نشوء التفكير العقلي لهلكت البشرية!! ويتصل هذا الإحساس بغريزتين أو عاطفتين أصيلتين هما حب الذات التي يحفظ الفرد بقاءه؛ ثم الشفقة التي تتجه إلى حفظ النوع إذ تمنع المرء من إلحاق الأذى بالغير مجانا أو رؤية الكائنات الحاسة تتألم. وقد ظلت هاتان الغريزتان مرشدتا الإنسان الوحيدتين طيلة حالة الطبيعة استغنى بهما عن القوانين و الأخلاق والفضيلة.
إن الوعي أو الحس الأخلاقي ليس فطريا فحسب، بل خالد وأزلي وصائب على الدوام، ولذلك يخاطبه روسو قائلا: " أيها الوعي ! أنت أيتها الغريزة الإلهية الخالدة، والمرشدة المضمونة لإنسان جاهل ومحدود النظر، أيتها الغريزة المعصومة في تمييزها بين الخير والشر"
ومن المنطقي أن يخلص روسو إلى فطرية الضمير الأخلاقي مادام ينظر إلى الإنسان ككائن طيب بالطبيعة شرير بالاجتماع الذي أفقده براءته و طيبوبته الأصليتين. ولكن ألا يسقط هذا التصور في اللاتاريخية من خلال تجاهله لنسبية الوعي الأخلاقي وللظروف التاريخية والعوامل الاجتماعية التي تقف وراء نشأة هذا الوعي؟ وهي العوامل التي تشدد عليها كل من المقاربتين الفرويدية والماركسية للوعي الأخلاقي.
2- نشوء الحس الأخلاقي وتاريخيته:
من الصعب القبول بفطرية الضمير الأخلاقي انطلاقا من التحليل الفرويدي، لأن الفطري هو "الهو" الذي يمثل الشكل الأصلي للجهاز النفسي كما يظهر عند الميلاد، وهو المادة الأولية للتمييزات اللاحقة. وهذا الهو يخضع فقط لمبدأ اللذة ويجهل تماما مبدأ الواجب الذي هو عنوان الضمير الأخلاقي. لذلك لا يمكننا الحديث عن ضمير أخلاقي قبل ظهور الأنا الأعلى التي ينتج عن اصطدام الأنا بالقيم والضوابط الأخلاقية للمحيط الاجتماعي.
وبنمو الوعي الأخلاقي يظهر الإحساس بالذنب وأشكال التوتر والقلق الذي تتولد في النفس نتيجة التعارض القائم بين متطلبات الأنا الأعلى وميولات الأنا المدفوع بالهو. كما أن الأشكال المرضية الدالة على قسوة الأنا الأعلى وسلطته كالسوداء والمازوشية والوسواس... هي أيضا مؤشرات على ضمير أخلاقي لكنه ضمير متضخم.
إذا كان فرويد يقدم مقاربة لنشوء الضمير الأخلاقي الفردي كانعكاس للوعي الأخلاقي للمجتمع، فإن الماركسية تفسر كيف ينشأ هذا الوعي على مستوى المجتمع نفسه. وبما أنه جزء من البنية الفوقية، فإنه لن يكون غير انعكاس للبنية التحتية أي لمستوى معين من تطور قوى الإنتاج، لذلك تحمل الأنظمة الأخلاقية بدون شك مدلولا طبقيا فتصبح جزءا من الأيديلوجية وظيفتها تبرير الهيمنة وتزييف الوعي الاجتماعي.
لكل مرحلة من مراحل التطور الاقتصادي نظريات أخلاقية مطابقة لها. وعلى سبيل المثال، فانطلاقا من اللحظة التي تطورت فيها الملكية الفردية للأشياء المنقولة صار لزاما على المجتمعات أن تعرف الأمر الأخلاقي القائل: " لا تسرق" ولكن لا معنى لهذا الأمر في مجتمع تغيب عنه الملكية الخاصة كما في المشاعية البدائية ! كما يقول انجلز؛ كما أن أمرا باحترام الملكية الفكرية للأعمال الفنية لا معنى له إلا عندما تتحول الأعمال الفنية إلى سلع خاضعة لقوانين الإنتاج والتسويق.
على هذا الأساس يرفض انجلز كل رأي مزعوم يحاول فرض نظام أخلاقي دوغمائي كيفما كان باعتباره قانونا خالدا ، ثابتا ونهائيا يعلو على التاريخ.
المحور الثالث: الواجب والمجتمع
طرح الإشكال:
مادام المجتمع هو منبع الواجبات ومصدر القوة التي تصاحبها، فهل ينتج عن ذلك أن واجباتنا مقتصرة على أبناء مجتمعنا أو جماعتنا التي لقنتنا لائحة واجباتنا، و أن الواجبات نسبية ومحلية، أم أن الواجبات كونية و أننا ملزمون بواجبات تجاه الإنسانية جمعاء الحاضرة والمقبلة أي تجاه الأجيال القادمة بدورها ؟ ألا تتعارض واجباتنا والتزاماتنا تجاه جماعتنا ومجتمعنا مع واجباتنا والتزاماتنا تجاه الإنسانية
معالجة الإشكال:
1- الواجب صوت المجتمع
إذا كان الإنسانية قد مالت إلى تفسير القوة الآمرة الرهيبة لصوت الواجب الذي يتردد مجلجلا بداخل الفرد تفسيرا أسطوريا يربطه بكائنات علوية، فإن صوت الواجب والضمير عند دوركايم ليس شيئا آخر غير صوت المجتمع الذي هو كائن معنوي يتجاوز الأفراد ويؤثر فيهم ويحيى داخل ذواتهم، ويمارس عليهم نوعا من القهر والإكراه الخفي. إن المجتمع بهذا المعنى ، هو جزء لا يتجزأ من الذوات الفردية التي لا تستطيع أبدا الانفصال عنه؛ فهو الذي بث فيها تلك المشاعر والمعايير التي تمنح بالضرورة لقواعد السلوك الفردي صفة الإكراه المميزة للإلزام الأخلاقي كما تحدد لها واجباتها الأخلاقية، أي ما ينبغي عليها فعله وما يجب تجنبه. لكن إذا كان الواجب يرتبط بالمجتمع و بإكراهاته، فإنه بذلك يسقط في الانغلاق والنسبية؛ مادام أن لكل مجتمع خصوصيته الثقافية والحضارية التي تميزه عن باقي المجتمعات. كما أن الواجب في هذه الحالة من شأنه أن يؤدي نوع من الصدام الحضاري، والصراع الفكري والأخلاقي بين الأمم والشعوب. وهذا صحيح إلى حد ما، فالأمر الأخلاقي "لا تقتل!" غالبا ما يفقد صلاحيته إذا تعلق الأمر بفرد من خارج الجماعة التي لقنت للفرد هذا الأمر. وهناك ثقافات تجيز صراحة لأفرادها قتل أو استعباد أو التنكيل بمن لا ينتمون إلى الجماعة! ولذلك يقول داروين: "تعد الأفعال لدى المتوحشين وربما كذلك لدى الإنسان البدائي خيرة أو شريرة فقط إذا كانت تؤثر بوضوح في حسن حال القبيلة -وليس النوع البشري أو العضو الفرد في القبيلة. تتفق هذه النتيجة مع اعتقاد فحواه أن الحس الخلقي في منبته مشتق من الغرائز الاجتماعية، لأن كليهما يرتبط أولا وحصريا بالمجتمع". وبالمثل فإن شعور المرء بالشفقة وبوجوب الإحسان للفقير يختلف حسبما إذا كان هذا الأخير من ذوي القربى أو من نفس المجتمع أو فردا في مجتمع مخالف لي في الملة أو العرق او اللغة. ولكن، وفي ظل مناخ العولمة الاقتصادية والثقافية وتحول الكوكب إلى قرية صغيرة بفضل ثورة وسائل الاتصال، وتوحد مصائر البشرية والكوكب... ألم يعد ملحا التشديد على الطابع الكوني للواجبات الأخلاقية وإخراجها من انغلاقها لتنفتح على القيم والواجبات الإنسانية حفظا لمصالح البشرية؟
2- واجباتنا نحو الإنسانية والكوكب والأجيال القادم
كيف يمكن أن نرتقي بالأخلاق إلى مستوى الكونية ونخرجها من انغلاقها لتنفتح على القيم والواجبات الإنسانية؟ لا يكاد هذا السؤال يطرح بالنسبة لأخلاق على الطراز الكانطي، فالواجبات بالتعريف كونية تتخذ الإنسانية موضوعا لها في شخص كل فرد على حدة. ولكن المطلب الكانطي يشكل في الحقيقة تحديا كبيرا لمفهوم الواجب نفسه، فهذا الأخير يحمل آثار أصله – أي المجتمع – ويتقوقع بالضرورة داخل حدوده. وإذا كان المجتمع وبعد جهد جهيد قد استطاع أن ينتزع من الفرد سلوكا غيريا نحو أبناء الجماعة كما يقول فرويد، فكيف له أن يطمع في مطالبته بسلوك غيري يشمل الإنسانية جمعاء !؟
ومع ذلك، يبدو أن كونية الواجبات لم تعد مجرد مطلب نظري في الفلسفة الأخلاقية، بل غدت ضرورة حيوية ملحة تشغل غير الفلاسفة بدورهم: فالتهديدات البيئية والاجتماعية والسياسية أصبحت تتجاوز حدود دولة أو مجتمع أو جيل، مما دفع جون راولز مثلا إلى أن يفرد لواجباتنا تجاه الأجيال القادمة حيزا داخل نظريته حول العدالة. يقول راولز: " من البديهي أنه إذا كان على الأجيال القادمة أن تستفيد، فإن على الشركاء أن يتفقوا على مبدأ توفير يضمن لكل جيل أن يتلقى ما يستحق من سابقيه، كما أن عليه أن يلبي بطريقة منصفة متطلبات لاحقيه. ومن أجل تحقيق توفير عادل، يتعين على الشركاء أن يتساءلوا عن الكمية التي يقبلون بتوفيرها في كل مرحلة من مراحل النمو [لمصلحة الأجيال القادمة]"
هناك إذن واجب على أفراد الجيل الحالي يقتضي التوفير أي عدم الإسراف و استنزاف كل الموارد المتاحة جريا وراء مستويات من الرفاهية لا تعرف الحدود لأن من شأن ذلك أن يغامر بمستقبل الأجيال القادمة.
ثم إن الواجبات تجاه الإنسانية لا تقتصر على المحافظة على البيئة الطبيعية الكوكب التي هي ملك مشترك لسكانه ولأجياله، بل المحافظة أيضا على تراثه، وهذا ما تجلى في تعيين مواقع أثرية أو طبيعية كتراث إنساني من طرف اليونسكو.
نتوقف في البداية عند تعريف الواجب، ليس لأن تعريف الواجب مدخل إلى الدرس، فالدرس بأكمله بمثابة تعريف للواجب في تعالقه مع مفاهيم أخرى، ولكن لأن من مقتضيات دراسة قضية ما امتلاك تصور أولي حول دلالة المفردة المعبرة عن القضية...
يعرفه جميل صليبا في معجمه الفلسفي (ج2 ص 541-542)كالتالي: " الواجب ما تقتضي ذاته وجوده اقتضاءا تاما" بيد أن هذا تعريف عام يشمل المنطق والأنطلوجيا معا، أما التعريف الخاص الأقرب إلى مجزوءة الأخلاق فهو: " الواجب بوجه عام هو الإلزام الأخلاقي الذي يؤدي تركه إلى مفسدة... والواجب بوجه خاص قاعدة عملية معينة، أو إلزام محدد يتعلق بموقف إنساني معين كواجب الموظف في أداء عمله"
ونضيف مع إيريك فايل بأن الواجب يشكل المقولة الأساسية والوحيدة للأخلاق
المحور الأول: الواجب والإكراه
طرح الإشكال:
الواجبات كثيرة: أسرية، دينية، عرفية، وطنية، مهنية... وما إن يذكر الواجب، أو يتم تذكيرنا به وهذا هو الغالب، حتى يتبادر إلى ذهننا الإلزام والإكراه. وفي اللغة: وجب الشيء إذا ثبت ولزم؛ والواجب هو ما يقابل الجائز والممكن. وحيث أن الذات خاضعة لدوافع شتى، فإن ضرورة الواجب تنقلب إكراها وينقلب تصورها إلى أمر نسميه بالأمر الأخلاقي. بيد أن الواجب، من جهة أخرى، لا يُتصور دون حرية: فحرية الفاعل الأخلاقي هي التي نرتب عليها واجباتها، ولامعنى للواجب بالنسبة لحجر ساقط خاضع لقوانين حتمية و حيوان أعجم تقوده الغريزة!!
الإكراه إذن خاصية محايثة للواجب والحرية شرطه! فكيف نجمع بينهما؟ وإذا كان الواجب إكراها، والواجبات كثيرة، ألن يجعل ذلك من حياتنا جحيما لا يطاق ومعاناة للإكراه المستمر؟ وحيث أن الواجب يشكل المقولة الأساسية والوحيدة للأخلاق، فأي قيمة لهذه الأخلاقية التي ترزح تحت الإكراه وتتعارض مع أخص خصائص الإنسان أي الحرية؟ وبعبارة أخرى: هل المصالحة بين الواجب والحرية ممكنة؟
معالجة الإشكال:
ملاحظة: يتفق أغلب الفلاسفة على أن الواجب (الأخلاقي) لا يخلو من إكراه، فهو ليس فعلا تلقائيا عفويا، ليس غريزة أو رد فعل! وتنحصر المشكلة عندها في إعادة التوفيق بين الواجب والحرية
1-الحل الكانطي: الواجب إكراه يحقق استقلالية الإرادة
يقر كانط بأن "الضرورة الأخلاقية هي إكراه أي إلزام وكل فعل مؤسس عليها، يجب أن نتمثله بوصفه واجبا، وليس مجرد طريقة للفعل نرغب فيها الآن أو قد نرغب فيها مستقبلا"
فالواجب إذن إكراه بل قهر يمارسه العقل العملي على الميولات، لكنه إكراه حر لأنه يخلص الإرادة من ضغط وإلحاح هذه الميول ،فلا تخضع إلا لنفسها أو للواجب من حيث هو واجب. فتغدو بذلك إرادة طيبة حقا.
يرى كانط أن الإنسان حينما يخضع للقوانين التي يمليها الواجب الصادر عن العقل، فإنه حر مادام لا يخضع سوى لتشريعه الخاص، فهو يمنح نفسه قانونها في حين تتلقى الموجودات المادية قانونها من خارج على شكل حتمية طبيعية. لذلك تنص إحدى الأوامر المطلقة الكانطية على وجوب التصرف كما لو كنت مشرع القانون؛ ولما كان هذا الأمر كونيا، فإن الفرد يشارك بذلك في مملكة الإرادة بوصفها مملكة للحرية. هذه الإرادة التي تتميز بالاستقلال الذاتي، لأنها تشرع لنفسها في استقلال عن أية شروط أو غايات خارجية،
ولفهم الشرط الأخير لابد أن نميز – مع كانط - بين نوعين من الأوامر الأخلاقية؛ أوامر أخلاقية شرطية يتوقف أداؤها على النتائج التي المتوقعة منها كاللذة أو السعادة أو تقدير الآخرين.. أو أية منفعة أخرى، فتكون الواجبات في هذه الحالة مجرد وسائل لتحقيق غايات معينة؛ كأن نقول الصدق من أجل أن نكسب ثقة الناس؛ والنوع الثاني هو الأوامر الأخلاقية القطعية أو المطلقة، وهي تلك التي تنظر إلى الأفعال في ذاتها لا من حيث النتائج المترتبة عنها: كأن نقول الصدق دائما احتراما للواجب نفسه.
إذن فالقيام بالواجب من حيث هو واجب هو عين الحرية لأنه يخلص الإرادة من ضغط الميولات الحسية ولا يرهن غاياتها ودوافعها بالنتائج المترتبة عن الفعل الأخلاقي. ولكن هل تتوجه الأخلاق والواجبات الكانطية إلى الإنسان الواقعي، أم إلى صورة مجردة ومثالية للإنسان !؟
2- دوركايم: الواجب اكراه خارجي لكنه يتحول إلى موضوع رغبة
يتفق دوركايم مع كانط بأن الواجب يحمل قدرا من الإلزام والإكراه، لكنه لا يقتنع بالحل الكانطي لمشكلة الإكراه والمتمثل في تحويل الواجب إلى أمر مطلق وغير مشروط، بحيث نقوم بالواجب امتثالا للواجب، ذلك أنه من المستحيل حسب دوركايم السعي نحو هدف نكون فاترين تجاهه ولا يحرك حساسيتنا، وهكذا يجب أن نقبل بقسط من أخلاق اللذة لنفسر كيف أننا نشعر بنوع من الرضي والإغراء أثناء قيامنا بواجبات تحددت خارجنا وقبلنا.
وبعبارة أخرى، ففي الوقت الذي يعترف فيه دوركايم أن الوقائع الاجتماعية ومن أهمها الواجبات تتميز بالخارجية والقسر، لا يفوته أن يلاحظ أن الفاعل الاجتماعي لا يعي هذا الإكراه أو القسر المسلط عليها لأن الواجبات تحولت إلى موضوع رغبة، وعلى سبيل المثال، فالمقبل على الزواج مطالب بتنظيم طقوس الزواج والزفاف بطريقة معينة مفروضة ، ولكن الفاعل يتماهى مع الدور بحيث يصبح في امتثاله شيء من الرضي و اللذة والمتعة ونفس الشيء يمكن أن نقوله عن انتعال الحذاء الذي كان بالنسبة للطفل الصغير واجبا ثقيلا، فتحول لاحقا إلى موضوع رغبة واستمتاع، بل انضافت إلى قيمته الاستعمالية قيمة جمالية! أو ذاك الذي يهب في زمن الحرب بكل حمية وحماس للتطوع في الجيش امتثالا لواجب الوطنية... وغيرها من الأمثلة التي تظهر امتزاج الواجب بالرغبة وتطابقه أحيانا مع العواطف الشخصية، ولذلك يقول دوركايم في كتابه قواعد المنهج السوسيولوجي: "إنني حين أؤدي واجب كأخ أو زوج او مواطن ... أقوم بأداء واجبات خارجية حددها العرف والقانون وعلى الرغم من أن هذه الواجبات لا تتعارض مع عواطفي الشخصية (...) إن هذه الضروب من السلوك والتفكير لا توجد خارج شعور الفرد بل تمتاز أيضا بقوة آمرة قاهرة هي السبب في أنها تفرض نفسها على الفرد شاء أم أبى. حقا إني لا أشعر بهذا القهر حين أستسلم له بمحض إرادتي"
ينتج عن ذلك صفتان للواجب الأخلاقي: الصفة الأولى هي الإلزام لكن الصفة الثانية الملازمة له هي كونه موضع رغبة
خلاصة:
: إن الواجب الناتج عن الأمر الأخلاقي الكانطي المطلق ليس إذن إلا مظهرا مجردا من مظاهر الواقع الأخلاقي يغفل المظهر الملموس لهذا الواقع الذي ينكشف بالتحليل السوسيولوجي، لا مجرد التأمل العقلي. وبذلك فموقف دوركايم يختلف عن موقف كانط اختلاف المقاربة السوسيولوجية المنصتة إلى دروس الوقائع عن المقاربة الفلسفية المتسمة غالبا بنظرة تجريدية تقتضيها شمولية المنظور الفلسفي
المحور الثاني: الوعي أو الحس الأخلاقي
طرح الإشكال:
يمكن للأخلاق أن "تتموضع" في الخارج، فتكون موضع خطب ووعظ، كما يمكن تدوينها بالحبر على الأوراق أو بالنقش على الحجر، لكنها توجد قبل هذا وذاك على شكل وعي تمتلكه الذات به تميز بين الخير والشر وتضفي صبغة أخلاقية على أفعالها أو أفعال غيرها. ويبدو هذا الوعي الأخلاقي حسا داخليا عميقا على شكل ضمير أخلاقي أو صوت منطلق من أعماق النفس، يأمر وينهى، يؤنب و ويرضى.. هل يعني ذلك أن الحس الأخلاقي غريزة منقوشة في جبلة الإنسان ومن ثمة خالدة ولازمنية، ام أنه ظاهرة إنسانية كباقي الظواهر لها نشأة وتاريخ؟ وبعبارة مختصرة: ما مصدر الحس الأخلاقي؟
معالجة الإشكال:
1-الحس الأخلاقي فطري مطبوع في الجبلة-روسو
في إطار فلسفة الأنوار ونزعتها الإنسية الرامية إلى جعل الإنسان الفرد مرجعا لكل القيم بما فيها القيم الأخلاقية، يندرج التصور الروسوي الذي يرجع الحس الأخلاقي إلى مبادئ فطرية خالدة مطبوعة في الجبلة. وقد عبر كانط عن فطرية الوعي الأخلاقي في قولته الشهيرة التي استلهم فيها روسو: "شيئان يملآن القلب إعجابا متجددا متزايدا: السماء المرصعة بالنجوم فوقي والقانون الأخلاقي بداخلي"
يقول روسو إذن بوجود مبدأ فطري للعدالة والفضيلة في أعماق النفس البشرية، تقوم عليه رغم مبادئنا الشخصية أحكامنا التي نصدرها على أفعالنا وأفعال الغير فنصفها بالخيرة أو الشريرة.
لا ينكر روسو بأن الأحكام الأخلاقية مكتسبة وخارجية المصدر، لكن الإحساس الذي بموجبه نقدر ونقوم هذه الأفكار يظل فطريا، ثم إن هذا الوعي الأخلاقي أحاسيس وجدانية وليس أحكاما عقلية، إذ لو انتظرت الأخلاق نشوء التفكير العقلي لهلكت البشرية!! ويتصل هذا الإحساس بغريزتين أو عاطفتين أصيلتين هما حب الذات التي يحفظ الفرد بقاءه؛ ثم الشفقة التي تتجه إلى حفظ النوع إذ تمنع المرء من إلحاق الأذى بالغير مجانا أو رؤية الكائنات الحاسة تتألم. وقد ظلت هاتان الغريزتان مرشدتا الإنسان الوحيدتين طيلة حالة الطبيعة استغنى بهما عن القوانين و الأخلاق والفضيلة.
إن الوعي أو الحس الأخلاقي ليس فطريا فحسب، بل خالد وأزلي وصائب على الدوام، ولذلك يخاطبه روسو قائلا: " أيها الوعي ! أنت أيتها الغريزة الإلهية الخالدة، والمرشدة المضمونة لإنسان جاهل ومحدود النظر، أيتها الغريزة المعصومة في تمييزها بين الخير والشر"
ومن المنطقي أن يخلص روسو إلى فطرية الضمير الأخلاقي مادام ينظر إلى الإنسان ككائن طيب بالطبيعة شرير بالاجتماع الذي أفقده براءته و طيبوبته الأصليتين. ولكن ألا يسقط هذا التصور في اللاتاريخية من خلال تجاهله لنسبية الوعي الأخلاقي وللظروف التاريخية والعوامل الاجتماعية التي تقف وراء نشأة هذا الوعي؟ وهي العوامل التي تشدد عليها كل من المقاربتين الفرويدية والماركسية للوعي الأخلاقي.
2- نشوء الحس الأخلاقي وتاريخيته:
من الصعب القبول بفطرية الضمير الأخلاقي انطلاقا من التحليل الفرويدي، لأن الفطري هو "الهو" الذي يمثل الشكل الأصلي للجهاز النفسي كما يظهر عند الميلاد، وهو المادة الأولية للتمييزات اللاحقة. وهذا الهو يخضع فقط لمبدأ اللذة ويجهل تماما مبدأ الواجب الذي هو عنوان الضمير الأخلاقي. لذلك لا يمكننا الحديث عن ضمير أخلاقي قبل ظهور الأنا الأعلى التي ينتج عن اصطدام الأنا بالقيم والضوابط الأخلاقية للمحيط الاجتماعي.
وبنمو الوعي الأخلاقي يظهر الإحساس بالذنب وأشكال التوتر والقلق الذي تتولد في النفس نتيجة التعارض القائم بين متطلبات الأنا الأعلى وميولات الأنا المدفوع بالهو. كما أن الأشكال المرضية الدالة على قسوة الأنا الأعلى وسلطته كالسوداء والمازوشية والوسواس... هي أيضا مؤشرات على ضمير أخلاقي لكنه ضمير متضخم.
إذا كان فرويد يقدم مقاربة لنشوء الضمير الأخلاقي الفردي كانعكاس للوعي الأخلاقي للمجتمع، فإن الماركسية تفسر كيف ينشأ هذا الوعي على مستوى المجتمع نفسه. وبما أنه جزء من البنية الفوقية، فإنه لن يكون غير انعكاس للبنية التحتية أي لمستوى معين من تطور قوى الإنتاج، لذلك تحمل الأنظمة الأخلاقية بدون شك مدلولا طبقيا فتصبح جزءا من الأيديلوجية وظيفتها تبرير الهيمنة وتزييف الوعي الاجتماعي.
لكل مرحلة من مراحل التطور الاقتصادي نظريات أخلاقية مطابقة لها. وعلى سبيل المثال، فانطلاقا من اللحظة التي تطورت فيها الملكية الفردية للأشياء المنقولة صار لزاما على المجتمعات أن تعرف الأمر الأخلاقي القائل: " لا تسرق" ولكن لا معنى لهذا الأمر في مجتمع تغيب عنه الملكية الخاصة كما في المشاعية البدائية ! كما يقول انجلز؛ كما أن أمرا باحترام الملكية الفكرية للأعمال الفنية لا معنى له إلا عندما تتحول الأعمال الفنية إلى سلع خاضعة لقوانين الإنتاج والتسويق.
على هذا الأساس يرفض انجلز كل رأي مزعوم يحاول فرض نظام أخلاقي دوغمائي كيفما كان باعتباره قانونا خالدا ، ثابتا ونهائيا يعلو على التاريخ.
المحور الثالث: الواجب والمجتمع
طرح الإشكال:
مادام المجتمع هو منبع الواجبات ومصدر القوة التي تصاحبها، فهل ينتج عن ذلك أن واجباتنا مقتصرة على أبناء مجتمعنا أو جماعتنا التي لقنتنا لائحة واجباتنا، و أن الواجبات نسبية ومحلية، أم أن الواجبات كونية و أننا ملزمون بواجبات تجاه الإنسانية جمعاء الحاضرة والمقبلة أي تجاه الأجيال القادمة بدورها ؟ ألا تتعارض واجباتنا والتزاماتنا تجاه جماعتنا ومجتمعنا مع واجباتنا والتزاماتنا تجاه الإنسانية
معالجة الإشكال:
1- الواجب صوت المجتمع
إذا كان الإنسانية قد مالت إلى تفسير القوة الآمرة الرهيبة لصوت الواجب الذي يتردد مجلجلا بداخل الفرد تفسيرا أسطوريا يربطه بكائنات علوية، فإن صوت الواجب والضمير عند دوركايم ليس شيئا آخر غير صوت المجتمع الذي هو كائن معنوي يتجاوز الأفراد ويؤثر فيهم ويحيى داخل ذواتهم، ويمارس عليهم نوعا من القهر والإكراه الخفي. إن المجتمع بهذا المعنى ، هو جزء لا يتجزأ من الذوات الفردية التي لا تستطيع أبدا الانفصال عنه؛ فهو الذي بث فيها تلك المشاعر والمعايير التي تمنح بالضرورة لقواعد السلوك الفردي صفة الإكراه المميزة للإلزام الأخلاقي كما تحدد لها واجباتها الأخلاقية، أي ما ينبغي عليها فعله وما يجب تجنبه. لكن إذا كان الواجب يرتبط بالمجتمع و بإكراهاته، فإنه بذلك يسقط في الانغلاق والنسبية؛ مادام أن لكل مجتمع خصوصيته الثقافية والحضارية التي تميزه عن باقي المجتمعات. كما أن الواجب في هذه الحالة من شأنه أن يؤدي نوع من الصدام الحضاري، والصراع الفكري والأخلاقي بين الأمم والشعوب. وهذا صحيح إلى حد ما، فالأمر الأخلاقي "لا تقتل!" غالبا ما يفقد صلاحيته إذا تعلق الأمر بفرد من خارج الجماعة التي لقنت للفرد هذا الأمر. وهناك ثقافات تجيز صراحة لأفرادها قتل أو استعباد أو التنكيل بمن لا ينتمون إلى الجماعة! ولذلك يقول داروين: "تعد الأفعال لدى المتوحشين وربما كذلك لدى الإنسان البدائي خيرة أو شريرة فقط إذا كانت تؤثر بوضوح في حسن حال القبيلة -وليس النوع البشري أو العضو الفرد في القبيلة. تتفق هذه النتيجة مع اعتقاد فحواه أن الحس الخلقي في منبته مشتق من الغرائز الاجتماعية، لأن كليهما يرتبط أولا وحصريا بالمجتمع". وبالمثل فإن شعور المرء بالشفقة وبوجوب الإحسان للفقير يختلف حسبما إذا كان هذا الأخير من ذوي القربى أو من نفس المجتمع أو فردا في مجتمع مخالف لي في الملة أو العرق او اللغة. ولكن، وفي ظل مناخ العولمة الاقتصادية والثقافية وتحول الكوكب إلى قرية صغيرة بفضل ثورة وسائل الاتصال، وتوحد مصائر البشرية والكوكب... ألم يعد ملحا التشديد على الطابع الكوني للواجبات الأخلاقية وإخراجها من انغلاقها لتنفتح على القيم والواجبات الإنسانية حفظا لمصالح البشرية؟
2- واجباتنا نحو الإنسانية والكوكب والأجيال القادم
كيف يمكن أن نرتقي بالأخلاق إلى مستوى الكونية ونخرجها من انغلاقها لتنفتح على القيم والواجبات الإنسانية؟ لا يكاد هذا السؤال يطرح بالنسبة لأخلاق على الطراز الكانطي، فالواجبات بالتعريف كونية تتخذ الإنسانية موضوعا لها في شخص كل فرد على حدة. ولكن المطلب الكانطي يشكل في الحقيقة تحديا كبيرا لمفهوم الواجب نفسه، فهذا الأخير يحمل آثار أصله – أي المجتمع – ويتقوقع بالضرورة داخل حدوده. وإذا كان المجتمع وبعد جهد جهيد قد استطاع أن ينتزع من الفرد سلوكا غيريا نحو أبناء الجماعة كما يقول فرويد، فكيف له أن يطمع في مطالبته بسلوك غيري يشمل الإنسانية جمعاء !؟
ومع ذلك، يبدو أن كونية الواجبات لم تعد مجرد مطلب نظري في الفلسفة الأخلاقية، بل غدت ضرورة حيوية ملحة تشغل غير الفلاسفة بدورهم: فالتهديدات البيئية والاجتماعية والسياسية أصبحت تتجاوز حدود دولة أو مجتمع أو جيل، مما دفع جون راولز مثلا إلى أن يفرد لواجباتنا تجاه الأجيال القادمة حيزا داخل نظريته حول العدالة. يقول راولز: " من البديهي أنه إذا كان على الأجيال القادمة أن تستفيد، فإن على الشركاء أن يتفقوا على مبدأ توفير يضمن لكل جيل أن يتلقى ما يستحق من سابقيه، كما أن عليه أن يلبي بطريقة منصفة متطلبات لاحقيه. ومن أجل تحقيق توفير عادل، يتعين على الشركاء أن يتساءلوا عن الكمية التي يقبلون بتوفيرها في كل مرحلة من مراحل النمو [لمصلحة الأجيال القادمة]"
هناك إذن واجب على أفراد الجيل الحالي يقتضي التوفير أي عدم الإسراف و استنزاف كل الموارد المتاحة جريا وراء مستويات من الرفاهية لا تعرف الحدود لأن من شأن ذلك أن يغامر بمستقبل الأجيال القادمة.
ثم إن الواجبات تجاه الإنسانية لا تقتصر على المحافظة على البيئة الطبيعية الكوكب التي هي ملك مشترك لسكانه ولأجياله، بل المحافظة أيضا على تراثه، وهذا ما تجلى في تعيين مواقع أثرية أو طبيعية كتراث إنساني من طرف اليونسكو.
الدولة ( منقول)
الدولة
المحور الأول: مشروعية الدولة وغاياتها
طرح الإشكال:
السلطة ظاهرة محايثة للاجتماع البشري. ومادامت السلطة تقتضي الامتثال والخضوع، فإنها تحتاج دوما إلى تبرير وشرعنة، بما في ذلك سلطة الأب على أبنائه! هكذا يجد كل ذي سلطة نفسه مطالبا دائما بتبرير سلطته، وعندما تتخذ السلطة شكل دولة، فإنها تواجه بدورها سؤال التبرير والمشروعية:
لماذا الدولة؟ وما غايتها؟ ما علاقتها بالأفراد المكونين لها؟ هل تستمد الدولة من الفرد مبدأ وجودها أم أن الفرد هو الذي يستمد من الدولة مبدأ وكمال وجوده؟ هل الدولة في خدمة الفرد أم الفرد في خدمة الدولة؟
معالجة الإشكال:
1- موقف التصور التعاقدي والمذهب الفرداني: الفرد غاية الدولة
للبحث في مشروعية الدولة وتعيين غاياتها يلجأ التصور التعاقدي إلى البحث أولا في منشئها، انطلاقا من فرضية حالة الطبيعة. يقول لوك: " لكي نفهم السلطة السياسية فهما صحيحا ونستنتجها من أصلها ينبغي أن نتحرى الحالة الطبيعية التي وجد عايها جميع الأفراد" هنا تظهر الدولة كمجرد اتحاد بين أفراد يتمتعون بحقوق طبيعية سابقة زمنيا على ظهور الدولة رغبوا لهذا السبب أو ذاك في تيسير العيش المشترك، وأولى حقوقهم هي إرادتهم التي جسدوها في هذا العقد. ينتج عن ذلك أن لا حقيقة ولا وجود للدولة قبل الفرد، الفرد مقدم و سابق عليها، منه تستمد مبرر وجودها ومن ضمان مصالحه تشتق غاياتها. ولذلك يقترن التصور التعاقدي أحيانا بالمذهب الفردي وأحيانا أخرى بالليبرالية
ماذا ينتظر من الدولة؟ وما غاياتها؟
يميز جون لوك بين الخيرات المدنية والخيرات الدينية أو نجاة الأرواح. وتتمثل الأولى في خيرات ذاتية كالحياة والحرية وسلامة البدن وخيرات خارجية كالأرض والنقود وما سواها من الممتلكات، أما الخيرات الدينية فهي تقوى النفس ونجاتها من الضلال والشقاء الأبدي في الآخرة. و اختصاص الدولة بوصفها سلطة مدنية يقتصر على حماية الخيرات المدنية أما ترامي سلطانها إلى الخيرات الدينية فلن ينجم عنه سوى الحرب وتقويض السلم المدني
2- موقف التصورات الكليانية: الدولة غاية ذاتها
بيد أن تقديم الفرد على الدولة - كما رأينا مع التصور التعاقدي والليبرالي- لا يعني عند بعض الفلاسفة سوى خراب هذه الأخيرة! إذ كيف يعقل أن يستمد مبدأ الكل من الجزء والدائم من العرضي؟
تتمثل غاية الدولة عند أفلاطون في تحقيق السعادة، لا بوصفها سعادة الفرد، بل بوصفها نظام وانسجام الكل: وعليه لا يعدو الأفراد عن كونهم مجرد لوالب في جوف هذه الآلة الضخمة المسماة دولة، يقومون بمهام تتناسب وطبائعهم التي ولدووا بها، ينتجون وينجبون ويحاربون من أجل الدولة. فلا قيمة لرغباتهم أو مسراتهم أو أحزانهم أو عواطفهم إلا بما يحقق لهذه الأخيرة النظام والانسجام.
وفي العصر الحديث، يرفض "هيجل" بدوره التصور التعاقدي السابق لكونه يجعل غاية الدولة "خارجية " عندما يحصرها في تحقيق السلم والحرية وحماية ممتلكات الأفراد. فالدولة بهذا المعنى ستكون مجرد وسيلة لتحقيق أهداف خارجة عنها، أهداف يعتبرها "هيجل" خاصة بالمجتمع المدني، كمجال لإشباع حاجيات الأفراد اليومية والانتاج الاقتصادي وللتنافس بينهم في ظل تعارض مصالحهم الخاصة، في حين أن الدولة تمثل غاية في ذاتها بوصفها تجسيدا للمطلق. و ككيان ينتزع الفرد من الخصوصية والأنانية ليسمو به إلى مستوى الكونية ويحقق اكتماله الأخلاقي، وذلك لأنها هي الجوهر الأخلاقي وقد وصل إلى الوعي بذاته.
نخلص إلى أن هيغل يقدم الدولة على الفرد ويجعلها سابقة على الأسرة والمجتمع المدني نفسيهما لأن فكرتها محتوية لهذين العنصرين معا: ففي حضن الدولة فقط تستطيع الأسرة أن تتحول إلى مجتمع مدني.
ويبدو أن الماركسية لم ترث عن الهيغيلية منهجها الدياليكتيكي فحسب، بل تصورها الكلياني للدولة بإسم أولوية الجماعة على الفرد، وانتهت إلى صهر هذا الأخير وإلغائه لصالح الدولة وأجهزتها البيروقراطية والبوليسية: لقد غدت الدولة فعلا غاية في ذاتها وهذا ما تجلى واضحا في بعض الأشكال الواقعية للدولة في الكثير من البلدان الاشتراكية ودول العالم الثالث
المحور الثاني: طبيعة السلطة السياسية
طرح الإشكال:
وفق أي منطق وبموجب أي مبدأ تمارس السلطة السياسية؟ هل يمكن أن تنضبط هذه السلطة للمبادىء الأخلاقية، أم أن منطق العمل السياسي وإكراهاته يتعارض كليا مع منطق الأخلاق وإلزاماتها وقيودها، على أساس أن السياسة مجال الممكن، والأخلاق مملكة الواجب؟ ماهي غاية الفعل السياسي؟ الفضيلة أم الفعالية ؟
معالجة الإشكال:
1- التصور الأخلاقي لطبيعة السلطة السياسية: السياسة رفق واعتدال
بتأثير من أرسطو، وإلى حدود الفلسفة الحديثة، سيطرت على الفلسفة السياسية مقولة الاعتدال ضمن تصور يعتقد في وحدة الأخلاق والسياسة على أساس أن السياسة هي المجال الأوسع للممارسة الأخلاقية وأنها كمال الفلسفة العملية بوصفها تدبيرا للمدينة يتوج تدبير النفس و تدبير للمنزل معا. وقد عبر عن ذلك أستاذه أفلاطون حينما تمنى أن يكون الحاكم فيلسوفا أو أن يصير الفلاسفة حكاما ليحصل الجمع بين السلطة والحقيقة، مادام الفلاسفة على حد تعبير أفلاطون هم أصدقاء وحلفاء الحقيقة والعدالة والشجاعة والعفاف، أصحاب العقول المولعة دائما بالعلم الذي يتناول الدولة بكاملها ليقيم تنظيمها الداخلي على أفضل وجه ممكن مستلهما قوانين الجمال والخير والعدل
في إطار هذا التصور الأخلاقي للمجال السياسي وللسلطة السياسية، يوصي ابن خلدون أن تكون العلاقة بين السلطان والرعية مبنية على الرفق في التعامل: فقهر السلطان للناس وبطشه بهم يؤدي إلى إفساد أخلاقهم، بحيث يعاملونه بالكذب والمكر والخذلان، أما إذا كان رفيقا بهم ، فإنهم يطمئنون إليه ويكنون له كل المحبة والاحترام، ويكونون عونا له أوقات الحروب والمحن.
كما يتوجب عليه التحلي بالاعتدال الذي هو الوسط بين الذكاء بما هو إفراط في الفكر والبلادة بما هي إفراط في الجمود مثلما أن الكرم وسط بين التبذير والبخل، والشجاعة وسط بين التهور والجبن من جهة أخرى.
← هكذا فإن ابن خلدون يحدد طبيعة السلطة السياسية في التشبث بمكارم الأخلاق المتمثلة أساسا في الرفق والاعتدال. ولكن إلى أي حد تستطيع الأخلاق أن تنسجم وطبيعة السلطة السياسية في الممارسة العملية؟
2- التصور البراغماتي الواقعي لطبيعة السلطة السياسية:
أحدث كتاب "الأمير" قطيعة مع الفلسفة السياسية السابقة ذات المنحى الطوباوي المثالي، فلم يعد السؤال عند ميكيافيلي هو "كيف تمارس السلطة وفق المبادئ الأخلاقية أو الدينية؟" ، بل السؤال هو: "كيف يمكن الحصول على السلطة والمحافظة عليها؟" لذلك ينصح ميكيافليي الأمير باستخدام طريقتين من أجل تثبيت سلطته السياسية: الأولى تعتمد القوانين ولكنها غير موفية بأغراض الحكم، أما الثانية فتعتمد على القوة والبطش، جنبا إلى جنب مع المكر و الدهاء. وإذا استخدمنا استعارة لا تخلو من دلالة من مملكة الحيوان، فعلى الأمير أن يكون أسدا قويا لكي يرهب الذئاب، وأن يكون ثعلبا ماكرا لكي لا يقع في الفخاخ.
وقد تبين من شواهد التاريخ حسب ميكيافلي أن هناك أمراء أصبحوا عظماء دون أن يلتزموا بالمبادئ الأخلاقية السامية، كالمحافظة على العهود مثلا، بل قد استخدموا كل وسائل القوة والخداع للسيطرة على الناس والتغلب على خصومهم.
يعترف ميكيافيلي بأن مبادئ السلطة السياسية التي يبشر بها ستكون شريرة، ولكن في حالة واحدة وهي تلك التي يكون فيها جميع الناس أخيارا ! والواقع أنهم ليسوا كذلك، ومن ثم لا يلزم أن ينضبط الأمير للمبادىء الأخلاقية في تعامله معهم، بل لا بد أن تكون له القدرة الكافية على التمويه والخداع، وسيجد من الناس من ينخدع بسهولة. وقد صور شكسبير بشكل رائع سهولة انخداع العامة في مسرحية "يوليوس قيصر" حيث تناوب الخطيبان بروتوس وأنطونيوس على تجييش مشاعر العامة لصالحه رغم أن أولهما قاتل قيصر والثاني صديقه المنادي بالثأر له !!
هكذا يتبين أن السياسة، مع ماكيافيلي، تنبني على القوة والمكر والخداع.
المحور الثالث: الدولة بين الحق والعنف
طرح الإشكال:
يمثل العنف العدو المعلن لكل دولة. فما من دولة في الماضي أو الحاضر إلا ورفعت شعار استتباب الأمن والنظام والعدالة والحق ، وبعبارة أخرى محاصرة نواتج العنف من رعب وفوضى وظلم ، ولكن هل يمكن للدولة أن تحاصر العنف وتواجهه إلا بعنف مضاد أشد هولا ؟ وفي هذه الحالة كيف نضمن مشروعية هذا العنف وقد غدت الدولة خصما وحكما في نفس الوقت ؟
معالجة الإشكال:
1- الدولة واحتكار الاستعمال المشروع للعنف
من المفيد في البداية أن نرفع بعض اللبس: لا تمثل الدولة المصدر الوحيد للعنف، فالمجتمع ينتج ويفرز بدوره عنفه الخاص، سواء تعلق الأمر بالعنف المعزول للأفراد كالمجرمين أو عنف الجماعات ضد بعضها البعض بسبب الطابع الانقسامي للمجمتع ( انقسامه إلى طبقات اقتصادية، أحزاب سياسية، إثنيات، مشجعي الفرق الرياضية...)
ورغم أن الدولة تعلن العنف عدوها اللدود، فإنها لا تستطيع مع ذلك مواجهته إلا بمثله أي بعنف مضاد، ولذلك لم يجد ماكس فيبر من خاصية يعرف بها الدولة غير هذه الخاصية: "احتكار الاستعمال المشروع للعنف". صحيح أن العنف ليس الوسيلة الوحيدة للدولة لكنه وسيلتها الخاصة بحيث تقوم بينها وبينه علاقة حميمة، خصوصا بالنسبة للدولة المعاصرة التي خلقت لنفسها طبقة بيروقراطية ينفصل فيها المنصب عن الموظف الذي يسميه فيبر "خادم الدولة الحديثة"، فغدت الدولة من حيث هي أجهزة متمايزة عن المجتمع، مما اقتضى تجريد جميع أفراد المجتمع وهيئاته من حق استخدام العنف: وهكذا لم يعد هناك سيد ليجلد عبده أو إقطاعي يعاقب أقنانه، أو زوج ليضرب زوجته وأبناءه، وتزامن كل ذلك مع نزع الطابع العنيف عن العقوبات القضائية الماسة بالسلامة الجسدية والاكتفاء بتلك العقوبات السالبة للحرية.
2- الدولة والعنف: علاقات ملتبسة
لا مراء في أن الدولة المعاصرة تدعي لنفسها قانونيا احتكار الاستعمال المشروع للعنف، ولا يوجد اعتراض على مبدأ الاحتكار في حد ذاته، بيد أن ممارستها لهذا الشيء المحتكر لا تخلو واقعيا من مفارقات حتى في أكثر الدول ديموقراطية.
تتعلق المفارقة الأولى بثنائية الشرعية والمشروعية: من اليسير على الدولة أن تثبت أن العنف الممارس ضد فرد أو جماعة كان شرعيا محتجة بحفظ النظام أو استباق المخاطر... ولكن هل كان عنفا مشروعا؟ بل هل كان ضروريا؟ وفي هذه الحالة، هل مورس ضمن الحدود التي لا تتعارض فيها مع حقوق الإنسان وكرامته؟
تقحمنا هذه الأسئلة في قلب المفارقة الثانية المتعلقة بكمية العنف اللازم لمواجهة عنف الأفراد والجماعات: كيف يمكن تقدير كمية العنف لوقف عنف مشجعي فريق رياضي غاضبين؟ هل يحتاج الأمر إلى عنف أكبر من عنفهم أم أقل منه أو مساو له ؟ تلك هي الأسئلة التي تواجه السلطة القضائية باستمرار.
ومن جهة أخرى، وبسبب احتكارها وتكديسها لوسائل وتقنيات العنف المعززة بتكنلوجيا تزداد تطورا يوما بعد يوم، تتحول الدولة إلى نوع من الليفياتان/التنين، إلى عنف بدون حق خصوصا في غياب إمكانية اللجوء إلى قاض ضمن فصل واضح للسلطات.
وأخيرا فإن احتكار الدولة للعنف المشروع لا يكتسي كامل معناه عند فيبر إلا من واقعة استقلالها عن المجتمع وتناقضاته، ولكن ما حقيقة استقلال الدولة عن المجتمع وحيادها؟ هل تقتصر وظيفتها على التنظيم والتدبير المحايدين والمستقلين عما يعرفه المجتمع من نزعات وانقسامات وتناقضات؟
تشكك الماركسية في هذه الاستقلالية المزعومة، لتخلص أن العنف المحتكر من قبل الدولة لن يكون مشروعا أبدا في ظل مجتمع منقسم طبقيا. ذلك إن تناقض المصالح الطبقية وما ينجم عنه من صراع يهدد بتيديد المجتمع قد فرض الحاجة إلى الدولة كسلطة عليا تضع نفسها ظاهريا فوق المجتمع لتقلل من حدة الصراع وتبقيه ضمن حدود النظام أي فرملة التناقضات القائمة بين طبقات المجتمع. غير أن الدولة وقد تولدت في قلب الصراع، فلن تكون سوى دولة الطبقة المسيطرة اقتصاديا وأداة أخرى من أدوات تيسير مهمة الاستغلال بالوسائل العنيفة ان اقتضى الأمر. إنها عنف طبقة ضد أخرى
المحور الأول: مشروعية الدولة وغاياتها
طرح الإشكال:
السلطة ظاهرة محايثة للاجتماع البشري. ومادامت السلطة تقتضي الامتثال والخضوع، فإنها تحتاج دوما إلى تبرير وشرعنة، بما في ذلك سلطة الأب على أبنائه! هكذا يجد كل ذي سلطة نفسه مطالبا دائما بتبرير سلطته، وعندما تتخذ السلطة شكل دولة، فإنها تواجه بدورها سؤال التبرير والمشروعية:
لماذا الدولة؟ وما غايتها؟ ما علاقتها بالأفراد المكونين لها؟ هل تستمد الدولة من الفرد مبدأ وجودها أم أن الفرد هو الذي يستمد من الدولة مبدأ وكمال وجوده؟ هل الدولة في خدمة الفرد أم الفرد في خدمة الدولة؟
معالجة الإشكال:
1- موقف التصور التعاقدي والمذهب الفرداني: الفرد غاية الدولة
للبحث في مشروعية الدولة وتعيين غاياتها يلجأ التصور التعاقدي إلى البحث أولا في منشئها، انطلاقا من فرضية حالة الطبيعة. يقول لوك: " لكي نفهم السلطة السياسية فهما صحيحا ونستنتجها من أصلها ينبغي أن نتحرى الحالة الطبيعية التي وجد عايها جميع الأفراد" هنا تظهر الدولة كمجرد اتحاد بين أفراد يتمتعون بحقوق طبيعية سابقة زمنيا على ظهور الدولة رغبوا لهذا السبب أو ذاك في تيسير العيش المشترك، وأولى حقوقهم هي إرادتهم التي جسدوها في هذا العقد. ينتج عن ذلك أن لا حقيقة ولا وجود للدولة قبل الفرد، الفرد مقدم و سابق عليها، منه تستمد مبرر وجودها ومن ضمان مصالحه تشتق غاياتها. ولذلك يقترن التصور التعاقدي أحيانا بالمذهب الفردي وأحيانا أخرى بالليبرالية
ماذا ينتظر من الدولة؟ وما غاياتها؟
يميز جون لوك بين الخيرات المدنية والخيرات الدينية أو نجاة الأرواح. وتتمثل الأولى في خيرات ذاتية كالحياة والحرية وسلامة البدن وخيرات خارجية كالأرض والنقود وما سواها من الممتلكات، أما الخيرات الدينية فهي تقوى النفس ونجاتها من الضلال والشقاء الأبدي في الآخرة. و اختصاص الدولة بوصفها سلطة مدنية يقتصر على حماية الخيرات المدنية أما ترامي سلطانها إلى الخيرات الدينية فلن ينجم عنه سوى الحرب وتقويض السلم المدني
2- موقف التصورات الكليانية: الدولة غاية ذاتها
بيد أن تقديم الفرد على الدولة - كما رأينا مع التصور التعاقدي والليبرالي- لا يعني عند بعض الفلاسفة سوى خراب هذه الأخيرة! إذ كيف يعقل أن يستمد مبدأ الكل من الجزء والدائم من العرضي؟
تتمثل غاية الدولة عند أفلاطون في تحقيق السعادة، لا بوصفها سعادة الفرد، بل بوصفها نظام وانسجام الكل: وعليه لا يعدو الأفراد عن كونهم مجرد لوالب في جوف هذه الآلة الضخمة المسماة دولة، يقومون بمهام تتناسب وطبائعهم التي ولدووا بها، ينتجون وينجبون ويحاربون من أجل الدولة. فلا قيمة لرغباتهم أو مسراتهم أو أحزانهم أو عواطفهم إلا بما يحقق لهذه الأخيرة النظام والانسجام.
وفي العصر الحديث، يرفض "هيجل" بدوره التصور التعاقدي السابق لكونه يجعل غاية الدولة "خارجية " عندما يحصرها في تحقيق السلم والحرية وحماية ممتلكات الأفراد. فالدولة بهذا المعنى ستكون مجرد وسيلة لتحقيق أهداف خارجة عنها، أهداف يعتبرها "هيجل" خاصة بالمجتمع المدني، كمجال لإشباع حاجيات الأفراد اليومية والانتاج الاقتصادي وللتنافس بينهم في ظل تعارض مصالحهم الخاصة، في حين أن الدولة تمثل غاية في ذاتها بوصفها تجسيدا للمطلق. و ككيان ينتزع الفرد من الخصوصية والأنانية ليسمو به إلى مستوى الكونية ويحقق اكتماله الأخلاقي، وذلك لأنها هي الجوهر الأخلاقي وقد وصل إلى الوعي بذاته.
نخلص إلى أن هيغل يقدم الدولة على الفرد ويجعلها سابقة على الأسرة والمجتمع المدني نفسيهما لأن فكرتها محتوية لهذين العنصرين معا: ففي حضن الدولة فقط تستطيع الأسرة أن تتحول إلى مجتمع مدني.
ويبدو أن الماركسية لم ترث عن الهيغيلية منهجها الدياليكتيكي فحسب، بل تصورها الكلياني للدولة بإسم أولوية الجماعة على الفرد، وانتهت إلى صهر هذا الأخير وإلغائه لصالح الدولة وأجهزتها البيروقراطية والبوليسية: لقد غدت الدولة فعلا غاية في ذاتها وهذا ما تجلى واضحا في بعض الأشكال الواقعية للدولة في الكثير من البلدان الاشتراكية ودول العالم الثالث
المحور الثاني: طبيعة السلطة السياسية
طرح الإشكال:
وفق أي منطق وبموجب أي مبدأ تمارس السلطة السياسية؟ هل يمكن أن تنضبط هذه السلطة للمبادىء الأخلاقية، أم أن منطق العمل السياسي وإكراهاته يتعارض كليا مع منطق الأخلاق وإلزاماتها وقيودها، على أساس أن السياسة مجال الممكن، والأخلاق مملكة الواجب؟ ماهي غاية الفعل السياسي؟ الفضيلة أم الفعالية ؟
معالجة الإشكال:
1- التصور الأخلاقي لطبيعة السلطة السياسية: السياسة رفق واعتدال
بتأثير من أرسطو، وإلى حدود الفلسفة الحديثة، سيطرت على الفلسفة السياسية مقولة الاعتدال ضمن تصور يعتقد في وحدة الأخلاق والسياسة على أساس أن السياسة هي المجال الأوسع للممارسة الأخلاقية وأنها كمال الفلسفة العملية بوصفها تدبيرا للمدينة يتوج تدبير النفس و تدبير للمنزل معا. وقد عبر عن ذلك أستاذه أفلاطون حينما تمنى أن يكون الحاكم فيلسوفا أو أن يصير الفلاسفة حكاما ليحصل الجمع بين السلطة والحقيقة، مادام الفلاسفة على حد تعبير أفلاطون هم أصدقاء وحلفاء الحقيقة والعدالة والشجاعة والعفاف، أصحاب العقول المولعة دائما بالعلم الذي يتناول الدولة بكاملها ليقيم تنظيمها الداخلي على أفضل وجه ممكن مستلهما قوانين الجمال والخير والعدل
في إطار هذا التصور الأخلاقي للمجال السياسي وللسلطة السياسية، يوصي ابن خلدون أن تكون العلاقة بين السلطان والرعية مبنية على الرفق في التعامل: فقهر السلطان للناس وبطشه بهم يؤدي إلى إفساد أخلاقهم، بحيث يعاملونه بالكذب والمكر والخذلان، أما إذا كان رفيقا بهم ، فإنهم يطمئنون إليه ويكنون له كل المحبة والاحترام، ويكونون عونا له أوقات الحروب والمحن.
كما يتوجب عليه التحلي بالاعتدال الذي هو الوسط بين الذكاء بما هو إفراط في الفكر والبلادة بما هي إفراط في الجمود مثلما أن الكرم وسط بين التبذير والبخل، والشجاعة وسط بين التهور والجبن من جهة أخرى.
← هكذا فإن ابن خلدون يحدد طبيعة السلطة السياسية في التشبث بمكارم الأخلاق المتمثلة أساسا في الرفق والاعتدال. ولكن إلى أي حد تستطيع الأخلاق أن تنسجم وطبيعة السلطة السياسية في الممارسة العملية؟
2- التصور البراغماتي الواقعي لطبيعة السلطة السياسية:
أحدث كتاب "الأمير" قطيعة مع الفلسفة السياسية السابقة ذات المنحى الطوباوي المثالي، فلم يعد السؤال عند ميكيافيلي هو "كيف تمارس السلطة وفق المبادئ الأخلاقية أو الدينية؟" ، بل السؤال هو: "كيف يمكن الحصول على السلطة والمحافظة عليها؟" لذلك ينصح ميكيافليي الأمير باستخدام طريقتين من أجل تثبيت سلطته السياسية: الأولى تعتمد القوانين ولكنها غير موفية بأغراض الحكم، أما الثانية فتعتمد على القوة والبطش، جنبا إلى جنب مع المكر و الدهاء. وإذا استخدمنا استعارة لا تخلو من دلالة من مملكة الحيوان، فعلى الأمير أن يكون أسدا قويا لكي يرهب الذئاب، وأن يكون ثعلبا ماكرا لكي لا يقع في الفخاخ.
وقد تبين من شواهد التاريخ حسب ميكيافلي أن هناك أمراء أصبحوا عظماء دون أن يلتزموا بالمبادئ الأخلاقية السامية، كالمحافظة على العهود مثلا، بل قد استخدموا كل وسائل القوة والخداع للسيطرة على الناس والتغلب على خصومهم.
يعترف ميكيافيلي بأن مبادئ السلطة السياسية التي يبشر بها ستكون شريرة، ولكن في حالة واحدة وهي تلك التي يكون فيها جميع الناس أخيارا ! والواقع أنهم ليسوا كذلك، ومن ثم لا يلزم أن ينضبط الأمير للمبادىء الأخلاقية في تعامله معهم، بل لا بد أن تكون له القدرة الكافية على التمويه والخداع، وسيجد من الناس من ينخدع بسهولة. وقد صور شكسبير بشكل رائع سهولة انخداع العامة في مسرحية "يوليوس قيصر" حيث تناوب الخطيبان بروتوس وأنطونيوس على تجييش مشاعر العامة لصالحه رغم أن أولهما قاتل قيصر والثاني صديقه المنادي بالثأر له !!
هكذا يتبين أن السياسة، مع ماكيافيلي، تنبني على القوة والمكر والخداع.
المحور الثالث: الدولة بين الحق والعنف
طرح الإشكال:
يمثل العنف العدو المعلن لكل دولة. فما من دولة في الماضي أو الحاضر إلا ورفعت شعار استتباب الأمن والنظام والعدالة والحق ، وبعبارة أخرى محاصرة نواتج العنف من رعب وفوضى وظلم ، ولكن هل يمكن للدولة أن تحاصر العنف وتواجهه إلا بعنف مضاد أشد هولا ؟ وفي هذه الحالة كيف نضمن مشروعية هذا العنف وقد غدت الدولة خصما وحكما في نفس الوقت ؟
معالجة الإشكال:
1- الدولة واحتكار الاستعمال المشروع للعنف
من المفيد في البداية أن نرفع بعض اللبس: لا تمثل الدولة المصدر الوحيد للعنف، فالمجتمع ينتج ويفرز بدوره عنفه الخاص، سواء تعلق الأمر بالعنف المعزول للأفراد كالمجرمين أو عنف الجماعات ضد بعضها البعض بسبب الطابع الانقسامي للمجمتع ( انقسامه إلى طبقات اقتصادية، أحزاب سياسية، إثنيات، مشجعي الفرق الرياضية...)
ورغم أن الدولة تعلن العنف عدوها اللدود، فإنها لا تستطيع مع ذلك مواجهته إلا بمثله أي بعنف مضاد، ولذلك لم يجد ماكس فيبر من خاصية يعرف بها الدولة غير هذه الخاصية: "احتكار الاستعمال المشروع للعنف". صحيح أن العنف ليس الوسيلة الوحيدة للدولة لكنه وسيلتها الخاصة بحيث تقوم بينها وبينه علاقة حميمة، خصوصا بالنسبة للدولة المعاصرة التي خلقت لنفسها طبقة بيروقراطية ينفصل فيها المنصب عن الموظف الذي يسميه فيبر "خادم الدولة الحديثة"، فغدت الدولة من حيث هي أجهزة متمايزة عن المجتمع، مما اقتضى تجريد جميع أفراد المجتمع وهيئاته من حق استخدام العنف: وهكذا لم يعد هناك سيد ليجلد عبده أو إقطاعي يعاقب أقنانه، أو زوج ليضرب زوجته وأبناءه، وتزامن كل ذلك مع نزع الطابع العنيف عن العقوبات القضائية الماسة بالسلامة الجسدية والاكتفاء بتلك العقوبات السالبة للحرية.
2- الدولة والعنف: علاقات ملتبسة
لا مراء في أن الدولة المعاصرة تدعي لنفسها قانونيا احتكار الاستعمال المشروع للعنف، ولا يوجد اعتراض على مبدأ الاحتكار في حد ذاته، بيد أن ممارستها لهذا الشيء المحتكر لا تخلو واقعيا من مفارقات حتى في أكثر الدول ديموقراطية.
تتعلق المفارقة الأولى بثنائية الشرعية والمشروعية: من اليسير على الدولة أن تثبت أن العنف الممارس ضد فرد أو جماعة كان شرعيا محتجة بحفظ النظام أو استباق المخاطر... ولكن هل كان عنفا مشروعا؟ بل هل كان ضروريا؟ وفي هذه الحالة، هل مورس ضمن الحدود التي لا تتعارض فيها مع حقوق الإنسان وكرامته؟
تقحمنا هذه الأسئلة في قلب المفارقة الثانية المتعلقة بكمية العنف اللازم لمواجهة عنف الأفراد والجماعات: كيف يمكن تقدير كمية العنف لوقف عنف مشجعي فريق رياضي غاضبين؟ هل يحتاج الأمر إلى عنف أكبر من عنفهم أم أقل منه أو مساو له ؟ تلك هي الأسئلة التي تواجه السلطة القضائية باستمرار.
ومن جهة أخرى، وبسبب احتكارها وتكديسها لوسائل وتقنيات العنف المعززة بتكنلوجيا تزداد تطورا يوما بعد يوم، تتحول الدولة إلى نوع من الليفياتان/التنين، إلى عنف بدون حق خصوصا في غياب إمكانية اللجوء إلى قاض ضمن فصل واضح للسلطات.
وأخيرا فإن احتكار الدولة للعنف المشروع لا يكتسي كامل معناه عند فيبر إلا من واقعة استقلالها عن المجتمع وتناقضاته، ولكن ما حقيقة استقلال الدولة عن المجتمع وحيادها؟ هل تقتصر وظيفتها على التنظيم والتدبير المحايدين والمستقلين عما يعرفه المجتمع من نزعات وانقسامات وتناقضات؟
تشكك الماركسية في هذه الاستقلالية المزعومة، لتخلص أن العنف المحتكر من قبل الدولة لن يكون مشروعا أبدا في ظل مجتمع منقسم طبقيا. ذلك إن تناقض المصالح الطبقية وما ينجم عنه من صراع يهدد بتيديد المجتمع قد فرض الحاجة إلى الدولة كسلطة عليا تضع نفسها ظاهريا فوق المجتمع لتقلل من حدة الصراع وتبقيه ضمن حدود النظام أي فرملة التناقضات القائمة بين طبقات المجتمع. غير أن الدولة وقد تولدت في قلب الصراع، فلن تكون سوى دولة الطبقة المسيطرة اقتصاديا وأداة أخرى من أدوات تيسير مهمة الاستغلال بالوسائل العنيفة ان اقتضى الأمر. إنها عنف طبقة ضد أخرى
درس الحرية ( منقول) للتوسع عد إلى الموقع: http://www.falsafa.info/liberte-c.php
الحرية
لا تجد كالحرية كلمة دلت على معان مختلفة كما يقول مونتيكسيو، ويتجسد ذلك في الأبعاد الكثيرة للحرية
سنتناول الحرية في هذا الملخص من زاويتين أو بعدين فقط:
- البعد الميتافيزيقي للحرية؛
- البعد السياسي الملموس للحرية.
أما عن البعد الأخلاقي للحرية، فلتراجع درسالواجب وخصوصا المحور الأول (الواجب والإكراه)
أما عن البعد أو التناول العلمي للحرية، فأنظر المحور الثالث من درس الشخص ( الحتميات النفسية والاجتماعية الشارطة للشخص التي كشفت عنها العلوم الإنسانية)
- أما عن البعد التاريخي للحرية، فيرجى الرجوع إلى درس التاريخ وخصوصا المحور الثالث: دور الإنسان في التاريخ
المحور الأول: الحرية بين الإرادة والحتمية أو البعد الميتافيزيقي للحرية.
ملحوظة:يسمى هذا البعد ميتافيزيقيا لأنه يتناول الحرية بشكل مجرد من حيث المبدأ العام لا في وضعية محددة ومخصوصة، أي حرية ذات من حيث أنها تتمتع بالإرادة.
مفاهيم لابد من استيعاب دلالتها قبل المضي قدما:
الحتمية:
وجود علاقات ضرورية ثابتة في الطبيعة توجب ان تكون كل ظاهرة من ظواهرها مشروطة بما يتفدمها او يصحبها من الظواهر الأخرى، وأن كل حادث يسبقه سبب يحتم وجوده على نحو دون آخر؛ والحتمية بالمعنى الفلسفي مذهب يرى ان جميع حوادث العالم وبخاصة أفعال الإنسان، مرتبطة ببعضها ارتباطا محكما
الإرادة و حرية الاختيار:
حرية الاختيار :libre arbitre القدرة على الاختيار بين أحد المقدورين أو اتصاف الإرادة بالقدرة على الفعل دون التقيد بأسباب خارجية. وهذا يدل على وجود تلازم بين معاني الحرية واللاتعين واللاحتمية، وإذا سلمنا بحرية الاختيار، وجعلناها مقصورة على الأحوال التي تتساوى فيها الأسباب المتعارضة، حصلنا على معنى آخر للحرية وهو حرية اللامبالاة وقد عرفوها بقولهم: هي القدرة على الاختيار من غير مرجح
طرح الإشكال:
الحرية خاصية موجود خالص من القيود، عامل بإرادته أو طبيعته، وتقابلها مفاهيم القيد والحتمية والضرورة والخضوع والعبودية. والإنسان يستشعر في نفسه أحيانا القدرة على الاختيار والترجيح أو فعل الشيء أو الامتناع عنه بإرادته، لكنه يعلم من جهة أخرى أن لحوادث العالم الطبيعي نظاما عِليّا حتميا لا مكان فيه للصدفة أو العبث، أفلا تخضع حرية اختياره لعلل وأسباب تشرطها بدورها؟ هل الحرية هي الاستقلال عن المحددات والحتميات أم مجرد وعي بها؟ كيف يستقيم القول بحرية الإرادة مع القول بحتمية الحوادث؟
معالجة الإشكال:
1- الإرادة بوصفها علة أولى وابتداءا مطلقا
الحرية أولا هي حرية الإرادة بوصفها مصدر الفعل الحر. والإرادة أن يشعر الفاعل بالغرض الذي يريد بلوغه، وأن يتوقف عن النزوع إليه توقفا مؤقتا، وأن يتصور الأسباب الداعية إليه، و الأسباب الصادة عنه وأن يدرك قيمة هذه الأسباب، ويعتمد عليها في عزمه، وأن ينفذ الفعل في النهاية أو يكف عنه. وقدرته على الاختيار بين التنفيذ والكف هي جوهر الإرادة، أو ما يسمى بــ "حرية الاختيار" وهي القول أن فعل الإنسان متولد من إرادته. قال بوسييه Bossuet: "كلما بحثت في أعماق نفسي عن السبب الذي يدفعني إلى الفعل لم أجد فيها غير إرادتي"، بمعنى أن اختبار حرية الإرادة يتم في الغالب عن طريق استبطان داخلي للنفس اعتمد عليه ديكارت بدوره ليعلن أنه يجد في نفسه حرية الاختيار أو إرادة لا يماثلها شيء في لا محدوديتها بل هي الدليل على أن الإنسان على صورة الله ومثاله؛ ويعرف ديكارت الإرادة بأنها القدرة على فعل الشيء او الامتناع عنه، إثبات أو نفي ما يعرض للذهن من أفكار أو تصورات بمحض الاختيار دون الإحساس بضغط من الخارج يملي هذه أو تلك. وقد اختبر ديكارت لا محدودية حرية الإرادة في فعل الشك الذي أقدم عليه! ذلك أنه وجد في نفسه القدرة على رفض كل الحقائق والشك في كل المعارف التي تشبثت بنفسه منذ الطفولة... بل إن الخطأ أوضح صور حرية الإرادة: فنحن لا نخطئ إلا لكوننا أحرارا لأن الخطأ ناجم عما تتمتع به الإرادة من قدرة على الحكم بشيء لا تتوفر بصدده على الدلائل الكافية من العقل.
2- حرية الإرادة وهم ناتج عن جهل بسلسلة الحتميات
يقوم التصور الديكارتي على فرضية مفادها أن الإنسان مملكة داخل مملكة الطبيعة، مستقل عن سلطانها. وهو ما ترفضه كل فلسفات الحتمية التي تنطلق من وجود علاقة سببية ضرورية بين حوادث العالم بما في ذلك الحوادث النفسية (الرغبات، الأفكار، الاختيارات...) التي هي بدورها معلولات لأسباب خارجية، فحوادث العالم الخارجي عند ابن رشد مثلا تجري على نظام محدود ترتيب منضود لا تخرج عنه، والإرادة والأفعال لا تتم إلا بموافقة الأسباب الخارجية، لأن أفعالنا ناتجة عن تلك الأسباب الخارجية، وكل معلول إنما يكون عن أسباب محدودة ومقدرة، يكون بالضرورة محدودا ومقدرا بدوره. ومثال ذلك أن أنه إذا ورد علينا أمر مشتهى من خارج اشتهيناه بالضرورة من غير اختيار، مثلما أنه إن ورد أمر مكروه من خارج كرهناه وهربنا منه بالضرورة
ولكن من أين ينبع هذا الإحساس الداخلي القوي بالحرية رغم ذلك !؟
ينطلق اسبينوزا في جوابه على هذا السؤال من نفس ما انطلق منه ابن رشد، وهو أن كل شيء كيفما كان محدد بعلة خارجية تتحكم في وجوده وفعله باستثناء الجوهر أو الله الذي هو علة وجوده، فلا يتصرف إلا وفق الضرورة التي تمليها طبيعته، أما بقية الموجودات وخصوصا البشر، فإن الحرية التي يتفاخرون بامتلاكها لا تعدو أن تكون وهما ناتجا عن الجهل: أي عن وعيهم برغباتهم وجهلهم بالعلل التي تجعلهم يرغبون في شيء من الأشياء.
لا وجود إذن لفعل حر بمعنى فعل لاعلة له تحدده، والحرية الوحيدة الممكنة هي وعي هذه الضرورة، والتصرف وفق الطبيعة الجوهرية للإنسان أي الطبيعة العاقلة، لذلك قيل إن الحرية هي الحد الأقصى لاستقلال الإرادة العالمة بذاتها المدركة لغاياتها. وقيل أيضا إن الحرية هي علية النفس العاقلة. ومعنى ذلك أن الفاعل الحر هو الذي يقيد نفسه بعقله وإرادته، ويعرف كيف يستعمل ما لديه من طاقة وكيف يتنبأ بالنتائج وكيف يقرنها ببعضها البعض وكيف يحكم عليها ، فحريته ليست مجردة من كل قيد ولا هي غير متناهية، بل هي تابعة لشروط متغيرة توجب تحديدها وتخصيصها
فقرة انتقالية من المحور الأول إلى المحور الثاني:
لقد أخطأ الثراث الفلسفي عند مقاربته لإشكالية الحرية من خلال مفاهيم الإرادة والاختيار والحتمية حسب حنا آرندت : فبدل توضيح هذه الإشكالية، عمل على نقلها من حقلها الأصلي أي مجال التجربة الإنسانية و مجال السياسة إلى مجال داخلي يتمثل في الإرادة، وبذلك أذيبت الحرية ضمن بقية القضايا الميتافيزيقية كالزمان والعدم والنفس... والحال أنه من غير الممكن أن نختبر الحرية ونقيضها أثناء الاستبطان أي ذلك الحوار الذي يجري بيني وبين ذاتي والذي تتولد من خلاله القضايا الفلسفية والميتافيزيقية الكبرى
المحور الثاني: الحرية والقانون أو البعد السياسي للحرية
طرح الإشكال:
رأينا مع حنا آرندت في معرض نقدها للتناول الميتافيزيقي للحرية: إننا لا نعي الحرية في إطار علاقتنا بذواتنا، بل في خضم تفاعلنا مع الغير. إذا صح ذلك، ألن يكون وجود هذا الغير في حد ذاته حدا من حريتي بفعل القانون الذي ينظم علاقتي به؟ إذا كانت الحرية نقيضا للقيود والموانع، فكيف لها أن تتعايش مع القانون الذي هو مرادف لفكرة القيود؟
معالجة الإشكال:
1-القانون كشرط لوجود الحرية ( ما ينبغي أن يكون)
قد يحلم الواحد منا بحرية مطلقة دون حدود، يفعل بواسطتها ما يشاء دون قيد من مجتمع أو قانون، بيد أننا ننسى بأن وجودنا الطبيعي نفسه يقتضي الخضوع لقوانين ! مثل قوانين الفيزياء كالجاذبية وقوانين البيولوجيا كاندثار الخلايا؛ ثم إن هذا الحلم يتضمن تناقضا غالبا ما لا يعييه صاحبه: صحيح أن كل فرد يتمتع خارج القانون أو المجتمع المدني بحرية كاملة – كما يقول توماس هوبز - لكنها حرية غير مجدية، لأنها في الوقت الذي تمنحنا امتياز فعل كل ما نهواه، تمنح الآخرين بدورهم قوة إيذائنا كما يريدون.
إذن فلا وجود قطعا لحرية بدون قوانين. بل إن وجود قوانين يخضع لها الجميع هو الذي يضمن الحرية للفرد والشعب معا. سيكون للشعب الحر رؤساء، لا مفر من ذلك فهذا مما تقتضيه ضرورات التنظيم والعيش الجماعي المشترك ولكن لن يكون له أسياد، كما قال روسو، إنه يخضع للقوانين، وللقوانين وحدها، وبفضل قوة القانون لا يخضع للبشر. وحيث أن القانون تعبير عن الإرادة العامة، فإنني عندما أخضع للجميع، فأنا في الواقع لا أخضع لأي أحد، وإنما أخضع لكيان معنوي أنا نفسي جزء منه. وإذا كان الخضوع للقانون يحد من سلطاننا وقدراتنا، فقد كشف مونتيكسيو عن النزوع الدفين الذي يسكن كل ذي سلطة أو قدرة ألا وهو الميل إلى الشطط في استعمال قدرته وسلطته، وسيسترسل في ذلك إلى أن يلاقي حدودا. لابد إذن للحرية من حدود. والحرية كما قال مونتيكسيو هي حق فعل كل ما تبيحه القوانين، ولا يمكن للحرية أن تقوم في الدولة على غير القدرة على فعل ما يجب أن نريده وعلى عدم الإكراه على فعل ما لا يجب أن نريده.
2- القانون والدولة كإلغاء للحرية: نموذج الأنظمة الكليانية ( ما هو كائن)
لا وجود قطعا لحرية بدون قوانين. هذا المبدأ هو خلاصة المواقف السابقة التي التي اتخدت من الديمقراطية وحقوق الإنسان رهانا لها. ومن المفارقات أن الاستبداد والطغيان يستعمل بدوره مبدأ ضرورة القانون لوجود الحرية من أجل إلغاء هذه الأخيرة بحجة أن السلم أثمن من الحرية، وأن الغاية القصوى لوجود القانون نفسه هو حماية السلم من الحرية التي تهدده بفوضاها. وقد رد روسو ساخرا ذات مرة على من يدعي أن تقليص الحرية يهدف إلى الحفاظ على السلم والأمن: نعم، سنحصل على السلم والهدوء ولكنه هدوء المقابر !
يكمن سر هذه المفارقة في أن علاقة القانون بالحرية تقوم على نوع من المقايضة عبر عنها بنيامين كونسطان بقوله: "يقبل كل فرد التضحية بجزء من ثروته على شكل ضرائب لسد النفقات العمومية والتي يكون هدفها ضمان تمتعه بما تبقى من ثروته بسلام، و بنفس الشكل يقبل المرء التضحية بجزء من حريته لضمان ما تبقى منها، ولكن إن اكتسحت الدولة كل مجال لحريته فلتن يعود للتضحية معنى، كأنها تطالبه بدفع كل ثروته ! إن المذهب القائل بالامتثال اللامحدود للقانون في عهد الاستبداد والانقلابات الثورية قد أضر بالناس أكثر مما أضرت بهم الأخطاء والضلالات الأخرى"
و هذا المذهب الذي حذر منه كونسطان في بدايات القرن 19 تجسد في القرن العشرين في ظاهرة الأنظمة الشمولية الكليانية التي تصفها حنا آرندت بالظاهرة الفريدة غير المسبوقة في كتابها " أصول الكليانية": تعمد هذه الأنظمة الاستبدادية إلى اعتقال رعاياها وحبسهم داخل بيوتهم الضيقة، مانعة بذلك ميلاد حياة عمومية، لا يمكن للحرية أن تتجلى بدونها، مستعملة من أجل ذلك الدعاية والأيديولوجيا والتأطير المذهبي لتحول المواطن إلى مجرد رقم نكرة، إلى فرد داخل الجمع homme de masse
قد يقال أن الحرية تظل مع ذلك رغبة أو إرادة أو طموحا يسكن أفئدة الناس، بيد أن الحرية و قبل أن تكون صفة للفكر أو سمة من سمات الإرادة، فإنها أولا وقبل كل شيء وضع للإنسان الحر. لا يوجد في نظر آرندت سوى شكل وحيد للحرية وهي الحرية الملموسة في العالم: حرية التنقل و الخروج من المنزل والالتقاء بالغي
لا تجد كالحرية كلمة دلت على معان مختلفة كما يقول مونتيكسيو، ويتجسد ذلك في الأبعاد الكثيرة للحرية
سنتناول الحرية في هذا الملخص من زاويتين أو بعدين فقط:
- البعد الميتافيزيقي للحرية؛
- البعد السياسي الملموس للحرية.
أما عن البعد الأخلاقي للحرية، فلتراجع درسالواجب وخصوصا المحور الأول (الواجب والإكراه)
أما عن البعد أو التناول العلمي للحرية، فأنظر المحور الثالث من درس الشخص ( الحتميات النفسية والاجتماعية الشارطة للشخص التي كشفت عنها العلوم الإنسانية)
- أما عن البعد التاريخي للحرية، فيرجى الرجوع إلى درس التاريخ وخصوصا المحور الثالث: دور الإنسان في التاريخ
المحور الأول: الحرية بين الإرادة والحتمية أو البعد الميتافيزيقي للحرية.
ملحوظة:يسمى هذا البعد ميتافيزيقيا لأنه يتناول الحرية بشكل مجرد من حيث المبدأ العام لا في وضعية محددة ومخصوصة، أي حرية ذات من حيث أنها تتمتع بالإرادة.
مفاهيم لابد من استيعاب دلالتها قبل المضي قدما:
الحتمية:
وجود علاقات ضرورية ثابتة في الطبيعة توجب ان تكون كل ظاهرة من ظواهرها مشروطة بما يتفدمها او يصحبها من الظواهر الأخرى، وأن كل حادث يسبقه سبب يحتم وجوده على نحو دون آخر؛ والحتمية بالمعنى الفلسفي مذهب يرى ان جميع حوادث العالم وبخاصة أفعال الإنسان، مرتبطة ببعضها ارتباطا محكما
الإرادة و حرية الاختيار:
حرية الاختيار :libre arbitre القدرة على الاختيار بين أحد المقدورين أو اتصاف الإرادة بالقدرة على الفعل دون التقيد بأسباب خارجية. وهذا يدل على وجود تلازم بين معاني الحرية واللاتعين واللاحتمية، وإذا سلمنا بحرية الاختيار، وجعلناها مقصورة على الأحوال التي تتساوى فيها الأسباب المتعارضة، حصلنا على معنى آخر للحرية وهو حرية اللامبالاة وقد عرفوها بقولهم: هي القدرة على الاختيار من غير مرجح
طرح الإشكال:
الحرية خاصية موجود خالص من القيود، عامل بإرادته أو طبيعته، وتقابلها مفاهيم القيد والحتمية والضرورة والخضوع والعبودية. والإنسان يستشعر في نفسه أحيانا القدرة على الاختيار والترجيح أو فعل الشيء أو الامتناع عنه بإرادته، لكنه يعلم من جهة أخرى أن لحوادث العالم الطبيعي نظاما عِليّا حتميا لا مكان فيه للصدفة أو العبث، أفلا تخضع حرية اختياره لعلل وأسباب تشرطها بدورها؟ هل الحرية هي الاستقلال عن المحددات والحتميات أم مجرد وعي بها؟ كيف يستقيم القول بحرية الإرادة مع القول بحتمية الحوادث؟
معالجة الإشكال:
1- الإرادة بوصفها علة أولى وابتداءا مطلقا
الحرية أولا هي حرية الإرادة بوصفها مصدر الفعل الحر. والإرادة أن يشعر الفاعل بالغرض الذي يريد بلوغه، وأن يتوقف عن النزوع إليه توقفا مؤقتا، وأن يتصور الأسباب الداعية إليه، و الأسباب الصادة عنه وأن يدرك قيمة هذه الأسباب، ويعتمد عليها في عزمه، وأن ينفذ الفعل في النهاية أو يكف عنه. وقدرته على الاختيار بين التنفيذ والكف هي جوهر الإرادة، أو ما يسمى بــ "حرية الاختيار" وهي القول أن فعل الإنسان متولد من إرادته. قال بوسييه Bossuet: "كلما بحثت في أعماق نفسي عن السبب الذي يدفعني إلى الفعل لم أجد فيها غير إرادتي"، بمعنى أن اختبار حرية الإرادة يتم في الغالب عن طريق استبطان داخلي للنفس اعتمد عليه ديكارت بدوره ليعلن أنه يجد في نفسه حرية الاختيار أو إرادة لا يماثلها شيء في لا محدوديتها بل هي الدليل على أن الإنسان على صورة الله ومثاله؛ ويعرف ديكارت الإرادة بأنها القدرة على فعل الشيء او الامتناع عنه، إثبات أو نفي ما يعرض للذهن من أفكار أو تصورات بمحض الاختيار دون الإحساس بضغط من الخارج يملي هذه أو تلك. وقد اختبر ديكارت لا محدودية حرية الإرادة في فعل الشك الذي أقدم عليه! ذلك أنه وجد في نفسه القدرة على رفض كل الحقائق والشك في كل المعارف التي تشبثت بنفسه منذ الطفولة... بل إن الخطأ أوضح صور حرية الإرادة: فنحن لا نخطئ إلا لكوننا أحرارا لأن الخطأ ناجم عما تتمتع به الإرادة من قدرة على الحكم بشيء لا تتوفر بصدده على الدلائل الكافية من العقل.
2- حرية الإرادة وهم ناتج عن جهل بسلسلة الحتميات
يقوم التصور الديكارتي على فرضية مفادها أن الإنسان مملكة داخل مملكة الطبيعة، مستقل عن سلطانها. وهو ما ترفضه كل فلسفات الحتمية التي تنطلق من وجود علاقة سببية ضرورية بين حوادث العالم بما في ذلك الحوادث النفسية (الرغبات، الأفكار، الاختيارات...) التي هي بدورها معلولات لأسباب خارجية، فحوادث العالم الخارجي عند ابن رشد مثلا تجري على نظام محدود ترتيب منضود لا تخرج عنه، والإرادة والأفعال لا تتم إلا بموافقة الأسباب الخارجية، لأن أفعالنا ناتجة عن تلك الأسباب الخارجية، وكل معلول إنما يكون عن أسباب محدودة ومقدرة، يكون بالضرورة محدودا ومقدرا بدوره. ومثال ذلك أن أنه إذا ورد علينا أمر مشتهى من خارج اشتهيناه بالضرورة من غير اختيار، مثلما أنه إن ورد أمر مكروه من خارج كرهناه وهربنا منه بالضرورة
ولكن من أين ينبع هذا الإحساس الداخلي القوي بالحرية رغم ذلك !؟
ينطلق اسبينوزا في جوابه على هذا السؤال من نفس ما انطلق منه ابن رشد، وهو أن كل شيء كيفما كان محدد بعلة خارجية تتحكم في وجوده وفعله باستثناء الجوهر أو الله الذي هو علة وجوده، فلا يتصرف إلا وفق الضرورة التي تمليها طبيعته، أما بقية الموجودات وخصوصا البشر، فإن الحرية التي يتفاخرون بامتلاكها لا تعدو أن تكون وهما ناتجا عن الجهل: أي عن وعيهم برغباتهم وجهلهم بالعلل التي تجعلهم يرغبون في شيء من الأشياء.
لا وجود إذن لفعل حر بمعنى فعل لاعلة له تحدده، والحرية الوحيدة الممكنة هي وعي هذه الضرورة، والتصرف وفق الطبيعة الجوهرية للإنسان أي الطبيعة العاقلة، لذلك قيل إن الحرية هي الحد الأقصى لاستقلال الإرادة العالمة بذاتها المدركة لغاياتها. وقيل أيضا إن الحرية هي علية النفس العاقلة. ومعنى ذلك أن الفاعل الحر هو الذي يقيد نفسه بعقله وإرادته، ويعرف كيف يستعمل ما لديه من طاقة وكيف يتنبأ بالنتائج وكيف يقرنها ببعضها البعض وكيف يحكم عليها ، فحريته ليست مجردة من كل قيد ولا هي غير متناهية، بل هي تابعة لشروط متغيرة توجب تحديدها وتخصيصها
فقرة انتقالية من المحور الأول إلى المحور الثاني:
لقد أخطأ الثراث الفلسفي عند مقاربته لإشكالية الحرية من خلال مفاهيم الإرادة والاختيار والحتمية حسب حنا آرندت : فبدل توضيح هذه الإشكالية، عمل على نقلها من حقلها الأصلي أي مجال التجربة الإنسانية و مجال السياسة إلى مجال داخلي يتمثل في الإرادة، وبذلك أذيبت الحرية ضمن بقية القضايا الميتافيزيقية كالزمان والعدم والنفس... والحال أنه من غير الممكن أن نختبر الحرية ونقيضها أثناء الاستبطان أي ذلك الحوار الذي يجري بيني وبين ذاتي والذي تتولد من خلاله القضايا الفلسفية والميتافيزيقية الكبرى
المحور الثاني: الحرية والقانون أو البعد السياسي للحرية
طرح الإشكال:
رأينا مع حنا آرندت في معرض نقدها للتناول الميتافيزيقي للحرية: إننا لا نعي الحرية في إطار علاقتنا بذواتنا، بل في خضم تفاعلنا مع الغير. إذا صح ذلك، ألن يكون وجود هذا الغير في حد ذاته حدا من حريتي بفعل القانون الذي ينظم علاقتي به؟ إذا كانت الحرية نقيضا للقيود والموانع، فكيف لها أن تتعايش مع القانون الذي هو مرادف لفكرة القيود؟
معالجة الإشكال:
1-القانون كشرط لوجود الحرية ( ما ينبغي أن يكون)
قد يحلم الواحد منا بحرية مطلقة دون حدود، يفعل بواسطتها ما يشاء دون قيد من مجتمع أو قانون، بيد أننا ننسى بأن وجودنا الطبيعي نفسه يقتضي الخضوع لقوانين ! مثل قوانين الفيزياء كالجاذبية وقوانين البيولوجيا كاندثار الخلايا؛ ثم إن هذا الحلم يتضمن تناقضا غالبا ما لا يعييه صاحبه: صحيح أن كل فرد يتمتع خارج القانون أو المجتمع المدني بحرية كاملة – كما يقول توماس هوبز - لكنها حرية غير مجدية، لأنها في الوقت الذي تمنحنا امتياز فعل كل ما نهواه، تمنح الآخرين بدورهم قوة إيذائنا كما يريدون.
إذن فلا وجود قطعا لحرية بدون قوانين. بل إن وجود قوانين يخضع لها الجميع هو الذي يضمن الحرية للفرد والشعب معا. سيكون للشعب الحر رؤساء، لا مفر من ذلك فهذا مما تقتضيه ضرورات التنظيم والعيش الجماعي المشترك ولكن لن يكون له أسياد، كما قال روسو، إنه يخضع للقوانين، وللقوانين وحدها، وبفضل قوة القانون لا يخضع للبشر. وحيث أن القانون تعبير عن الإرادة العامة، فإنني عندما أخضع للجميع، فأنا في الواقع لا أخضع لأي أحد، وإنما أخضع لكيان معنوي أنا نفسي جزء منه. وإذا كان الخضوع للقانون يحد من سلطاننا وقدراتنا، فقد كشف مونتيكسيو عن النزوع الدفين الذي يسكن كل ذي سلطة أو قدرة ألا وهو الميل إلى الشطط في استعمال قدرته وسلطته، وسيسترسل في ذلك إلى أن يلاقي حدودا. لابد إذن للحرية من حدود. والحرية كما قال مونتيكسيو هي حق فعل كل ما تبيحه القوانين، ولا يمكن للحرية أن تقوم في الدولة على غير القدرة على فعل ما يجب أن نريده وعلى عدم الإكراه على فعل ما لا يجب أن نريده.
2- القانون والدولة كإلغاء للحرية: نموذج الأنظمة الكليانية ( ما هو كائن)
لا وجود قطعا لحرية بدون قوانين. هذا المبدأ هو خلاصة المواقف السابقة التي التي اتخدت من الديمقراطية وحقوق الإنسان رهانا لها. ومن المفارقات أن الاستبداد والطغيان يستعمل بدوره مبدأ ضرورة القانون لوجود الحرية من أجل إلغاء هذه الأخيرة بحجة أن السلم أثمن من الحرية، وأن الغاية القصوى لوجود القانون نفسه هو حماية السلم من الحرية التي تهدده بفوضاها. وقد رد روسو ساخرا ذات مرة على من يدعي أن تقليص الحرية يهدف إلى الحفاظ على السلم والأمن: نعم، سنحصل على السلم والهدوء ولكنه هدوء المقابر !
يكمن سر هذه المفارقة في أن علاقة القانون بالحرية تقوم على نوع من المقايضة عبر عنها بنيامين كونسطان بقوله: "يقبل كل فرد التضحية بجزء من ثروته على شكل ضرائب لسد النفقات العمومية والتي يكون هدفها ضمان تمتعه بما تبقى من ثروته بسلام، و بنفس الشكل يقبل المرء التضحية بجزء من حريته لضمان ما تبقى منها، ولكن إن اكتسحت الدولة كل مجال لحريته فلتن يعود للتضحية معنى، كأنها تطالبه بدفع كل ثروته ! إن المذهب القائل بالامتثال اللامحدود للقانون في عهد الاستبداد والانقلابات الثورية قد أضر بالناس أكثر مما أضرت بهم الأخطاء والضلالات الأخرى"
و هذا المذهب الذي حذر منه كونسطان في بدايات القرن 19 تجسد في القرن العشرين في ظاهرة الأنظمة الشمولية الكليانية التي تصفها حنا آرندت بالظاهرة الفريدة غير المسبوقة في كتابها " أصول الكليانية": تعمد هذه الأنظمة الاستبدادية إلى اعتقال رعاياها وحبسهم داخل بيوتهم الضيقة، مانعة بذلك ميلاد حياة عمومية، لا يمكن للحرية أن تتجلى بدونها، مستعملة من أجل ذلك الدعاية والأيديولوجيا والتأطير المذهبي لتحول المواطن إلى مجرد رقم نكرة، إلى فرد داخل الجمع homme de masse
قد يقال أن الحرية تظل مع ذلك رغبة أو إرادة أو طموحا يسكن أفئدة الناس، بيد أن الحرية و قبل أن تكون صفة للفكر أو سمة من سمات الإرادة، فإنها أولا وقبل كل شيء وضع للإنسان الحر. لا يوجد في نظر آرندت سوى شكل وحيد للحرية وهي الحرية الملموسة في العالم: حرية التنقل و الخروج من المنزل والالتقاء بالغي
التاريخ (منقول)
وضعية مشكلة: ما العلاقة بين إحراق طارق بن زياد للسفن عند عبوره إلى إسبانيا، وحراكَة اليوم في قوارب الموت!؟؟
أقرأ هذا الحوار الطريف بين جد وحفيده حول تاريخ المسلمين وعلاقتهم بالغرب، والذي يمكن من خلاله أن يكتشف التلميذ بشكل بسيط، ويطرح بنفسه إشكاليات المحاور الثلاث: المعرفة التاريخية، التاريخ وفكرة التقدم، ودور الإنسان في التاريخ هنــــــــــــــــــــا ذاك هو الشاطئ الإسباني هذا هو القارب ..!مرة ركبه المغربي طارق بن زياد واليوم يركبه المغربي المهاجر السري.لكن لماذا تمر علاقة المغربي، ماضيا وحاضرا، بذلك الشاطئ عبر عملية الحريكَ (أي الإحراق)!!؟
محاور الدرس:
إشكالية المعرفة التاريخية
إشكاليةالتاريخ وفكرة التقدم
دور الإنسان في التاريخ
المحور الأول: إشكالية المعرفة التاريخية
بين يدي الإشكال (تمهيد لفهم الإشكال):
يواجه علم التاريخ ومعه المعرفة التاريخية وضعية فريدة بين العلوم الإنسانية: فهو علم دراسة الماضي، مما يعني أن المؤرخ يدرس واقعا ولى وانقضى كما يقول ريمون آرون، واقعا تفصله عنه مسافة زمنية وثقافية، واقعا لم يعد له وجود! فما يوجد اليوم وجودا ماديا فيزيائيا ينحصر في الآثار والوثائق. يتعين على المؤرخ إذن أن ينطق ويستنطق وينتقي هذه "المخلفات" ليعيد بناء الوقائع التاريخية مما يجعل من المعرفة التاريخية معرفة مبناة بامتياز
طرح الإشكال:
ضمن أية شروط تكون المعرفة التاريخية المبناة مطابقة لموضوعها أي للحدث كما وقع فعلا؟ ما هي شروط إمكان المعرفة التاريخية كمعرفة علمية؟ هل يمكن للمؤرخ أن يستفيد من المسافة الزمنية التي تفصله عن الواقعة التاريخية وعن الفاعلين التاريخيين ليتناول مادة علمه بموضوعية بعيدا عن الذاتية أم أن دراسة الماضي لاتتم إلا بدافع من انشغالات الحاضر وضمن ايديولوجياته؟ كيف للمعرفة التاريخية أن تستعيد ليس فقط الواقعة التاريخية في بعدها الحدثي المادي بل وأيضا "أحداث الوعي"أي نيات الفاعلين ومقاصدهم ومحتويات وعيهم؟
وضعية مشكلةصورة للتأمل: المؤرخ أمام مهمة بناء الواقعة التاريخية!!
كيف للمؤرخ أن يستخرج الحياة مما لاحياة فيه!؟ يذهب العلم من الأسباب إلى النتائج، بينما يضطر المؤرخ إلى الذهاب من النتائج إلى الأسباب ... إعادة بناء الواقعة التاريخية
مخلفات الماضي: مراسلات ديبلوماسية كوثائق محفوظة في الأرشيف وإلى اليسار أطلال رومانية.
معالجة الإشكال:
مثلما حذر بورديو من السوسيولوجيا العفوية أي تلك المعرفة الاجتماعية التلقائية التي يملكها الفاعل الاجتماعي حول الظواهر الاجتماعية من حوله، يتعين على المؤرخ أيضا أن يحذر من المعرفة التاريخية العفوية التي يدعوها ابن خلدون بظاهر علم التاريخ وهي تلك المعرفة التي يملكها كل واحد عن الماضي في شكل روايات وأخبار تتداولها وتتناقلها الأجيال. لايكون التاريخ علما إلا بوصفه نقدا وتفسيرا. فالنقد يتجلى في تمحيص وتحقيق هذه الروايات وسبرها بمعيار الحكمة و تحكيم النظر و البصيرة في الأخبار وفحصها على ضوء أصول العادة و قواعد السياسة و طبيعة العمران و الأحوال في الاجتماع الإنساني و الوقوف على طبائع الكائنات وقياس الغائب على الشاهد.
ولكن تحقيق الخبر التاريخي يحتاج أيضا إلى تفسيره للكشف عن علة ومنطق الأحداث التاريخية المتضمنة فيه والمبدأ المتحكم في حدوثها وتعاقبها...
نص ابن خلدون : من الرواية إلى المعرفة التاريخية: أهمية المنهج النقدي
فإن فن التاريخ من الفنون التي (...) تتساوى في فهمه العلماء و الجهال إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأول (...) وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير(...)
اعلم (*) أن فن التاريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم. و الأنبياء في سيرهم. و الملوك في دولهم و سياستهم. حتى تتم فائدة الإقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين و الدنيا فهو محتاج إلى مآخذ متعددة و معارف متنوعة و حسن نظر و تثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق و ينكبان به عن المزلات و المغالط لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل و لم تحكم أصول العادة و قواعد السياسة و طبيعة العمران و الأحوال في الاجتماع الإنساني و لا قيس الغائب منها بالشاهد و الحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور و مزلة القدم و الحيد عن جادة الصدق و كثيراً ما وقع للمؤرخين و المفسرين و أئمة النقل من المغالط في الحكايات و الوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثاً أو سميناً و لم يعرضوها على أصولها و لا قاسوها بأشباهها و لا سبروها بمعيار الحكمة و الوقوف على طبائع الكائنات و تحكيم النظر و البصيرة في الأخبار فضلوا عن الحق و تاهوا في بيداء الوهم و الغلط و لا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال و العساكر إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنة الكذب و مطية الهذر و لا بد من ردها إلى الأصول و عرضها على القواعد.
المصدر: ابن خلدون ، المقدمة
نص إضافي : ابن خلدون-نموذج لتطبيق المنهج النقدي في تحقيق الخبر
و هذا كما نقل المسعودي و كثير من المؤرخين في جيوش بني إسرائيل بأن موسى عليه السلام أحصاهم في التيه بعد أن أجاز من يطيق حمل السلاح خاصة من ابن عشرين فما فوقها فكانوا ستمائة ألف أو يزيدون و يذهل في ذلك عن تقدير مصر و الشام و اتساعهما لمثل هذا العدد من الجيوش لكل مملكة من الممالك حصة من الحامية تتسع لها و تقوم بوظائفها و تضيق عما فوقها تشهد بذلك العوائد المعروفة و الأحوال المألوفة ثم أن مثل هذه الجيوش البالغة إلى مثل هذا العدد يبعد أن يقع بينها زحف أو قتال لضيق مساحة الأرض عنها و بعدها إذا اصطفت عن مدى البصر مرتين أو ثلاثاً أو أزيد فكيف يقتتل هذان الفريقان أو تكون غلبة أحد الصفين و شيىء من جوانبه لا يشعر بالجانب الآخر و الحاضر يشهد لذلك فالماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء.
المصدر: ابن خلدون، المقدمة (من فصل بعنوان : في فضل علم التاريخ و تحقيق مذاهبه و الالماع لما يعرض للمؤرخين من المغالط و ذكر شيىء من أسبابها)
وضعية مشكلةصورة للتأمل:
هذه بالتأكيد معركة حربية. ولكن هل هي جهاد بحري أم قرصنة بحرية!؟ يختلف الجواب حسبما إذا كان المؤرخ ينتمي إلى الضفة الجنوبية أو الشمالية للبحرالمتوسط !!
معركة بحرية
لوحة تظهر معركة بحرية في البحر الأبيض المتوسط بين سفينة موريسكية وأخرى أوروربية حوالي القرن 16
ماهي حدود المنهج النقدي في التاريخ؟ ربما يوحي النقد بأن المؤرخ منكب على موضوعه بتجرد وقد وضعه على طاولة البحث تحت مجهر النقد، ولكن الموضوع ظاهرة إنسانية. والمعركة كما يقول آرون ليست فقط حدثا ماديا فحسب ذلك أن لتصرفات المحاربين دلالاتها ولتصرفات الضباط مقاصد وغايات ونيات...، وباختصار فالمؤرخ يدرس أحداث الوعي أيضا. الا تستدعي المعرفة التاريخية بهذا المعنى نوعا من التعاطف والتفهم من قبل المؤرخ للنفاذ إلى دلالات الواقعة بالنسبة للفاعل التاريخي؟ ولكن ألا تتعارض هذه الذاتية مع مطلب الدراسة العلمية الموضوعية كما يلح عليها الوضعانيون؟ وماهي حدود الدقة التفسيرية التي التي يطمح إليها المؤرخ؟ يرى مارو أن بناء الواقعة التاريخية ثمرة تلاقح بين المنهج النقدي والتعاطف، بحيث يصحح أحد الطرفين إفراط الآخر. والتعاطف أو المشاركة الوجدانية عند مارو خروج المؤرخ من ذاته لملاقاة الغير (التاريخي)، بحيث تقوم بينه وبين موضوعه ضرب من الصداقة لايصح الفهم والتفسير بدونها. إن التعاطف هو مرحلة البناء التي تعقب الهدم الذي يمثله المنهج النقدي
نص مارو : المعرفة التاريخية كخلاصة لمزاوجة دقيقة بين المنهج النقدي والتعاطف
أما وقد وصلنا إلى الحد، فعلينا أن ننظر في الشروط الذاتية التي تسمح يفهم الماضي وتحد منه في نفس الوقت. لقد رأينا كيف أن المؤرخ أشبه ما يكون بالإنسان الذي من خلال الإيبوخي Epoché يعرف كيف يخرج من ذاته لملاقاة الآخر. ومن الممكن أن نسمي هذه الفضيلة بالتعاطف. ولكن مصطلح التعاطف لايفي بالغرض: إذا أراد المؤرخ فهم موضوعه فلابد أن تجمعه بهذا الموضوع صداقة ما، ذلك أننا لانعرف أحدا إلا بواسطة الصداقة حسب عبارة القديس أوغسطين الجميلة. إذا كان الحس النقدي والتعاطف غير متناقضين في حد ذاتهما، فليس من السهل التوفيق بينهما أو العدل بينهما في ذهن العالم. بيد أن بناء الواقعة التاريخية ثمرة لمجهود متظافر وإفراط البعض يعادل تقصير البعض الآخر. ومن المفيد لتقدم علمنا أن يعمل نقد صارم ومجحف أحيانا على إيقاظ تعاطف نائم وهو تنزلق خفية نحو التواطؤ والتساهل. عندما نفحص المساهمة الخاصة بكل واحدة من هاتين المرحلتين في البحث التاريخي، نجد أن التعاطف يضطلع دوما مرحلة البناء، في الوقت الذي يدمر فيه النقد الصرح المؤقت لمعرفة غير تامة، ويضع شرائط إعادة البناء اللاحقة، لكنه في حد ذاته لايضيف للمعرفة التاريخية سوى القليل.
المصدر: H.-I Marrou De la connaissance historique 1954
نص إضافي : مارك بلوخ: الذاتية كشرط لفهم الماضي ودلالاته
ينجم سوء فهم الحاضر من جهلنا بالماضي، غير أنه من العبث الانكباب على محاولة فهم الماضي ونحن نجهل كل شيئ عن الحاضر (...) وإذا كنا نعاين في الحاضر بحواسنا رعشة الحياة البشرية، فإن على المخيلة بذل مجهودات شاقة لنفخ الحياة في هذه النصوص العتيقة. لقد قرأت وسردت مرارا قصص حروب ومعارك، ولكن هل كنت أعرف حقا – بالمعنى الحقيقي للفظ المعرفة – أي هل كنت أعرف من الداخل ماذا يعني الحصار لجيش وماذا تعني الهزيمة لشعب قبل أن اختبر الغثيان المروع لكل ذلك بنفسي؟ وقبل أن استنشق هواء النصر في صيف وخريف 1918 هل كنت أعرف حقا ماذا تعني هذه الكلمة الجميلة؟ الواقع أننا نستمد عن وعي وبدونه من تجاربنا اليومية العناصر التي نستعملها في نهاية المطاف لإعادة بناء الماضي. ولولا أننا نرى من حولنا بشرا يحيون، أي معنى ستتخده الكلمات التي نستعملها لوصف الحالات الشعورية الغابرة والأشكال الاجتماعية المندثرة؟
المصدر: Marc Bloch; Apologie pour l'histoire ou métier d'historien 1949
المحور الثاني: التاريخ وفكرة التقدم
بين يدي الإشكال (تمهيد لفهم الإشكال):
أوضح ابن خلدون بأن ظاهر علم التاريخ لا يختلف عن باطنه في التحقيق والتمحيص فحسب بل يزيد عليه بالتعليل والتفسير أي الكشف عن علل الأحداث ومبادئها. وبذلك يكون التصور الخلدوني جامعا لعلم التاريخ وفلسفة التاريخ معا، لأن هذه الأخيرة تتجاوز تحقيق الوقائع إلى البحث في علة حدوثها ومبدأ تعاقبها بل في منطق ومعنى السيرورة التاريخية ككل.
طرح الإشكال:
هل هناك منطق ثاو خلف تعاقب الأحداث التاريخية أم أن التاريخ هو مملكة الصدفة والعرضي؟ هل هناك معنى لهذه السيرورة وهل التاريخ قابل للتعقل؟ وإذا كانت ثمة منطق للسيرورة التاريخية فهل يمكن أن نستخلص منها غاية التاريخ ونتنبأ بوجهته التي يمضي نحوها ؟ وإذا وجدت غاية للتاريخ أفلا يعني أن صيرورة التاريخ يمضي نحو نهاية التاريخ؟
وضعية مشكلةصورة للتأمل: بأي معنى يمكن الحديث عن تقدم في التاريخ ؟!
يقول ريمون آرون: من السهل إثبات التقدم في المجالين العلمي والتقني، ولكن هل يمكننا الحديث عن التقدم في مجالات السياسة والاقتصاد؟
يمكننا القول أن النشاط الاقتصادي يقاس بمقدار الكمية التي ينتجها كل فرد أو بزيادة الدخل العام، ولكن ليست غاية الاقتصاد إنتاج أكبر قدر من السلع إنما الغاية منه حل مشاكل الفقر وتأمين أوضاع الحياة الانسانيةلأكبر عدد ممكن من الأفراد. ولكن ما من دليل على أن أوضاع تتحسن بقدر مايزيد ألإنتاج العام ولا أن إعادة توزيع المنتجات الجاهزة بين الأفراد يكون عادلا بقدر ماتنمو الثروة الجماعية.
التاريخ والتقدم، ضمن كتاب المجتمع الصناعي ملجأ للمشردين في نيويورك
ملجأ للمشردين في مدينة نيويورك، العاصمة الإقتصادية للدولة صاحبة أكبر اقتصاد عالمي
معالجة الإشكال:
-1 التاريخ الدوري والغياب التام لفكرة التقدم
السيرورة التاريخية في المستوى الخام وقبل كل تفسير هي تعاقب لأحداث. وأبسط أنواع الظواهر المتعاقبة التي يسهل الكشف عن منطقها هي الظواهر الطبيعية الكبرى ( تعاقب الليل والنهار، الفصول، أطوار حياة الكائن...) ولقد اتضح للإنسان مبكرا أن منطقها منطق دوري إذ أن الظواهر تتالى وتتعاقب وتنمو وتندثر لتعود مجددا إلى طورها الأول . لقد استعير هذا المنطق لفهم السيرورة التاريخية فيما يعرف بالعود الأبدي الذي نجده في الكثير من الميثلوجيات وبعض الفلسفات كفلسفة نيتشه تمثل فلسفة التاريخ الخلدونية ونظريته في العصبية نموذجا للتصور الدوري للتاريخ الذي تغيب عنه فكرة التقدم والتراكم. لقد استطاع ابن خلدون أن يلتقط المبدأ المفسر للسيرورة التاريخية أو للعمران البشري متمثلا في أهم مظاهره وهي الظاهرة السياسية أو الدولة. إن العصبية هي العامل المفسر لقيام الدول وانهيارها. والعصبية كما الدولة يبدآن بالفتوة ثم القوة فالهرم والشيخوخة والإندثار: تبدأ الدولة الجديدة كدعوة تتخد من العصبية مصدرا لقوتها داخل قبيلة واحدة تتقوى لتضم تحت سيطرتها قبائل أخرى وبمقدار ماتتسع سطوتها تتحول إلى طور الدولة وما يصاحب ذلك من استقرار وتشييد وتنظيم إداري ومالي وعسكري... ولكن بقدر ما تتوسع مظاهر العمران، تضعف وظيفة العصبية والحاجة إليها لممارسة السلطان. وكأن تطور الدولة يحمل في ذاته بذور تلاشيه: ذلك إن اتساع الرقعة الجغرافية للدولة وعدد جيوشها ودواوينها وتنوع أصناف البذخ يرهق ميزانيتها فيدفعها إلى فرض المزيد من المكوس والضرائب وممارسة صنوف الجور والإفراط... فتدب الإنشقاقات والثورات والوهن في جسمها، مما يوفر الشروط لنشوء دعوة جديدة تنقض عليها لاتزال العصبية فيها فتية قوية... وهكذا دواليك ليبدأ دور أو طور جديد
نص ابن خلدون : من فتوة الدولة إلى قوتها فهرمها: سيرورة دورية cyclique
فلنذكر أولا طروق الخلل في الشوكة و العصبية ثم نرجع إلى طروقه في المال و الجباية.
اعلم أن تمهيد الدولة و تأسيسها كما قلناه إنما يكون بالعصبة و أنه لابد من عصبية كبرى جامعة للعصائب مستتبعة لها و هي عصبية صاحب الدولة الخاصة من عشيرة و قبيلة فإذا جاءت الدولة طبيعة الملك من الترف و جدع أنوف أهل العصبية كان أول ما يجدع أنوف عشيرته و ذري قرباه القاسمين له في اسم الملك فيستبد في جدع أنوفهم (...) فيأخذهم بالقتل و الإهانة و سلب النعمة و الترف الذي تعودوا الكثير منه فيهلكون و يقلون و تفسد عصبيبة صاحب الدولة منهم و هي العصبية الكبرى التي كانت تجمع بها العصائب و تستتبعها فتنحل عروتها و تضعف شكيمتها و تستبدل عنها بالبطانة من موالي النعمة و صنائع الإحسان و تتخذ منهم عصبة إلا أنها ليست مثل تلك الشدة الشكيمية لفقدان الرحم و القرابة منها (...) فتقل الحماية التي تنزل بالأطراف و الثغور فتتجاسر الرعايا على بعض الدعوة في الأطراف و يبادر الخوارج على الدولة من الأعياص و غيرهم إلى تلك الأطراف لما يرجون حينئذ من حصول غرضهم بمبايعة أهل القاصية لهم و أمنهم من وصول الحامية إليهم و لا يزال ذلك يتدرج و نطاق الدولة يتضايق حتى تصير الخوارج في أقرب الأماكن إلى مركز الدولة (...)
و أما الخلل الذي يتطرق من جهة المال فاعلم أن الدولة في أولها تكون بدوية كما مر فيكون خلق الرفق بالرعايا و القصد في النفقات و التعفف عن الأموال (...) ثم يحصل الاستيلاء و يعظم و يستفحل الملك فيدعو إلى الترف و يكثر الإنفاق بسببه فتعظهم نفقات السلطان (...) و يدعو ذلك إلى الزيادة في أعطيات الجند و أرزاق أهل الدولة ثم يعظم الترف فيكثر الإسراف في النفقات (...) و يحتاج السلطان إلى ضرب المكوس على أثمان البياعات في الأسواق لإدرار الجباية (...) ثم تزيد عوائد الترف فلا تفي بها المكوس و تكون الدولة قد استفحلت في الاستطالة و القهر لمن تحت يدها من الرعايا
و يعظم الهرم بالدولة و يتجاسر عليها أهل النواحي و الدولة تنحل عراها في كل طور من هذه إلى أن تفضي إلى الهلال و تتعوض من الاستيلاء الكلل فإن قصدها طالب انتزعها من أيدي القائمين بها و إلا بقيت و هي تتلاشى إلى أن تضمحل كالذبال في السراج إذا فني زيته و طفئ و الله مالك الأمور و مدبر الأكوان لا إله إلا هو.
المصدر: ابن خلدون ، المقدمة
-2 التاريخ وفكرة التقدم
ألا يمكن أن نجد للصيرورة التاريخية منطقا آخرا غير التكرار الدوري الارتدادي الذي يعيد إنتاج نفسه ولا يضيف شيئا؟ ألا تتضمن السيرورة التاريخية نوعا من التراكم بحيث يحتفظ الدور اللاحق بشيء من الدور السابق ويضيف له ويتجاوزه؟ وإذا صح شيء من ذلك فإلى أية وجهة يمضي هذا التراكم والتجاوز؟
يرى "تيودور شانين" أن جاذبية فكرة التقدم تعود إلى بساطتها وتفاؤليتها، فهي تعني أن كل مجتمع يسير نحو الأعلى على طريق طويل بيتعد فيه الفقر والبربرية والاستبداد والجهل ليمضي نحو الثراء والحضارة والديموقراطية والعقل.
تعكس لنا فلسفة التاريخ مع هيغل هذا التفاؤل الذي ميز بالخصوص عصر الأنوار في امكانية تقدم مطرد للجنس البشري نحو مزيد من المعرفة والحرية والسيطرة على الطبيعة، وقد استدمج التصور الهيجيلي مفهوم السلب والنفي ضمن صيرورة جدلية يتجاوز فيها اللاحق السابق و في نفس الوقت يحتفظ في مركب أعلى بما هو جوهري فيه. ولكن هذا "الرقي" يفترض غائية للتاريخ، ومادام التاريخ ليس سوى تجليات لفكرة أو روح تسعى لوعي نفسها وللتطابق مع ذاتها بدءا من أبسط مظاهر الطبيعة وصولا إلى أعقد مظاهر التاريخ وأرقى أشكال المعرفة، فإن التاريخ الكوني هو سيرورة التقدم الذي يحرزه وعي الحرية، ولامناص من الاعتراف بالطابع الضرروري لهذا التقدم والتي هي ضرورة منطقية في العقل قبل أن تكون ضرورة واقعية في التاريخ. بهذا المعنى فحتى مشاهد الدمار وظواهر الحرب ولحظات الكبوات ليست سوى انتكاسات سطحية تخفي التقدم العميق والصامت الذي تخوضه الفكرة وهي تتقدم نحو غايتها المتمثلة في الحرية ( قارن هذه التفاؤلية ونظرتها "الإيجابية للكوارث" مع نص لايبنز، كتاب منار الفلسفة ص 50)
نص هيغل : وراء كوارث التاريخ ونكباته غاية تتقدم نحوها الصيرورة
يشعرنا الجانب السلبي من مشهد التغير بالحزن. وإنه لمحبط أن نعرف أن كل هذه الأبهة والحيوية الجميلة قد اندثرت وتحولت إلى حطام نمشي بين أطلاله. لقد انتزع منا التاريخ أجمل وأنبل شيء، لقد دمرت الأهواء البشرية كل شيء، والزوال مصير كل شيء
. [لنتجاوز]هذه التأملات التي تعكر صفو النفس، ونتساءل: ماهي غاية كل هذه الوقائع المفردة؟ إن غايتها لاتختزل في أهدافها الخاصة، إذ يتوجب على كل شيء أن يساهم بناء الصرح oeuvre فوراء التضحيات الجسيمة للروح توجد غاية نهائية. علينا فقط أن نعرف هل يوجد تحت الموج الهائج في السطح إنجاز خفي صامت يحتفظ في داخله بكل قوة الظواهر [الماضية] ؟ مايحول دون الجواب هو هذا التنوع والتباين الشديد بين هذه المحتويات: لقد شهدنا أشياءا متناقضة يتم تقديسها على أساس أنها تعبر عن مصالح العصر والشعوب. من هنا تظهر الحاجة إلى أن نتخد من الفكرة Idee مبدءا لتفسير هذا الانهيار. ومن هذه الاعتبارات نصل إلى المقولة الثانية: مقولة العقل نفسه. يوجد في الوعي إيمان بالقوة وبالسيطرة اللامتناهية للعقل على العالم. وستقدم لنا دراسة التاريخ نفسه الدليل على ذلك، لأن التاريخ لايعدو عن كونه صورة وإنجازا من إنجازات العقل
المصدر: Hegel, La raison dans l'histoire
-3 نقد فكرة التقدم – ريمون آرون
تتضمن فكرة التقدم بالنسبة لريمون آرون حكما معياريا قيميا ينتقص من صلاحيتها العلمية مفاده أن المجتمع اللاحق أفضل من السابق، علاوة على أنه حكم ذو صلاحية قطاعية لايمكن أن تنسحب على التاريخ برمته: فإذا كنا نعاين في مجالي العلم والتقنية تراكما وتقدما لاسبيل إلى انكارهما لأن طبيعتهما تفرض تقدما يمكن قياسه دون تقييم، فإن إثبات التقدم في مجالات الفن والدين والاقتصاد والسياسة يظل قضية إشكالية.
في النص التالي ينتقد ريمون آرون الخلفية الميثولوجية وكذا الاستعمال السيء لفكرة التقدم داخل فلسفة التاريخ، الهيغيلية منها أو الماركسية، .بل إن نقد آرون يطال أيضا الأطروحات اللاحقة لفوكوياما حول نهاية التاريخ. ذلك أن فكرة التقدم لاتنفصل عن فكرة نهاية التاريخ: فالقول بفكرة التقدم يفترض أولا وجود غائية تاريخية وحتمية ترسم للسيرورة التاريخية مسارها المحدد سلفا بهذه الغائية، ويفترض ثانيا وجود نهاية للتاريخ تمضي نحوها هذه السيرورة بما هي مسيرة نحو الخلاص.
بيد أن فلسفات التقدم تسقط بشكل لامفر منه في نزعة محافظة وتبريرية وذلك في خلطها بين فكرة عقلية ليس لها سوى استعمال معياري وبين شكل متعين قائم من أشكال النظام الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي ( مثلما فعل هيغل حين طابق بين الدولة البروسية والعقل، أو ماركس حين جعل من المرحلة الشيوعية وسيطرة البروليتاريا نهاية الصيرورة التاريخية، أو فوكوياما حين جعل من الديموقراطية الليبرالية نهاية التاريخ...)
ومثلما ميز كانط بين استعمال مشروع وآخر غير مشروع لمقولات العقل وأفكاره، فإن لفكرة التقدم استعمالا مشروعا كفكرة موجهة لطموح الإنسانية في سبيل تجاوز حالة الفقر والعوز الظلم واللامساواة التي لايمكن تبريرها بنسبتها إلى نظام الكون أو مشيئة الإلاه.
نص ريمون آرون : مفهوم التقدم مفهوم نسبي
إن النقد التاريخي لايرفض مفهوم الحتمية أو نهاية التاريخ لذاتهما. ذلك أننا نجد بالفعل في كل حقبة قوى يتوجب علينا التعايش معها ما دمنا عاجزين عن قهرها، وسيولا ينبغي توجيهها إذا كانت محاولة وقفها عبثية. بيد أن لهذا النوع من الاستدلالات خطورته لأنه يتخد أحيانا كذريعة لتبرير الجبن أو الهزيمة.
يستطيع الفيلسوف بل يتوجب عليه أن يكشف عن الخطأ المبدئي المقترف عندما نطبق على التاريخ برمته، استدلالا مقبولا في أحسن الأحوال إذا طبق على حالات محددة.
وبالمثل فإذا كان من الضلال أن نخترع بواسطة الفكر حالة اجتماعية تتحقق فيها جميع التطلعات، فمن المشروع بالمقابل بناء فكرة عقلية لجماعة يسودها العدل والنظام تبرر التاريخ الطويل والشاق الدامي للإنسانية.
يبدو أننا لانستطيع التخلي عن الأمل في مثل هذا المجتمع الذي يرضي طموح الحكيم حيث يعيش الناس وفق مقتضيات العقل، لأن الإنسان، والإنسان الغربي على الخصوص، لم يقبل أبدا تكريس الظلم بنسبته إلى [نظام] الكون أو [مشيئة] الإلاه. لكننا نسقط في نوع من الهذيان المتطرف حالما نطابق بين هذه الفكرة العقلية وسياسة الحزب أو نمط الملكية أو النظام الاقتصادي. [لانفهم] من كون للتاريخ ذا معنى سوى دعوة الإنسان إلى معالجة طبيعته وجعل نظام الحياة المشتركة مطابقا لقوانين العقل، أما إدعاء المعرفة المسبقة بالغاية النهائية وبسبل الخلاص فليس سوى مُداراة للتقدم المتعثر للمعرفة والممارسة بميثولوجيات تاريخية
إنه لتفريط من الإنسان في إنسانيته أن يتخلى عن البحث متوهما أنه قد اهتدى إلى القول الفصل
المصدر: Aron, Dimensions de la conscience historique 1964
المحور الثالث: دور الإنسان في التاريخ:
بين يدي الإشكال (تمهيد لفهم الإشكال):
إن البحث في دور الإنسان في التاريخ لهو استمرار للتساؤل حول منطق التاريخ وغايته، ذلك أن القول بوجود منطق وغاية للتاريخ يقتضي أن الصيرورة التاريخية تمضي وفق مبادئ وقوانين موضوعية مادية أو عقلية بعيدا عن الذاتية المتقلبة للإنسان المفرد أو المسارات المباغتة للصدفة العمياء، أي إحلال عامل أو مبدأ ما محل الإنسان في توجيه دفة التاريخ.
فمن جهة يبدو الإنسان هو صانع تاريخه من خلال بطولة الأبطال وتضحيات المحاربين و ثورات الشعوب، ومن جهة أخرى يبدو أن بطولة هؤلاء وثورات أولئك قد صنعتها ظروف مواتية. هل يمكن مثلا أن نرجع توسع الدولة الإسلامية ماضيا إلى استبسال المسلمين وقوة إيمانهم وشجاعتهم ونفسر إنحسارها اليوم بتخاذلهم وجبنهم أم أن ذاك التوسع وهذا الإنحسار إنما يرجع إلى عوامل اقتصادية وسياسية عالمية تتجاوز الإطار المحلي. من قبيل الاكتشافات الجغرافية والنهضة الأروربية...
طرح الإشكال:
إذا كان المؤرخ لا يعتني بهبوب الرياح قدر اعتنائه بمجهود الإنسان في استخدام قوتها لتوجيه سفنه للتجارة أو شن الحروب، ولايهتم بفيضانات الأنهار إلا من حيث أنها تتقاطع أو تؤثر على حياة إنسانية قائمة بجوارها... فلأن أحداث الماضي لاتكون موضوعا للتاريخ إلا من حيث أن الإنسان هو مُحدثها أو محورها على الأقل. ما حقيقة كون الإنسان "مُحدثا" للحدث التاريخي؟ هل يعني ذلك أن الإنسان هو من يصنع تاريخه ويوجه دفة صيرورته؟ أم أن الصيرورة التاريخية مشروطة بعوامل موضوعية تفوق إرادة الإنسان نفسه الذي ليس سوى جزء من بنية تتجاوز وعيه وإدراكه؟
وضعية مشكلةصورة للتأمل: صنعا التاريخ أم صنعهما التاريخ؟
يقترن إسم هذين الرجلين بحركة الإصلاح الديني التي ساهمت بنصيب وافر في تشكيل ملامح حركة النهضة الأوروبية. هل يعود الأمر إلى عبقرية وإرادة الرجلين وتصميمهما الشخصي أم ان عظمتهما تفسر في استجابتهما لروح العصر، بحيث لم يكونا سوى أداة عابرة لتحقيق غاية بدأت قبلهما واستمرت بعدهما؟
معطيات للإستئناس: بدأت بوادر الإصلاح الديني قبلهما مع "جون ويكليف" في أوكسفود و"جون هس" في براغ ، كما استفاد الإصلاح من أخطاء الكنيسة نفسهاوانشقاقاتها و"استُعمل" الاصلاح سياسيا من طرف الأمراء الأوروبيين في سعيهم للاستقلال عن سلطة الكرسي البابوي، وأخيرا فإن حركة الاصلاح استمرت بعدهما في علاقتها مع عوامل النهضة الأخرى كاختراع المطبعة والكشوفات الجغرافية وإعادة اكتشاف الثراث اليوناني... !!
لوثر وكالفن
جون كالفن ( 1509-1564) و مارتن لوثر(1483-1546)
معالجة الإشكال:
-1 الإنسان مجرد أداة مؤقتة لتحقق الفكرة - هيغل
يرى هيغل أن تاريخ العالم مجرد تمظهر لسعي الروح نحو معرفة ذاته، وإذا كانت البذرة تحوي في ذاتها كامل خصائص الشجرة من مذاق وشكل فاكهة التي ستظهر لاحقا، فإن اللحظات الأولى للتاريخ بما هي آثار أولى للروح تحتوي بالقوة مسبقا أيضا كل التاريخ. ماذا يتبقى إذن للإنسان من دور في تاريخ محدد قبليا؟ لاأهمية للبشر الأفراد عند هيغل إلا بقدر ما يكون هؤلاء أدوات لتحقيق اغراض أسمى، وبقدر ما تتمثل فيهم حقبة من حقب الفكر المطلق. بل إن أبطال التاريخ وعظماءه بدورهم لايحققون إرادتهم الخاصة ولا يسعون لنيل سعادتهم الشخصية بقدر ما يمتثلون لروح العصر التي تستعملهم وتتحقق بهم ومن خلالهم وتجاوزهم
نص هيغل: عظماء التاريخ مجرد أدوات لتحقيق روح العصر
[هؤلاء هم عظماء التاريخ] تمارس الأعمال الجليلة عليهم ومن خلالهم سلطة لا قبل لهم بمقاومتها، حتى لو أحسوها سلطة خارجية وغريبة عنهم، حتى لو تعارضت مع ما يعتقدون أنه إرادتهم الخاصة. ذلك أن الروح المتقدم نحو أشكال جديدة هو نفسه الروح الداخلية للأفراد. لأنه دخيلتهم اللاواعية التي رفعها العظماء إلى مستوى الوعي. منجزاتهم هي المبتغى الحقيقي لإرادة الآخرين، يمارسون على غيرهم سلطة لايملك هؤلاء سوى الإذعان لها رغم معارضتها لإرادتهم الخاصة. وإذا كانوا ينقادون لهداة الروح هؤلاء فلأنهم يستشعرون منهم نداءا لايقاوم صادرا من روحهم الداخلية نفسها.
وإذا تأملنا قدر هاته الشخصيات التاريخية، سنجد أنهم سعدوا بكونهم أدوات لتحقيق غاية تشكل مرحلة في المسيرة المتدرجة للعقل الكوني، ولكنهم لم يشعروا بما نسميه عادة بالسعادة من حيث أنهم أدوات مفردة لهذا الجوهر [الذي يسكنهم] وهم أصلا لم ينشدوها وكل مانالوه من رضى جاء من سعيهم لبلوغ غاياتهم من خلال الكدح الشاق، تلك الغاية الكونية. وحيث أنهم ألفوا أنفسهم منذورين لهذه الغاية الجليلة، فقد هبوا لها بكل جرأة غير أبهين بمعارضة غيرهم لهم. لم يختاروا السعادة بل الشقاء والكفاح والعمل لبلوغ غاياتهم. وعندما أدركوها لم يهنئوا بأية سعادة أو متعة ذلك أن كينونتهم هي فعلهم. وطبيعتهم ومزاجهم يرسمه شغفهم. ما إن بلغوا غايتهم حتى تهاووا كغشاء ثمرة فارغة. من المحتمل أنهم عانوا ليصلوا نهاية الشوط، ولما أدكوه ماتوا شبابا كالإسكندر، غيلة اكقيصر أو منفيين كنابليون. قد نتساءل: ماذا غنموا؟ لقد غنموا مفهومهم، غايتهم وإنجازهم ، ولاشيء غير ذلك وما نعموا بالمتعة والهناء.
المصدر: Hegel, La raison dans l'histoire
2- ماركس: (الشروط المادية)تطور قوى الإنتاج هي المحركة للصيرورة التاريخية
ماهذه الفكرة أو الروح المطلق التي تستعمل البشر - شعوبا وقادة - لتحقق نفسها !؟ في هذه النقطة بالذات تمثل فلسفة التاريخ الماركسية تجاوزا لفلسفة التاريخ الهيغيلية، إذ أن الفكرة أو الروح المطلق التي كانت تتجلى تدريجيا عبر التاريخ وتحرك خيوطه وتسير أبطاله، حلت محلها - في الماركسية - عوامل مادية هي ظروف الإنتاج المادي للحياة بيد أن موقع الذات الإنسانية في التاريخ ظل في الماركسية على ماهو عليه، : ففي الوقت الذي يعتقد الفاعل التاريخي أنه يتصرف وفق ما يختاره من معتقدات دينية أو ما يتبناه من مبادئ سياسية يبين التحليل المادي للتاريخ أن المعتقدات الدينية المبادئ السياسية ماهي إلا انعكاس للبينة التحتية الإقتصادية، أي لمستوى معين من تطور قوى الإنتاج
وإذا كان الوعي هو النمط الوحيد الذي يمكن من خلاله إثبات فعل الإنسان في التاريخ، فإن هذا الوعي نتاج للوجود الاجتماعي وليس العكس، كما يتضح من خلال النص التالي:
نص ماركس: نقد التصور المثالي للحتمية التاريخية عند هيغل
تتأسس تصورنا للتاريخ على قاعدة تطور السيرورة الواقعية للإنتاج، انطلاقا من الانتاج المادي للحياة الفعلية، وننظر إلى شكل العلاقات البشرية في ارتباطها بنمط الانتاج الذي يفرزها. وعلى خلاف التصور المثالي للتاريخ لانرى داعيا للبحث في كل حقبة عن مقولة [عقلية] لأننا نقف باستمرار فوق الأرضية الحقيقة للتاريخ: لانفسر الممارسة انطلاقا من الفكرة، بل نفسر الأفكار انطلاقا من الممارسة المادية (...)
لقد تم لحد الآن تجاهل هذه القاعدة الواقعية للتاريخ ونظر إليها كعنصر ثانوي لاعلاقة له بالصيرورة التاريخية (...) وتم استبعاد علاقة الإنسان بالطبيعة خارج دائرة التاريخ مما خلق تعارضا [مصطنعا] بين الطبيعة والتاريخ. لذا لم تر هذه النظرة المثالية في التاريخ سوى أحداثه الكبرى التاريخية والسياسية اوالحروب الدينية التي تظل خلافات نظرية في نهاية المطاف. وفي دراستها لكل حقبة تاريخية تسقط هذه النظرة ضحية لنفس الوهم المسيطر على أهل تلك الحقبة، إذ يعتقدون أن يتحركون بدوافع سياسية أو دينية في حين أن السياسي والديني ليس سوى مظهر خارجي للمحرك الواقعي.
المصدر: Marx-Engels, L'édeologie allemande (1846) éd 1975
-3 سارتر- الإنسان صانع تاريخه
ولكن إذا كانت الماركسية تقدم نفسها كتحليل علمي للتاريخ يكشف النقاب عن القاعدة المادية المسؤولة في الواقع عن الصيرورة التاريخية، ألا تتيح هذه المعرفة للإنسان الانفلات حتمية هذه الصيرورة؟
يرى سارتر أن الماركسية قد أسيء تأويلها بشكل تبسيطي أو أن إمكانيتها لم تستثمر بشكل كامل: إن الماركسية فلسفة للحرية أو بالأحرى للتحرر ليس فقط للإنسان الفرد بل للطبقة المستغلة بأسرها، ذلك أن التاريخ لايكون قوة غريبة تستلب البشر إلا مادامت دلالة مجهوداتهم غريبة عنهم والحال أن التحليل الماركسي يقدم الأدوات الكفيلة بالتعرف على المنتوج وفهم سيرورته، من خلال مفاهيم قوى الإنتاج ، علاقات الانتاج،الصراع الطبقي، وأشكال الاستيلاب والايديولوجيا... وبذلك تصبح الممارسة الإنسانية ممارسة مستنيرة بالوعي لاممارسة عمياء تنقلب نتائجها ضدها.
نص سارتر: إذا لم أكن أنا صانع التاريخ، فذلك لأن آخر غيري قد صنعه
لكي ننأى بالفكر الماركسي عن الاختزالية والتبسيط، لابد من القول بأن الإنسان في لحظات الاستغلال هو في نفس الوقت نتاج لمنتوجه الخاص و فاعل تاريخي لايمكن اختزاله إلى مجرد منتوج. ولكلا يتخد هذا التناقض مظهرا جامدا، لابد من إدراكه ضمن حركة البراكسيس (الممارسة) نفسها، عندها تتضح دلالة عبارة انجلز: الناس يصنعون تاريخهم انطلاقا من شروط واقعية سابقة على وجودهم ( في عداد هذه الشروط، نجد: السمات المكتسبة، التشوهات المفرضة من طرف نمط الشغل والحياة وكذا الاستيلاب) ولكن البشر هم الذين يصنعون التاريخ وليس الشروط السابقة وإلا تحولوا إلى مجرد آلات تحركها قوى لاإنسانية وتتحكم من خلالهم في الوجود الاجتماعي. صحيح أن هذه الشروط موجودة [مسبقا] وهي وحدها التي تمنح للتغييرات الوشيكة وجهتها ووجودها المادي، بيد أن حركية البراكسيس الإنسانية تتجاوز هذه الشروط وتحتفظ بها.
من المؤكد أن البشر لايعون جيدا الامتدادات الفعلية لإنجازاتهم، وستظل هذه الامتدادات عصية على الإدراك مادامت البروليتاريا وهي الفاعل التاريخي لم تحقق بعد وحدتها ولم تع بعد دورها التاريخي. لكن إذا كان التاريخ ينفلت مني، فليس معنى ذلك أنني لاأصنعه بقدر مايعني أن آخرا غيري قد صنعه بدوره(...) وهكذا فالقول بأن الإنسان يصنع تاريخه يعني أن التاريخ فضاء يتموضع داخله الإنسان ويستلب فيه أيضا. وهكذا سيظل التاريخ بالنسبة للبشر قوة غريبة رغم أنه المنتوج الخاص بمجموع الفاعلية البشرية ماداموا لم يتعرفوا على دلالة مجهوداتهم الناجحة محليا في المنتوج النهائي والموضوعي.
تمثل الماركسية في القرن التاسع عشر أعظم محاولة ليس فقط لصناعة التاريخ بل ولتملكه أيضا عمليا ونظريا من خلال توحيد الطبقة العاملة وترشيد الفعل العمالي من خلال التعرف على السيرورة الرأسمالية والموقع الموضوعي للعمال [داخلها]. بهذا يكتسي التاريخ معناه بالنسبة للإنسان. وبقدر ماتعي البروليتاريا فاعلا تاريخيا تتعرف على نفسها في هذا التاريخ.
المصدر:
أقرأ هذا الحوار الطريف بين جد وحفيده حول تاريخ المسلمين وعلاقتهم بالغرب، والذي يمكن من خلاله أن يكتشف التلميذ بشكل بسيط، ويطرح بنفسه إشكاليات المحاور الثلاث: المعرفة التاريخية، التاريخ وفكرة التقدم، ودور الإنسان في التاريخ هنــــــــــــــــــــا ذاك هو الشاطئ الإسباني هذا هو القارب ..!مرة ركبه المغربي طارق بن زياد واليوم يركبه المغربي المهاجر السري.لكن لماذا تمر علاقة المغربي، ماضيا وحاضرا، بذلك الشاطئ عبر عملية الحريكَ (أي الإحراق)!!؟
محاور الدرس:
إشكالية المعرفة التاريخية
إشكاليةالتاريخ وفكرة التقدم
دور الإنسان في التاريخ
المحور الأول: إشكالية المعرفة التاريخية
بين يدي الإشكال (تمهيد لفهم الإشكال):
يواجه علم التاريخ ومعه المعرفة التاريخية وضعية فريدة بين العلوم الإنسانية: فهو علم دراسة الماضي، مما يعني أن المؤرخ يدرس واقعا ولى وانقضى كما يقول ريمون آرون، واقعا تفصله عنه مسافة زمنية وثقافية، واقعا لم يعد له وجود! فما يوجد اليوم وجودا ماديا فيزيائيا ينحصر في الآثار والوثائق. يتعين على المؤرخ إذن أن ينطق ويستنطق وينتقي هذه "المخلفات" ليعيد بناء الوقائع التاريخية مما يجعل من المعرفة التاريخية معرفة مبناة بامتياز
طرح الإشكال:
ضمن أية شروط تكون المعرفة التاريخية المبناة مطابقة لموضوعها أي للحدث كما وقع فعلا؟ ما هي شروط إمكان المعرفة التاريخية كمعرفة علمية؟ هل يمكن للمؤرخ أن يستفيد من المسافة الزمنية التي تفصله عن الواقعة التاريخية وعن الفاعلين التاريخيين ليتناول مادة علمه بموضوعية بعيدا عن الذاتية أم أن دراسة الماضي لاتتم إلا بدافع من انشغالات الحاضر وضمن ايديولوجياته؟ كيف للمعرفة التاريخية أن تستعيد ليس فقط الواقعة التاريخية في بعدها الحدثي المادي بل وأيضا "أحداث الوعي"أي نيات الفاعلين ومقاصدهم ومحتويات وعيهم؟
وضعية مشكلةصورة للتأمل: المؤرخ أمام مهمة بناء الواقعة التاريخية!!
كيف للمؤرخ أن يستخرج الحياة مما لاحياة فيه!؟ يذهب العلم من الأسباب إلى النتائج، بينما يضطر المؤرخ إلى الذهاب من النتائج إلى الأسباب ... إعادة بناء الواقعة التاريخية
مخلفات الماضي: مراسلات ديبلوماسية كوثائق محفوظة في الأرشيف وإلى اليسار أطلال رومانية.
معالجة الإشكال:
مثلما حذر بورديو من السوسيولوجيا العفوية أي تلك المعرفة الاجتماعية التلقائية التي يملكها الفاعل الاجتماعي حول الظواهر الاجتماعية من حوله، يتعين على المؤرخ أيضا أن يحذر من المعرفة التاريخية العفوية التي يدعوها ابن خلدون بظاهر علم التاريخ وهي تلك المعرفة التي يملكها كل واحد عن الماضي في شكل روايات وأخبار تتداولها وتتناقلها الأجيال. لايكون التاريخ علما إلا بوصفه نقدا وتفسيرا. فالنقد يتجلى في تمحيص وتحقيق هذه الروايات وسبرها بمعيار الحكمة و تحكيم النظر و البصيرة في الأخبار وفحصها على ضوء أصول العادة و قواعد السياسة و طبيعة العمران و الأحوال في الاجتماع الإنساني و الوقوف على طبائع الكائنات وقياس الغائب على الشاهد.
ولكن تحقيق الخبر التاريخي يحتاج أيضا إلى تفسيره للكشف عن علة ومنطق الأحداث التاريخية المتضمنة فيه والمبدأ المتحكم في حدوثها وتعاقبها...
نص ابن خلدون : من الرواية إلى المعرفة التاريخية: أهمية المنهج النقدي
فإن فن التاريخ من الفنون التي (...) تتساوى في فهمه العلماء و الجهال إذ هو في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأول (...) وفي باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق وجدير(...)
اعلم (*) أن فن التاريخ فن عزيز المذهب جم الفوائد شريف الغاية إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم. و الأنبياء في سيرهم. و الملوك في دولهم و سياستهم. حتى تتم فائدة الإقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين و الدنيا فهو محتاج إلى مآخذ متعددة و معارف متنوعة و حسن نظر و تثبت يفضيان بصاحبهما إلى الحق و ينكبان به عن المزلات و المغالط لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل و لم تحكم أصول العادة و قواعد السياسة و طبيعة العمران و الأحوال في الاجتماع الإنساني و لا قيس الغائب منها بالشاهد و الحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور و مزلة القدم و الحيد عن جادة الصدق و كثيراً ما وقع للمؤرخين و المفسرين و أئمة النقل من المغالط في الحكايات و الوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثاً أو سميناً و لم يعرضوها على أصولها و لا قاسوها بأشباهها و لا سبروها بمعيار الحكمة و الوقوف على طبائع الكائنات و تحكيم النظر و البصيرة في الأخبار فضلوا عن الحق و تاهوا في بيداء الوهم و الغلط و لا سيما في إحصاء الأعداد من الأموال و العساكر إذا عرضت في الحكايات إذ هي مظنة الكذب و مطية الهذر و لا بد من ردها إلى الأصول و عرضها على القواعد.
المصدر: ابن خلدون ، المقدمة
نص إضافي : ابن خلدون-نموذج لتطبيق المنهج النقدي في تحقيق الخبر
و هذا كما نقل المسعودي و كثير من المؤرخين في جيوش بني إسرائيل بأن موسى عليه السلام أحصاهم في التيه بعد أن أجاز من يطيق حمل السلاح خاصة من ابن عشرين فما فوقها فكانوا ستمائة ألف أو يزيدون و يذهل في ذلك عن تقدير مصر و الشام و اتساعهما لمثل هذا العدد من الجيوش لكل مملكة من الممالك حصة من الحامية تتسع لها و تقوم بوظائفها و تضيق عما فوقها تشهد بذلك العوائد المعروفة و الأحوال المألوفة ثم أن مثل هذه الجيوش البالغة إلى مثل هذا العدد يبعد أن يقع بينها زحف أو قتال لضيق مساحة الأرض عنها و بعدها إذا اصطفت عن مدى البصر مرتين أو ثلاثاً أو أزيد فكيف يقتتل هذان الفريقان أو تكون غلبة أحد الصفين و شيىء من جوانبه لا يشعر بالجانب الآخر و الحاضر يشهد لذلك فالماضي أشبه بالآتي من الماء بالماء.
المصدر: ابن خلدون، المقدمة (من فصل بعنوان : في فضل علم التاريخ و تحقيق مذاهبه و الالماع لما يعرض للمؤرخين من المغالط و ذكر شيىء من أسبابها)
وضعية مشكلةصورة للتأمل:
هذه بالتأكيد معركة حربية. ولكن هل هي جهاد بحري أم قرصنة بحرية!؟ يختلف الجواب حسبما إذا كان المؤرخ ينتمي إلى الضفة الجنوبية أو الشمالية للبحرالمتوسط !!
معركة بحرية
لوحة تظهر معركة بحرية في البحر الأبيض المتوسط بين سفينة موريسكية وأخرى أوروربية حوالي القرن 16
ماهي حدود المنهج النقدي في التاريخ؟ ربما يوحي النقد بأن المؤرخ منكب على موضوعه بتجرد وقد وضعه على طاولة البحث تحت مجهر النقد، ولكن الموضوع ظاهرة إنسانية. والمعركة كما يقول آرون ليست فقط حدثا ماديا فحسب ذلك أن لتصرفات المحاربين دلالاتها ولتصرفات الضباط مقاصد وغايات ونيات...، وباختصار فالمؤرخ يدرس أحداث الوعي أيضا. الا تستدعي المعرفة التاريخية بهذا المعنى نوعا من التعاطف والتفهم من قبل المؤرخ للنفاذ إلى دلالات الواقعة بالنسبة للفاعل التاريخي؟ ولكن ألا تتعارض هذه الذاتية مع مطلب الدراسة العلمية الموضوعية كما يلح عليها الوضعانيون؟ وماهي حدود الدقة التفسيرية التي التي يطمح إليها المؤرخ؟ يرى مارو أن بناء الواقعة التاريخية ثمرة تلاقح بين المنهج النقدي والتعاطف، بحيث يصحح أحد الطرفين إفراط الآخر. والتعاطف أو المشاركة الوجدانية عند مارو خروج المؤرخ من ذاته لملاقاة الغير (التاريخي)، بحيث تقوم بينه وبين موضوعه ضرب من الصداقة لايصح الفهم والتفسير بدونها. إن التعاطف هو مرحلة البناء التي تعقب الهدم الذي يمثله المنهج النقدي
نص مارو : المعرفة التاريخية كخلاصة لمزاوجة دقيقة بين المنهج النقدي والتعاطف
أما وقد وصلنا إلى الحد، فعلينا أن ننظر في الشروط الذاتية التي تسمح يفهم الماضي وتحد منه في نفس الوقت. لقد رأينا كيف أن المؤرخ أشبه ما يكون بالإنسان الذي من خلال الإيبوخي Epoché يعرف كيف يخرج من ذاته لملاقاة الآخر. ومن الممكن أن نسمي هذه الفضيلة بالتعاطف. ولكن مصطلح التعاطف لايفي بالغرض: إذا أراد المؤرخ فهم موضوعه فلابد أن تجمعه بهذا الموضوع صداقة ما، ذلك أننا لانعرف أحدا إلا بواسطة الصداقة حسب عبارة القديس أوغسطين الجميلة. إذا كان الحس النقدي والتعاطف غير متناقضين في حد ذاتهما، فليس من السهل التوفيق بينهما أو العدل بينهما في ذهن العالم. بيد أن بناء الواقعة التاريخية ثمرة لمجهود متظافر وإفراط البعض يعادل تقصير البعض الآخر. ومن المفيد لتقدم علمنا أن يعمل نقد صارم ومجحف أحيانا على إيقاظ تعاطف نائم وهو تنزلق خفية نحو التواطؤ والتساهل. عندما نفحص المساهمة الخاصة بكل واحدة من هاتين المرحلتين في البحث التاريخي، نجد أن التعاطف يضطلع دوما مرحلة البناء، في الوقت الذي يدمر فيه النقد الصرح المؤقت لمعرفة غير تامة، ويضع شرائط إعادة البناء اللاحقة، لكنه في حد ذاته لايضيف للمعرفة التاريخية سوى القليل.
المصدر: H.-I Marrou De la connaissance historique 1954
نص إضافي : مارك بلوخ: الذاتية كشرط لفهم الماضي ودلالاته
ينجم سوء فهم الحاضر من جهلنا بالماضي، غير أنه من العبث الانكباب على محاولة فهم الماضي ونحن نجهل كل شيئ عن الحاضر (...) وإذا كنا نعاين في الحاضر بحواسنا رعشة الحياة البشرية، فإن على المخيلة بذل مجهودات شاقة لنفخ الحياة في هذه النصوص العتيقة. لقد قرأت وسردت مرارا قصص حروب ومعارك، ولكن هل كنت أعرف حقا – بالمعنى الحقيقي للفظ المعرفة – أي هل كنت أعرف من الداخل ماذا يعني الحصار لجيش وماذا تعني الهزيمة لشعب قبل أن اختبر الغثيان المروع لكل ذلك بنفسي؟ وقبل أن استنشق هواء النصر في صيف وخريف 1918 هل كنت أعرف حقا ماذا تعني هذه الكلمة الجميلة؟ الواقع أننا نستمد عن وعي وبدونه من تجاربنا اليومية العناصر التي نستعملها في نهاية المطاف لإعادة بناء الماضي. ولولا أننا نرى من حولنا بشرا يحيون، أي معنى ستتخده الكلمات التي نستعملها لوصف الحالات الشعورية الغابرة والأشكال الاجتماعية المندثرة؟
المصدر: Marc Bloch; Apologie pour l'histoire ou métier d'historien 1949
المحور الثاني: التاريخ وفكرة التقدم
بين يدي الإشكال (تمهيد لفهم الإشكال):
أوضح ابن خلدون بأن ظاهر علم التاريخ لا يختلف عن باطنه في التحقيق والتمحيص فحسب بل يزيد عليه بالتعليل والتفسير أي الكشف عن علل الأحداث ومبادئها. وبذلك يكون التصور الخلدوني جامعا لعلم التاريخ وفلسفة التاريخ معا، لأن هذه الأخيرة تتجاوز تحقيق الوقائع إلى البحث في علة حدوثها ومبدأ تعاقبها بل في منطق ومعنى السيرورة التاريخية ككل.
طرح الإشكال:
هل هناك منطق ثاو خلف تعاقب الأحداث التاريخية أم أن التاريخ هو مملكة الصدفة والعرضي؟ هل هناك معنى لهذه السيرورة وهل التاريخ قابل للتعقل؟ وإذا كانت ثمة منطق للسيرورة التاريخية فهل يمكن أن نستخلص منها غاية التاريخ ونتنبأ بوجهته التي يمضي نحوها ؟ وإذا وجدت غاية للتاريخ أفلا يعني أن صيرورة التاريخ يمضي نحو نهاية التاريخ؟
وضعية مشكلةصورة للتأمل: بأي معنى يمكن الحديث عن تقدم في التاريخ ؟!
يقول ريمون آرون: من السهل إثبات التقدم في المجالين العلمي والتقني، ولكن هل يمكننا الحديث عن التقدم في مجالات السياسة والاقتصاد؟
يمكننا القول أن النشاط الاقتصادي يقاس بمقدار الكمية التي ينتجها كل فرد أو بزيادة الدخل العام، ولكن ليست غاية الاقتصاد إنتاج أكبر قدر من السلع إنما الغاية منه حل مشاكل الفقر وتأمين أوضاع الحياة الانسانيةلأكبر عدد ممكن من الأفراد. ولكن ما من دليل على أن أوضاع تتحسن بقدر مايزيد ألإنتاج العام ولا أن إعادة توزيع المنتجات الجاهزة بين الأفراد يكون عادلا بقدر ماتنمو الثروة الجماعية.
التاريخ والتقدم، ضمن كتاب المجتمع الصناعي ملجأ للمشردين في نيويورك
ملجأ للمشردين في مدينة نيويورك، العاصمة الإقتصادية للدولة صاحبة أكبر اقتصاد عالمي
معالجة الإشكال:
-1 التاريخ الدوري والغياب التام لفكرة التقدم
السيرورة التاريخية في المستوى الخام وقبل كل تفسير هي تعاقب لأحداث. وأبسط أنواع الظواهر المتعاقبة التي يسهل الكشف عن منطقها هي الظواهر الطبيعية الكبرى ( تعاقب الليل والنهار، الفصول، أطوار حياة الكائن...) ولقد اتضح للإنسان مبكرا أن منطقها منطق دوري إذ أن الظواهر تتالى وتتعاقب وتنمو وتندثر لتعود مجددا إلى طورها الأول . لقد استعير هذا المنطق لفهم السيرورة التاريخية فيما يعرف بالعود الأبدي الذي نجده في الكثير من الميثلوجيات وبعض الفلسفات كفلسفة نيتشه تمثل فلسفة التاريخ الخلدونية ونظريته في العصبية نموذجا للتصور الدوري للتاريخ الذي تغيب عنه فكرة التقدم والتراكم. لقد استطاع ابن خلدون أن يلتقط المبدأ المفسر للسيرورة التاريخية أو للعمران البشري متمثلا في أهم مظاهره وهي الظاهرة السياسية أو الدولة. إن العصبية هي العامل المفسر لقيام الدول وانهيارها. والعصبية كما الدولة يبدآن بالفتوة ثم القوة فالهرم والشيخوخة والإندثار: تبدأ الدولة الجديدة كدعوة تتخد من العصبية مصدرا لقوتها داخل قبيلة واحدة تتقوى لتضم تحت سيطرتها قبائل أخرى وبمقدار ماتتسع سطوتها تتحول إلى طور الدولة وما يصاحب ذلك من استقرار وتشييد وتنظيم إداري ومالي وعسكري... ولكن بقدر ما تتوسع مظاهر العمران، تضعف وظيفة العصبية والحاجة إليها لممارسة السلطان. وكأن تطور الدولة يحمل في ذاته بذور تلاشيه: ذلك إن اتساع الرقعة الجغرافية للدولة وعدد جيوشها ودواوينها وتنوع أصناف البذخ يرهق ميزانيتها فيدفعها إلى فرض المزيد من المكوس والضرائب وممارسة صنوف الجور والإفراط... فتدب الإنشقاقات والثورات والوهن في جسمها، مما يوفر الشروط لنشوء دعوة جديدة تنقض عليها لاتزال العصبية فيها فتية قوية... وهكذا دواليك ليبدأ دور أو طور جديد
نص ابن خلدون : من فتوة الدولة إلى قوتها فهرمها: سيرورة دورية cyclique
فلنذكر أولا طروق الخلل في الشوكة و العصبية ثم نرجع إلى طروقه في المال و الجباية.
اعلم أن تمهيد الدولة و تأسيسها كما قلناه إنما يكون بالعصبة و أنه لابد من عصبية كبرى جامعة للعصائب مستتبعة لها و هي عصبية صاحب الدولة الخاصة من عشيرة و قبيلة فإذا جاءت الدولة طبيعة الملك من الترف و جدع أنوف أهل العصبية كان أول ما يجدع أنوف عشيرته و ذري قرباه القاسمين له في اسم الملك فيستبد في جدع أنوفهم (...) فيأخذهم بالقتل و الإهانة و سلب النعمة و الترف الذي تعودوا الكثير منه فيهلكون و يقلون و تفسد عصبيبة صاحب الدولة منهم و هي العصبية الكبرى التي كانت تجمع بها العصائب و تستتبعها فتنحل عروتها و تضعف شكيمتها و تستبدل عنها بالبطانة من موالي النعمة و صنائع الإحسان و تتخذ منهم عصبة إلا أنها ليست مثل تلك الشدة الشكيمية لفقدان الرحم و القرابة منها (...) فتقل الحماية التي تنزل بالأطراف و الثغور فتتجاسر الرعايا على بعض الدعوة في الأطراف و يبادر الخوارج على الدولة من الأعياص و غيرهم إلى تلك الأطراف لما يرجون حينئذ من حصول غرضهم بمبايعة أهل القاصية لهم و أمنهم من وصول الحامية إليهم و لا يزال ذلك يتدرج و نطاق الدولة يتضايق حتى تصير الخوارج في أقرب الأماكن إلى مركز الدولة (...)
و أما الخلل الذي يتطرق من جهة المال فاعلم أن الدولة في أولها تكون بدوية كما مر فيكون خلق الرفق بالرعايا و القصد في النفقات و التعفف عن الأموال (...) ثم يحصل الاستيلاء و يعظم و يستفحل الملك فيدعو إلى الترف و يكثر الإنفاق بسببه فتعظهم نفقات السلطان (...) و يدعو ذلك إلى الزيادة في أعطيات الجند و أرزاق أهل الدولة ثم يعظم الترف فيكثر الإسراف في النفقات (...) و يحتاج السلطان إلى ضرب المكوس على أثمان البياعات في الأسواق لإدرار الجباية (...) ثم تزيد عوائد الترف فلا تفي بها المكوس و تكون الدولة قد استفحلت في الاستطالة و القهر لمن تحت يدها من الرعايا
و يعظم الهرم بالدولة و يتجاسر عليها أهل النواحي و الدولة تنحل عراها في كل طور من هذه إلى أن تفضي إلى الهلال و تتعوض من الاستيلاء الكلل فإن قصدها طالب انتزعها من أيدي القائمين بها و إلا بقيت و هي تتلاشى إلى أن تضمحل كالذبال في السراج إذا فني زيته و طفئ و الله مالك الأمور و مدبر الأكوان لا إله إلا هو.
المصدر: ابن خلدون ، المقدمة
-2 التاريخ وفكرة التقدم
ألا يمكن أن نجد للصيرورة التاريخية منطقا آخرا غير التكرار الدوري الارتدادي الذي يعيد إنتاج نفسه ولا يضيف شيئا؟ ألا تتضمن السيرورة التاريخية نوعا من التراكم بحيث يحتفظ الدور اللاحق بشيء من الدور السابق ويضيف له ويتجاوزه؟ وإذا صح شيء من ذلك فإلى أية وجهة يمضي هذا التراكم والتجاوز؟
يرى "تيودور شانين" أن جاذبية فكرة التقدم تعود إلى بساطتها وتفاؤليتها، فهي تعني أن كل مجتمع يسير نحو الأعلى على طريق طويل بيتعد فيه الفقر والبربرية والاستبداد والجهل ليمضي نحو الثراء والحضارة والديموقراطية والعقل.
تعكس لنا فلسفة التاريخ مع هيغل هذا التفاؤل الذي ميز بالخصوص عصر الأنوار في امكانية تقدم مطرد للجنس البشري نحو مزيد من المعرفة والحرية والسيطرة على الطبيعة، وقد استدمج التصور الهيجيلي مفهوم السلب والنفي ضمن صيرورة جدلية يتجاوز فيها اللاحق السابق و في نفس الوقت يحتفظ في مركب أعلى بما هو جوهري فيه. ولكن هذا "الرقي" يفترض غائية للتاريخ، ومادام التاريخ ليس سوى تجليات لفكرة أو روح تسعى لوعي نفسها وللتطابق مع ذاتها بدءا من أبسط مظاهر الطبيعة وصولا إلى أعقد مظاهر التاريخ وأرقى أشكال المعرفة، فإن التاريخ الكوني هو سيرورة التقدم الذي يحرزه وعي الحرية، ولامناص من الاعتراف بالطابع الضرروري لهذا التقدم والتي هي ضرورة منطقية في العقل قبل أن تكون ضرورة واقعية في التاريخ. بهذا المعنى فحتى مشاهد الدمار وظواهر الحرب ولحظات الكبوات ليست سوى انتكاسات سطحية تخفي التقدم العميق والصامت الذي تخوضه الفكرة وهي تتقدم نحو غايتها المتمثلة في الحرية ( قارن هذه التفاؤلية ونظرتها "الإيجابية للكوارث" مع نص لايبنز، كتاب منار الفلسفة ص 50)
نص هيغل : وراء كوارث التاريخ ونكباته غاية تتقدم نحوها الصيرورة
يشعرنا الجانب السلبي من مشهد التغير بالحزن. وإنه لمحبط أن نعرف أن كل هذه الأبهة والحيوية الجميلة قد اندثرت وتحولت إلى حطام نمشي بين أطلاله. لقد انتزع منا التاريخ أجمل وأنبل شيء، لقد دمرت الأهواء البشرية كل شيء، والزوال مصير كل شيء
. [لنتجاوز]هذه التأملات التي تعكر صفو النفس، ونتساءل: ماهي غاية كل هذه الوقائع المفردة؟ إن غايتها لاتختزل في أهدافها الخاصة، إذ يتوجب على كل شيء أن يساهم بناء الصرح oeuvre فوراء التضحيات الجسيمة للروح توجد غاية نهائية. علينا فقط أن نعرف هل يوجد تحت الموج الهائج في السطح إنجاز خفي صامت يحتفظ في داخله بكل قوة الظواهر [الماضية] ؟ مايحول دون الجواب هو هذا التنوع والتباين الشديد بين هذه المحتويات: لقد شهدنا أشياءا متناقضة يتم تقديسها على أساس أنها تعبر عن مصالح العصر والشعوب. من هنا تظهر الحاجة إلى أن نتخد من الفكرة Idee مبدءا لتفسير هذا الانهيار. ومن هذه الاعتبارات نصل إلى المقولة الثانية: مقولة العقل نفسه. يوجد في الوعي إيمان بالقوة وبالسيطرة اللامتناهية للعقل على العالم. وستقدم لنا دراسة التاريخ نفسه الدليل على ذلك، لأن التاريخ لايعدو عن كونه صورة وإنجازا من إنجازات العقل
المصدر: Hegel, La raison dans l'histoire
-3 نقد فكرة التقدم – ريمون آرون
تتضمن فكرة التقدم بالنسبة لريمون آرون حكما معياريا قيميا ينتقص من صلاحيتها العلمية مفاده أن المجتمع اللاحق أفضل من السابق، علاوة على أنه حكم ذو صلاحية قطاعية لايمكن أن تنسحب على التاريخ برمته: فإذا كنا نعاين في مجالي العلم والتقنية تراكما وتقدما لاسبيل إلى انكارهما لأن طبيعتهما تفرض تقدما يمكن قياسه دون تقييم، فإن إثبات التقدم في مجالات الفن والدين والاقتصاد والسياسة يظل قضية إشكالية.
في النص التالي ينتقد ريمون آرون الخلفية الميثولوجية وكذا الاستعمال السيء لفكرة التقدم داخل فلسفة التاريخ، الهيغيلية منها أو الماركسية، .بل إن نقد آرون يطال أيضا الأطروحات اللاحقة لفوكوياما حول نهاية التاريخ. ذلك أن فكرة التقدم لاتنفصل عن فكرة نهاية التاريخ: فالقول بفكرة التقدم يفترض أولا وجود غائية تاريخية وحتمية ترسم للسيرورة التاريخية مسارها المحدد سلفا بهذه الغائية، ويفترض ثانيا وجود نهاية للتاريخ تمضي نحوها هذه السيرورة بما هي مسيرة نحو الخلاص.
بيد أن فلسفات التقدم تسقط بشكل لامفر منه في نزعة محافظة وتبريرية وذلك في خلطها بين فكرة عقلية ليس لها سوى استعمال معياري وبين شكل متعين قائم من أشكال النظام الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي ( مثلما فعل هيغل حين طابق بين الدولة البروسية والعقل، أو ماركس حين جعل من المرحلة الشيوعية وسيطرة البروليتاريا نهاية الصيرورة التاريخية، أو فوكوياما حين جعل من الديموقراطية الليبرالية نهاية التاريخ...)
ومثلما ميز كانط بين استعمال مشروع وآخر غير مشروع لمقولات العقل وأفكاره، فإن لفكرة التقدم استعمالا مشروعا كفكرة موجهة لطموح الإنسانية في سبيل تجاوز حالة الفقر والعوز الظلم واللامساواة التي لايمكن تبريرها بنسبتها إلى نظام الكون أو مشيئة الإلاه.
نص ريمون آرون : مفهوم التقدم مفهوم نسبي
إن النقد التاريخي لايرفض مفهوم الحتمية أو نهاية التاريخ لذاتهما. ذلك أننا نجد بالفعل في كل حقبة قوى يتوجب علينا التعايش معها ما دمنا عاجزين عن قهرها، وسيولا ينبغي توجيهها إذا كانت محاولة وقفها عبثية. بيد أن لهذا النوع من الاستدلالات خطورته لأنه يتخد أحيانا كذريعة لتبرير الجبن أو الهزيمة.
يستطيع الفيلسوف بل يتوجب عليه أن يكشف عن الخطأ المبدئي المقترف عندما نطبق على التاريخ برمته، استدلالا مقبولا في أحسن الأحوال إذا طبق على حالات محددة.
وبالمثل فإذا كان من الضلال أن نخترع بواسطة الفكر حالة اجتماعية تتحقق فيها جميع التطلعات، فمن المشروع بالمقابل بناء فكرة عقلية لجماعة يسودها العدل والنظام تبرر التاريخ الطويل والشاق الدامي للإنسانية.
يبدو أننا لانستطيع التخلي عن الأمل في مثل هذا المجتمع الذي يرضي طموح الحكيم حيث يعيش الناس وفق مقتضيات العقل، لأن الإنسان، والإنسان الغربي على الخصوص، لم يقبل أبدا تكريس الظلم بنسبته إلى [نظام] الكون أو [مشيئة] الإلاه. لكننا نسقط في نوع من الهذيان المتطرف حالما نطابق بين هذه الفكرة العقلية وسياسة الحزب أو نمط الملكية أو النظام الاقتصادي. [لانفهم] من كون للتاريخ ذا معنى سوى دعوة الإنسان إلى معالجة طبيعته وجعل نظام الحياة المشتركة مطابقا لقوانين العقل، أما إدعاء المعرفة المسبقة بالغاية النهائية وبسبل الخلاص فليس سوى مُداراة للتقدم المتعثر للمعرفة والممارسة بميثولوجيات تاريخية
إنه لتفريط من الإنسان في إنسانيته أن يتخلى عن البحث متوهما أنه قد اهتدى إلى القول الفصل
المصدر: Aron, Dimensions de la conscience historique 1964
المحور الثالث: دور الإنسان في التاريخ:
بين يدي الإشكال (تمهيد لفهم الإشكال):
إن البحث في دور الإنسان في التاريخ لهو استمرار للتساؤل حول منطق التاريخ وغايته، ذلك أن القول بوجود منطق وغاية للتاريخ يقتضي أن الصيرورة التاريخية تمضي وفق مبادئ وقوانين موضوعية مادية أو عقلية بعيدا عن الذاتية المتقلبة للإنسان المفرد أو المسارات المباغتة للصدفة العمياء، أي إحلال عامل أو مبدأ ما محل الإنسان في توجيه دفة التاريخ.
فمن جهة يبدو الإنسان هو صانع تاريخه من خلال بطولة الأبطال وتضحيات المحاربين و ثورات الشعوب، ومن جهة أخرى يبدو أن بطولة هؤلاء وثورات أولئك قد صنعتها ظروف مواتية. هل يمكن مثلا أن نرجع توسع الدولة الإسلامية ماضيا إلى استبسال المسلمين وقوة إيمانهم وشجاعتهم ونفسر إنحسارها اليوم بتخاذلهم وجبنهم أم أن ذاك التوسع وهذا الإنحسار إنما يرجع إلى عوامل اقتصادية وسياسية عالمية تتجاوز الإطار المحلي. من قبيل الاكتشافات الجغرافية والنهضة الأروربية...
طرح الإشكال:
إذا كان المؤرخ لا يعتني بهبوب الرياح قدر اعتنائه بمجهود الإنسان في استخدام قوتها لتوجيه سفنه للتجارة أو شن الحروب، ولايهتم بفيضانات الأنهار إلا من حيث أنها تتقاطع أو تؤثر على حياة إنسانية قائمة بجوارها... فلأن أحداث الماضي لاتكون موضوعا للتاريخ إلا من حيث أن الإنسان هو مُحدثها أو محورها على الأقل. ما حقيقة كون الإنسان "مُحدثا" للحدث التاريخي؟ هل يعني ذلك أن الإنسان هو من يصنع تاريخه ويوجه دفة صيرورته؟ أم أن الصيرورة التاريخية مشروطة بعوامل موضوعية تفوق إرادة الإنسان نفسه الذي ليس سوى جزء من بنية تتجاوز وعيه وإدراكه؟
وضعية مشكلةصورة للتأمل: صنعا التاريخ أم صنعهما التاريخ؟
يقترن إسم هذين الرجلين بحركة الإصلاح الديني التي ساهمت بنصيب وافر في تشكيل ملامح حركة النهضة الأوروبية. هل يعود الأمر إلى عبقرية وإرادة الرجلين وتصميمهما الشخصي أم ان عظمتهما تفسر في استجابتهما لروح العصر، بحيث لم يكونا سوى أداة عابرة لتحقيق غاية بدأت قبلهما واستمرت بعدهما؟
معطيات للإستئناس: بدأت بوادر الإصلاح الديني قبلهما مع "جون ويكليف" في أوكسفود و"جون هس" في براغ ، كما استفاد الإصلاح من أخطاء الكنيسة نفسهاوانشقاقاتها و"استُعمل" الاصلاح سياسيا من طرف الأمراء الأوروبيين في سعيهم للاستقلال عن سلطة الكرسي البابوي، وأخيرا فإن حركة الاصلاح استمرت بعدهما في علاقتها مع عوامل النهضة الأخرى كاختراع المطبعة والكشوفات الجغرافية وإعادة اكتشاف الثراث اليوناني... !!
لوثر وكالفن
جون كالفن ( 1509-1564) و مارتن لوثر(1483-1546)
معالجة الإشكال:
-1 الإنسان مجرد أداة مؤقتة لتحقق الفكرة - هيغل
يرى هيغل أن تاريخ العالم مجرد تمظهر لسعي الروح نحو معرفة ذاته، وإذا كانت البذرة تحوي في ذاتها كامل خصائص الشجرة من مذاق وشكل فاكهة التي ستظهر لاحقا، فإن اللحظات الأولى للتاريخ بما هي آثار أولى للروح تحتوي بالقوة مسبقا أيضا كل التاريخ. ماذا يتبقى إذن للإنسان من دور في تاريخ محدد قبليا؟ لاأهمية للبشر الأفراد عند هيغل إلا بقدر ما يكون هؤلاء أدوات لتحقيق اغراض أسمى، وبقدر ما تتمثل فيهم حقبة من حقب الفكر المطلق. بل إن أبطال التاريخ وعظماءه بدورهم لايحققون إرادتهم الخاصة ولا يسعون لنيل سعادتهم الشخصية بقدر ما يمتثلون لروح العصر التي تستعملهم وتتحقق بهم ومن خلالهم وتجاوزهم
نص هيغل: عظماء التاريخ مجرد أدوات لتحقيق روح العصر
[هؤلاء هم عظماء التاريخ] تمارس الأعمال الجليلة عليهم ومن خلالهم سلطة لا قبل لهم بمقاومتها، حتى لو أحسوها سلطة خارجية وغريبة عنهم، حتى لو تعارضت مع ما يعتقدون أنه إرادتهم الخاصة. ذلك أن الروح المتقدم نحو أشكال جديدة هو نفسه الروح الداخلية للأفراد. لأنه دخيلتهم اللاواعية التي رفعها العظماء إلى مستوى الوعي. منجزاتهم هي المبتغى الحقيقي لإرادة الآخرين، يمارسون على غيرهم سلطة لايملك هؤلاء سوى الإذعان لها رغم معارضتها لإرادتهم الخاصة. وإذا كانوا ينقادون لهداة الروح هؤلاء فلأنهم يستشعرون منهم نداءا لايقاوم صادرا من روحهم الداخلية نفسها.
وإذا تأملنا قدر هاته الشخصيات التاريخية، سنجد أنهم سعدوا بكونهم أدوات لتحقيق غاية تشكل مرحلة في المسيرة المتدرجة للعقل الكوني، ولكنهم لم يشعروا بما نسميه عادة بالسعادة من حيث أنهم أدوات مفردة لهذا الجوهر [الذي يسكنهم] وهم أصلا لم ينشدوها وكل مانالوه من رضى جاء من سعيهم لبلوغ غاياتهم من خلال الكدح الشاق، تلك الغاية الكونية. وحيث أنهم ألفوا أنفسهم منذورين لهذه الغاية الجليلة، فقد هبوا لها بكل جرأة غير أبهين بمعارضة غيرهم لهم. لم يختاروا السعادة بل الشقاء والكفاح والعمل لبلوغ غاياتهم. وعندما أدركوها لم يهنئوا بأية سعادة أو متعة ذلك أن كينونتهم هي فعلهم. وطبيعتهم ومزاجهم يرسمه شغفهم. ما إن بلغوا غايتهم حتى تهاووا كغشاء ثمرة فارغة. من المحتمل أنهم عانوا ليصلوا نهاية الشوط، ولما أدكوه ماتوا شبابا كالإسكندر، غيلة اكقيصر أو منفيين كنابليون. قد نتساءل: ماذا غنموا؟ لقد غنموا مفهومهم، غايتهم وإنجازهم ، ولاشيء غير ذلك وما نعموا بالمتعة والهناء.
المصدر: Hegel, La raison dans l'histoire
2- ماركس: (الشروط المادية)تطور قوى الإنتاج هي المحركة للصيرورة التاريخية
ماهذه الفكرة أو الروح المطلق التي تستعمل البشر - شعوبا وقادة - لتحقق نفسها !؟ في هذه النقطة بالذات تمثل فلسفة التاريخ الماركسية تجاوزا لفلسفة التاريخ الهيغيلية، إذ أن الفكرة أو الروح المطلق التي كانت تتجلى تدريجيا عبر التاريخ وتحرك خيوطه وتسير أبطاله، حلت محلها - في الماركسية - عوامل مادية هي ظروف الإنتاج المادي للحياة بيد أن موقع الذات الإنسانية في التاريخ ظل في الماركسية على ماهو عليه، : ففي الوقت الذي يعتقد الفاعل التاريخي أنه يتصرف وفق ما يختاره من معتقدات دينية أو ما يتبناه من مبادئ سياسية يبين التحليل المادي للتاريخ أن المعتقدات الدينية المبادئ السياسية ماهي إلا انعكاس للبينة التحتية الإقتصادية، أي لمستوى معين من تطور قوى الإنتاج
وإذا كان الوعي هو النمط الوحيد الذي يمكن من خلاله إثبات فعل الإنسان في التاريخ، فإن هذا الوعي نتاج للوجود الاجتماعي وليس العكس، كما يتضح من خلال النص التالي:
نص ماركس: نقد التصور المثالي للحتمية التاريخية عند هيغل
تتأسس تصورنا للتاريخ على قاعدة تطور السيرورة الواقعية للإنتاج، انطلاقا من الانتاج المادي للحياة الفعلية، وننظر إلى شكل العلاقات البشرية في ارتباطها بنمط الانتاج الذي يفرزها. وعلى خلاف التصور المثالي للتاريخ لانرى داعيا للبحث في كل حقبة عن مقولة [عقلية] لأننا نقف باستمرار فوق الأرضية الحقيقة للتاريخ: لانفسر الممارسة انطلاقا من الفكرة، بل نفسر الأفكار انطلاقا من الممارسة المادية (...)
لقد تم لحد الآن تجاهل هذه القاعدة الواقعية للتاريخ ونظر إليها كعنصر ثانوي لاعلاقة له بالصيرورة التاريخية (...) وتم استبعاد علاقة الإنسان بالطبيعة خارج دائرة التاريخ مما خلق تعارضا [مصطنعا] بين الطبيعة والتاريخ. لذا لم تر هذه النظرة المثالية في التاريخ سوى أحداثه الكبرى التاريخية والسياسية اوالحروب الدينية التي تظل خلافات نظرية في نهاية المطاف. وفي دراستها لكل حقبة تاريخية تسقط هذه النظرة ضحية لنفس الوهم المسيطر على أهل تلك الحقبة، إذ يعتقدون أن يتحركون بدوافع سياسية أو دينية في حين أن السياسي والديني ليس سوى مظهر خارجي للمحرك الواقعي.
المصدر: Marx-Engels, L'édeologie allemande (1846) éd 1975
-3 سارتر- الإنسان صانع تاريخه
ولكن إذا كانت الماركسية تقدم نفسها كتحليل علمي للتاريخ يكشف النقاب عن القاعدة المادية المسؤولة في الواقع عن الصيرورة التاريخية، ألا تتيح هذه المعرفة للإنسان الانفلات حتمية هذه الصيرورة؟
يرى سارتر أن الماركسية قد أسيء تأويلها بشكل تبسيطي أو أن إمكانيتها لم تستثمر بشكل كامل: إن الماركسية فلسفة للحرية أو بالأحرى للتحرر ليس فقط للإنسان الفرد بل للطبقة المستغلة بأسرها، ذلك أن التاريخ لايكون قوة غريبة تستلب البشر إلا مادامت دلالة مجهوداتهم غريبة عنهم والحال أن التحليل الماركسي يقدم الأدوات الكفيلة بالتعرف على المنتوج وفهم سيرورته، من خلال مفاهيم قوى الإنتاج ، علاقات الانتاج،الصراع الطبقي، وأشكال الاستيلاب والايديولوجيا... وبذلك تصبح الممارسة الإنسانية ممارسة مستنيرة بالوعي لاممارسة عمياء تنقلب نتائجها ضدها.
نص سارتر: إذا لم أكن أنا صانع التاريخ، فذلك لأن آخر غيري قد صنعه
لكي ننأى بالفكر الماركسي عن الاختزالية والتبسيط، لابد من القول بأن الإنسان في لحظات الاستغلال هو في نفس الوقت نتاج لمنتوجه الخاص و فاعل تاريخي لايمكن اختزاله إلى مجرد منتوج. ولكلا يتخد هذا التناقض مظهرا جامدا، لابد من إدراكه ضمن حركة البراكسيس (الممارسة) نفسها، عندها تتضح دلالة عبارة انجلز: الناس يصنعون تاريخهم انطلاقا من شروط واقعية سابقة على وجودهم ( في عداد هذه الشروط، نجد: السمات المكتسبة، التشوهات المفرضة من طرف نمط الشغل والحياة وكذا الاستيلاب) ولكن البشر هم الذين يصنعون التاريخ وليس الشروط السابقة وإلا تحولوا إلى مجرد آلات تحركها قوى لاإنسانية وتتحكم من خلالهم في الوجود الاجتماعي. صحيح أن هذه الشروط موجودة [مسبقا] وهي وحدها التي تمنح للتغييرات الوشيكة وجهتها ووجودها المادي، بيد أن حركية البراكسيس الإنسانية تتجاوز هذه الشروط وتحتفظ بها.
من المؤكد أن البشر لايعون جيدا الامتدادات الفعلية لإنجازاتهم، وستظل هذه الامتدادات عصية على الإدراك مادامت البروليتاريا وهي الفاعل التاريخي لم تحقق بعد وحدتها ولم تع بعد دورها التاريخي. لكن إذا كان التاريخ ينفلت مني، فليس معنى ذلك أنني لاأصنعه بقدر مايعني أن آخرا غيري قد صنعه بدوره(...) وهكذا فالقول بأن الإنسان يصنع تاريخه يعني أن التاريخ فضاء يتموضع داخله الإنسان ويستلب فيه أيضا. وهكذا سيظل التاريخ بالنسبة للبشر قوة غريبة رغم أنه المنتوج الخاص بمجموع الفاعلية البشرية ماداموا لم يتعرفوا على دلالة مجهوداتهم الناجحة محليا في المنتوج النهائي والموضوعي.
تمثل الماركسية في القرن التاسع عشر أعظم محاولة ليس فقط لصناعة التاريخ بل ولتملكه أيضا عمليا ونظريا من خلال توحيد الطبقة العاملة وترشيد الفعل العمالي من خلال التعرف على السيرورة الرأسمالية والموقع الموضوعي للعمال [داخلها]. بهذا يكتسي التاريخ معناه بالنسبة للإنسان. وبقدر ماتعي البروليتاريا فاعلا تاريخيا تتعرف على نفسها في هذا التاريخ.
المصدر:
درس الشخص (منقول)
I-الشخص والهوية الشخصية
أ-ثبات الأنا واستمراريته في الزمان:
وضعية مشكلةوضعية مشكلة: لو أن أحدهم كان سكيرا، مجرما، قاطع طريق، فظا غليظ القلب، ثم تاب- بقدرة قادر - فأصبح من أتقى الأتقياء، يفيض قلبه رحمة ويداه عطاءا وعيناه دمعا !! فهل نحن أمام نفس الشخص أم لا ؟ وماذا تعني عبارة "نفس الشخص"؟ ماذا تبقى منه؟ جسده؟ هل نختزل الشخص إذن في هيأته وجسده؟ ماذا لو أعترى الهيأة تشوه أو أصاب الجسد بتر ؟ أو تغيير جذري بسبب عملية تجميل ؟ هل نظل هنا إزاء نفس الشخص أيضا؟
لنتخيل وضعية أخرى: شخصا يهيم حبا بشخص آخر،لاتبارح صورته مخيلته ليل نهار، يسعد بقربه ويشقى بالبعد عنه، ثم حدث أن خبا هذا الحب لسبب أو لآخر، أو تعلق الهوى بمحبوب جديد وكأن شيئا لم يكن ! هل نحن هنا أمام نفس الشخص قبل الإنقلاب العاطفي وبعده؟
ألم تقل أم كلثوم في أغنية " ثورة الشك":
أكاد أشك في نفسي لأني أشك فيك وأنت مني!
ومرة أخرى: ماذا تعني عبارة "نفس الشخص"؟
ولمزيد من التفاصيل حول كيفية إنجازي لهذه الحصة، انظر هنــــــــــــــــــــا المجرم الذي أصبح تقيا!
استشكالات أولية:
رغم تعدد وتنوع بل وتعارض الحالات النفسية التي يمر منها الشخص طيلة حياته، فإن كل واحد منا يحيل باستمرار إلى نفسه بضمير "أنا" بوصفه وحدة وهوية تظل مطابقة لذاتها على الدوام. غير ان هذه الوحدة التي تبدو بديهية تطرح مع ذلك أسئلة عديدة
بل إن البديهي يشكل الموضوع الأثير والمفضل للفكر الفلسفي. ويمكن القول أن الفيلسوف يصادف إشكالية الوحدة المزعومة للهوية الشخصية في معرض بحثه في الماهيات والجواهر. يتساءل الفيلسوف: إذا كان لكل شيء ماهية تخصه، بها يتميز عن غيره، فهل هناك ماهية تخص الفرد، بها يتميز عن غيره بشكل مطلق؟ خصوصا إذا علمنا أنه ما من صفة فيه، جسمية او نفسية، إلا ويشاطره التخلق بها عدد قليل أو كثير من الأفراد؛ وإذا عرضنا الشخص على محك الزمن والتاريخ، فهل هناك جوهر يظل ثابتا رغم تغيرات الجسم وأحوال النفس وانفعالاتها؟.
نلاحظ أن الفرد يستطيع التفكير في الموجودات الماثلة أمام حواسه أو المستحضرة صورتها عبر المخيلة، ولكنه يستطيع أيضا التفكير في ذاته ، في نفسه هذه التي تفكر!!
يسمى هذا التفكير وعيا وهو نفس الوعي الذي اعتمدعليه ديكارت في " الكوجيطو" وخصوصا وعي الذات بفعل التفكير الذي تنجزه في لحظة الشك أي الوعي بالطبيعة المفكرة للذات التي تقابل عند ديكارت طبيعة الإمتداد المميزة للجسم.
كيف يتمظهر أولا هذا الوعي بالذات في التجربة البسيطة؟
الشعور بالهوية الشخصية هي ما يميز كائنا مفكرا عن آخر
نص جون لوك : "الوعي المصاحب لجميع الحالات الشعورية أساس الهوية الشخصية"
اانتبه يرى "جون لوك" أن مايجعل الشخص " هو نفسه" عبر أمكنة وأزمنة مختلفة، هو ذلك الوعي أو المعرفة التي تصاحب مختلف أفعاله وحالاته الشعورية من شم وتذوق وسمع وإحساس وإرادة، تضاف إليها الذاكرة التي تربط الخبرات الشعورية الماضية بالخبرة الحالية، مما يعطي لهذا الوعي استمرارية في الزمان
لكي نهتدي إلي ما يكون الهوية الشخصية لا بد لنا ان نتبين ما تحتمله كلمة الشخص من معنى. فالشخص، فيما اعتقد، هو كانن مفكر عاقل قأدر على التعقل و التأمل وعلي الرجوع الى ذاته بأعتبار أنها مطابقة لنفسها، و انها هي نفس الشيء الذى يفكر في أزمنة و أمكنة مختلفة. ووسيلته الوحيدة لبلوغ ذلك هو الشعور الذى يكون لديه عن أفعاله ألخاصة، و هذا الشعور لايقبل االانفصال عن الفكر بل هو، فيما يبدو لي، ضروري وأساسي تماما بالنسبة للفكر، ما دام لا يمكن لأى كائن بشري كيفما كان، أن يدرك ادراكا فكريا دون أن يشعر انه يدرك إدراكا فكريا
عندما نعرف أننا نسمع أو نشم أو نتذوق و نحس بشيء ما أو نتأمله أو نريده، فإنما نعرف ذلك فى حال حدوثه لنا. إن هذه المعرفة تصاحب على نحو دائم احساساتنا و إدراكاتنا الباطنة، و بها يكون كل واحد منا هو نفسه بالنسبة إلى ذاته
لندع جانبا مسألة البحث فيما إذا كان الأنا مستمر الوجود من خلال نفس الجوهر أو من خلال جواهر مختلفة، اذ لما كان الشعور يقترن بالفكر على نحو دانم، و كان هذا هو ما يجعل كل وأحد هو نفسه و يتميز به، من ثم، عن كل كائن مفكر آخر، فإن ذلك هو وحده ما يكون الهوية الشخصية أو الإنية وما يحعل كأئنا عاقلا يبقى دانما هو هو
وإن هوية الشخص لَتمتد بعيدا في الماضي امتدادا أقصاه أبعد وأقدم فكرة أو فعل يستطيع وعيه الحاضر أن يمتد إليهما ؛ في هذه الحالة نقول إن نفس الذات التي أنجزت هذه الأفعال في الماضي هي نفسها الآن التي تستذكرها.
أفكار عامة موجهة لعملية فهم النص وتحليله:
لفهم هذا النص وتأطيره نظريا، لابأس من أن نتذكر جميعا سؤال ديكارت في التأمل الثاني: "أي شيءأنا إذن؟ " والجواب: " أنا شيء مفكر"
لكن إذا كان كل من "لوك" و "ديكارت" يتفقان بأن الشخص هو ذلك الكائن الذي يحس ويتذكر و -يضيف التجريبي لوك- يشم ويتذوق!
فإنهما يختلفان في الجواب على السؤال التالي: ولكن هل وراء هذه الأفعال جوهر قائم بذاته؟
يجيب ديكارت بنعم : إنها النفس جوهر خاصيته الأساسية هي التفكير، بينما يجيب لوك بالنفي انسجاما مع نزعته التجريبية التي لاتقر لشيء بصفة الواقعية والحقيقة مالم يكن إحساسا أو مستنبطا من إحساس، والواقع أن " الجوهر المفكر" -من وجهة نظر المحاكمة الحسية- كينونة ميتافيزيقية لايسع لوك قبولها
، لاحظ العبارة المكتوبة بخط غليط souligné والتي يؤجل فيها لوك مناقشة السؤال: هل هذه الاستمرارية قائمة من خلال جوهر واحد او جواهر مختلفة متعاقبة ولكن دافيد هيوم أوضح من مواطنه بحيث ينكر إنكارا تاما وجود أي جوهر يسند افعال الوعي من تذكر وإحساس بالبرد او الفرح....
وباختصار فالهوية الشخصية تكمن في فعل الوعي، وعندما يتعلق الأمربالماضي يصبح الوعي ذاكرة بكل بساطة، وكل هذا لكي يتجنب لوك القول بوجود جوهر مفكر باختصار أكثر : الوعي عند "جون لوك" فعل أو علاقة تربط الكائن بأفعاله وإحساساته وماضيه، وليس جوهرا
انقتاحات ممكنة للنص:
قارن نص لوك مع القولة التالية لكانط : "إنّ "الأنا أفكر" يرافق بالضّرورة كلّ تمثّلاتي" أي أنه يمثل شرط الوحدة والتّأليف بين الحدوس والإدراكات المتنوعة المعطاة في الوعي.
ولنلاحظ كبف يكتفي جون لوك في بداية الفقرة الأخيرة بإثارة مسألة شائكة دون التوقف عتدها وهي : " هل هذه الأنا التي نحس باستمراريتها في الزمان، هل هي واحد أم مجموع هل هي جوهر بسيط أم مركب؟ هل هي جوهر واحد كما اعتقد ديكارت أم أنها ليست سوى ذلك الركام من الخبرات والذكريات والأفكار والانطباعات الحسية؟ كما سيقول مواطنه الفيلسوف التجريبي دافيد هيوم
يقدم لنا النص التالي مثالا حيا للفكرة القائلة بأن الفلاسفة غالبا مايطرحون نفس السؤال ولكن بصيغ مختلفة! لننظر كيف يطرح "باسكال" السؤال حول ماهية هذا " الأنا"
هل هناك فعلا ذات أي جوهر قائم بذاته وراء المتغير ؟ أم الموجود هو الصفات العرضية لاغير؟
نص لباسكال : " ذاك الذي يحب شخصا لجمال محياه، هل يحبه فعلا؟"
ماهو الأنا؟ عندما يطل إنسان من النافذة من أجل رؤية المارة، وإذا ما مررت أنا من أمام النافذة التي يطل منها ذاك الإنسان، فهل يمكنني أن أقول إن الذي يقف وراء النافذة إنما يقوم بذلك من أجل رؤيتي؟ كلا، لأنه لا يفكر فيّ أنا على وجه الخصوص. وذاك الذي يحب شخصا لجمال محياه، كل يحبه فعلا؟ كلا، لأن داء الجذري قد يقضى على جماله دون أن يقضي على شخصه مما قد يدفع بالشخص المحب إلى إعراضه عن الشخص المحبوب.
و إذا كنت أنا محبوبا بسبب سداد رأيي و قوة ذاكرتي، فهل أنا محبوب حقا؟ كلا، لأنني قد أفقد هاتين الصفتين، دون أن أفقد ذاتى. فأين هو إذن ذاك الأنا، إذا لم يكن موجودا لا في الجسم و لا في النفس؟ كيف يمكن إذن أن نحب الجسم أو النفس إن لم نكن نحبهما لتلك الصفات التي لا تشكل الأنا البتة ما دامت فانية. فهل نستطيع أن نحب، بصفة مجردة، جوهر النفس مهما كانت الصفات التي تسمها؟ إن هذا أمر غير ممكن و غير عادل. نحن إذن لانحب أحدا[في ذاته]، لكننا نحب صفاته فقط
بعد فحص إحتمالات وجود الذات في النفس أو الجسم، لايعثر باسكال على غير صفات عرضية زائلة، فيخلص إذن إلى أن وجود الذات وجود إشكالي وليس وجودا بديهيا كما يتراءى لأول وهلة،متسائلا: فأين هو إذن ذاك الأنا، إذا لم يكن موجودا لا في الجسم و لا في النفس؟ على هذا السؤال سيجيب الفيلسوف التجريبي دافيد هيوم : لاوجود للأنا في أي مكان!
لاوجود للأنا !
نص دافيد هيوم: "لاوجود للأنا !"
اانتبهحول صاحب النص: دافيد هيوم فيلسوف تجريبي، لايعترف بغير الانطباعات الحسية مصدرا للأفكار، وفي هذا الإطار رفض إضفاء صفات الموضوعية والضرورية على فكرة السببية، وردها بعد التحليل إلى العادة.
من وجهة النظر التجريبية (لوك وهيوم) هناك نوعان لاغير من الحالات الشعورية أو محتويات الوعي: إحساسات بسيطة مباشرة وأفكار مشتقة أو مركبة منها.
إن مصوغات إنكار السببية هي نفسها مسوغات إنكار " الأنا". مثلما لا أعثر في الواقع سوى على حدثين يتكرر حدوث أحدهما بعد الآخر، كذلك، عندما أتأمل مايسمى بأناي، لاأعثر سوى على انطباعات مفردة كإحساس بالبرد او الحر، بالضوء أو الظل، بالحب أو الكراهية....
يعتقد بعض الفلاسفة أننا نكون في كل لحظة على وعي بما يسمى الأنا، وأننا نشعر بوجوده واستمرارية وجوده، واننا متيقنون من هويته وبساطته التامتين يقينا تفوق بداهته ما يمنحنا إياه البرهان، إن أقوى الاحساسات وأعنف الأهواء - في نظرهم - لاتصرفنا عن الوعي بالأنا ولا تزيده إلا قوة، ذلك أن اللذة و والألم اللذين يرافقان هذه الاحساسات إنما يوجهان انباهنا إلى تأثيرات تمارس على هذا الأنا. إن كل محاولة لتقديم دليل إضافي على هذا اليقين لن يؤدي سوى إلى إضعاف بداهته، لأن من المحال -في نظر هؤلاء الفلاسفة- إقامة دليل على واقعة نعيها بشكل حميمي، ولانستطيع أن نتيقين من أي شيء أخر لو لم نتيقن منها أولا
والواقع أن كل هذه الأطروحات تتناقض بالضبط مع التجارب التي تقدم لتبريرها، لأننا لانملك اي فكرة عن الأنا على النحو الذي قدموه
حسنا، ماهو بالضبط الانطباع الحسي المولد لهذه الفكرة؟ من الصعب تجنب التناقض والحيرة أثناء الجواب على هذا السؤال. ولكن لامفر من التصدي لهذا السؤال من أجل أن تغدو فكرة الأنا واضحة ومفهومة.
لكي تكون فكرة ما واقعية، فلابد أن تشتق من انطباع حسي ما، لكن الأنا أو الشخص ليس انطباعا حسيا مفردا، بل هو ماتنسب إليه مختلف الانطباعات. فإذا وجد انطباع حسي مولد لفكرة "الأنا" فلابد أن يتصف هذا الانطباع بنفس صفات الأنا وهي الثبات والاستمرارية طيلة حياتنا، والحال أنه لاوجود لانطباع مستمر وثابت: إن الألم واللذة، الفرح والحزن، الأهواء والاحساسات، تتعاقي ولاتوجد أبدا متزامنة مجتمعة. وعليه ففكرة الأنا لايمكن ان تتولد عن هذه الانطباعات ولاعن أي إنطباع آخر، ومن ثم فلا وجود لمثل هذه الفكرة واقعيا.
عندما أجهد نفسي لاستبطان هذا الأنا، لاأعثر دائما سوى على هذا الانطباع أو ذاك: على احساس بالبرد او الحر، بالضوء أو الظلام، بالحب أو الكراهية، بالألم أو اللذة. أي انني لاأستطيع ان اتصور نفسي إلا مقرونة بادراك ما، ولا أظفر بغير هذا الإدراك.
عندما يغيب الإدراك لمدة معينةكما في النوم العميق، فإنني لاأعي ذاتي. بل أستطيع القول وبكل صواب أنني غير موجود
ب- الذاكرة والهوية الشخصية
br>
وضعية مشكلةوضعية مشكلة:لو خيرنا شخصا بين قتله ومسح ذاكرته مسحا تاما كاملا وإذا افترضنا أن الوظائف الحسية الحركية كالمشي واقفا وتجنب مصادر الخطر، ومهارة الإمساك بالملعقة والوظائف الاجتماعية الدنيا كستر العورة... قد بقيت سالمة، لاختار مسح الذاكرة، رغم أن النتيجة في كلتا الحالتين واحدة
كيف ولماذا؟
وما رأيك وتعليقك على الجواب التالي؟
إن مسح ذاكرته كقتله سواء بسواء، في كلتا الحالتين ينتهى الشخص الأول ولا يعود له أي وجود! لم يعد نفس الشخص إلا بالنسبة للغير، أما بالنسبة لإدراكه هو لذاته، فإنه لايعرف حتى من هو! ولا ماذا يفعل في هذا المكان بالضبط! عليه أن يتعلم كل شيء من جديد بدءا من اللغة و أسماء أيام الأسبوع وصولا إلى الدين والمعتقد، الإنسان-الذي ميحت ذاكرته
تريد هوية جديدة؟ تفضل هذه ذاكرة جديدة !
لم تعد أنت هو أنت!
يميزابن سينا بين بين عنصر متغير ومتحلل هو الجسم وعنصر ثابت مستمر هو النفس، بيد أن هذه الاستمرارية لاتحضر إلا من خلال فعل التذكر وملكة الذاكرة
يقول الشيخ الرئيس:
" تأمل أيها العاقل أنك اليوم في نفسك هو الذي كان موجودا جميع عمرك حتى إنك تتذكر كثيرا مما جرى من أحوالك، فأنت إذن ثابت مستمر لاشك في ذلك وبدنك وأجزاؤه ليس ثابتا مستمرا بل هو أبدا في التحلل والإنتقاص..."
والواقع أن ابن سينا يشير هنا إلى ظاهرة "الوعي بالذات" التي تصاحب مختلف حالات الوجود البشري بحيث تمنح الفرد شعورا بهويته وأناه وبثباتها.ويتجلى هذا واضحا في شعور الفرد داخلياً وعبر حياته باستمرار وحدة شخصيته وهويتها وثباتها ضمن الظروف المتعددة التي تمر بها، كما يظهر بوضوح في وحدة الخبرة التي يمر بها في الحاضر واستمرار اتصالها مع الخبرة الماضية التي كان يمر بها.
إذا كانت الذاكرة هي مايعطي لشعور الشخص بأناه وبهويته مادتهما الخام، فإن امتداد هذه الهوية في الزمان، كما يلاحظ جون لوك، مرهون باتساع أو تقلص مدى الذكريات التي يستطيع الفكر أن يطالها الآن: وبعبارة أخرى إنني الآن هو نفسه الذي كان ماضيا وصاحب هذا الفعل الماضي هو نفس الشخص الذي يستحضره الآن في ذاكرته.
لهذا السبب، وعندما يتساءل برغسون عن ماهية الوعي المصاحب لجميع عمليات تفكيرنا، يجيب ببساطة: إن الوعي ذاكرة، يوجد بوجودها ويتلف بتلفها:
نص برغسون: "الوعي ذاكرة"
إن من يقول فكرا يقول قبل كل شيء وعيا. لكن ما الوعي؟ إنك تعتقد تماعا أنني لن أعرف شيئأ يتسم بمثل هذا الطابع الملموس وبمثل هذا الحضور الدائم في تجربة كل واحد منا. ولكن أستطيع دون اعطاء تحديد للوعي أقل وضوحا منه، أن أميزه بأكثر سماته بروزا:
يعني الوعي قبل كل شيء الذاكرة. قد تفتقر الذاكرة إلى الاتساع، وقد لا تشمل إلا قسما من الماضي، وقد لا تحفظ إلا ما حصل من قريب. ولكن الذاكرة تكون موجودة ء وإلا فلن يكون الوعي موجودا فيها. فالوعي الذي لا يحفظ شيئا من ماضيه، وينسى ذاته باستمرار يتلف تم يعود في كل لحظة...
إن كل وعي هو ذاكرة أي احتفاظ بالماضي وتراكم في الحاضر. ولكن كل وعي هو استباق للمستقبل. انظر إلى توجهك في أية لحظة، وستجد أنه يهتم بما هو قائم، لكن من أجل ماسوف يكون، إن الانتباه انتظار، ولا يوجد وعي بدون انتباه لحياة المستقبل. إنه يوجد هناك، وهو يدعونا، بل إنه يجرنا إليه. وهذا الجر الذي لا ينقطع، يجعلنا نتقدم على طريق الزمن، هو أيضا دافع يدفعنا إلى التحرك باستمرار، وكل عمل هو استشراف للمستقبل. . .لنقل إذن، إن شئتم ألوعي هو وصل بين ما كان وها سيكون، بين ألماضي والمستقبل. هزي برغسون، الطاقة الروحية، المطابع الجامعية الفرنسية 1985 ص: 4 - 5
ج- دور الغير في تشكيل الهوية الذاتية:
ومن الجدير بالذكر أن الوعي بالذات على هذا النحو الأرقى ليس مقدرة غريزية او إشراقا فجائيا، بل هو مسلسل تدريجي بطيء يمر أولا عبر إدراك وحدة الجسم الذي ينفصل به الكائن عما عداه، وعبر العلاقة مع الغير.
الإشارة إلى الطفل بضمير أنت بقدر مانشير إلى الطفل باستمرار ونخاطبه مستعملين ضمير "أنت"، بقدر مانلفت انتباهه إلى كينونته المستقلة، وندفعه، بشكل غير مباشر، لاستعمال ضمير "أنا"
II-الشخص بوصفه قيمة
استشكالات أولية:
مالذي يؤسس البعد القيمي-الأخلاقي للشخص؟ وهل يمكن فلسفيا تبرير الاحترام والكرامة الواجبة بشكل مطلق للشخص البشري ؟ وما علاقة ذلك بمسؤوليته والتزامه كذات عاقلة وحرة تنسب إليها مسؤولية افعالها ؟
وضعية مشكلةوضعية مشكلة:لماذا يقول القرآن الكريم في سورة المائدة آية 32 : " أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا"
ولماذا توصف بعض الجرائم بعبارة جرائم ضذ الإنسانية رغم أنها لم تستهدف ولم يذهب ضحيتها سوى عدد محدد من الناس قد يقل أو يكثر؟ وماهي بالضبط هذه الجرائم؟
يستفاد من المحورين السابقين أن الفرد وبشكل مجرد سابق على كل تعيين - أي وقبل أن يتحدد بطول قامته أو لون عينيه او مزاجه أو ثروته- هو ذات مفكرة، عاقلة، واعية قوامها الأنا الذي يمثل جوهرها البسيط الثابت ، بغض النظر عن الاختلاف القائم بين الفلاسفة حول طبيعة هذا الأنا وعلاقته بالجسد والانطباعات الحسية والذاكرة...
ولكن مافائدة هذا التجريد النظري على المستوى العملي؟ هل يمكن أن نرتب عليه نتائج أخلاقية ملموسة؟ انطلاقا من هذا التجريد، ذهب كانط بأن الإنسان هو أكثر من مجرد معطى طبيعي، إنه ذات لعقل عملي أخلاقي يستمد منه كرامة أي قيمة داخلية مطلقة تتجاوز كل تقويم أو سعر. مادم هذا العقل ومقتضياته كونيا، فإن الأنسانية جمعاء تجثم بداخل كل فرد مما يستوجب معاملته كغاية لاكوسيلة والنظر إليه كما لو كان عينة تختزل الإنسانية جمعاء.
نص إيمانويل كانط: "العقل أساس كرامة الشخص وقيمته المطلقة"
يعتبر الإنسان داخل نظام الطبيعة (كظاهرة من ظواهر الطبيعة وكحيوان عاقل) غير ذي أهمية قصوى : إذ أنه يمتلك مع مجموع الحيوانات الأخرى - بوصفها منتوجات للارض - قيمة مبتذلة. لكن ما جعله - إضافة إلى امتلاكه ملكة الفهم - يسمو على جميع الكائنات الأخرى هو كونه قادرا على تحديد غايات لنفسه لا يكسب بذلك إلا قيمة خارجية نفعيه، هذا بالرغم من كوننا قادرين على تفضيل هذا الإنسان عن ذاك (وكأننا أمام تجارة للبشر). الأمر الذي يؤدي بنا إلى القول أن الإنسان يقوم بسعر وكأنه بضاعة داخل تجارة للبشر منظورا إليهم من زاوية الحيوان أو الأشياء، لكن سعره ذاك يظل أقل قيمة من قيمة متوسط العملة السائدة والتي تؤخذ كقيمة عليا . .
لكن عندما نعتبره كشخص، أي كذات لعقل أخلاقي عملي، سنجده يتجاوز كل سعر. وبالفعل لا يمكن أن تقدره - بوصفه كذلك أي بوصفه شيئا في ذاته - فقط كوسيلة لتحقيق غايات الآخرين أووسيلة لتحقيق غاياته الخاصة بل يمكن تقديره كغاية في ذاته وهذا معنى أنه يمتلك كرامة (وهي قيمة داخلية مطلقة). وبامتلاكه لهذه القيمة يرغم كل الكائنات العاقلة الأخرى على احترام ذاته ويتمكن من مقارنة ذاته بكل مخلوقات نوعه، ويتبادل معها نفس الاحترام على أساس قاعدة المساوا ة. .
وهكذا تكون الإنسانية التي تجثم في شخصه موضوع احترام يمكنه أن يلزم به كل الآخرين. ولن يستطيع أي إنسان أن يحرم نفسه منه أو أن يتخلى عنه (..) .
وهذا يعني أنه لا ينبغي عليه أن يبحث عن غايته - وهذا من واجباته - بطريقة منحطة (...) ولا ينبغي عليه أن يتخلى عن كرامته، بل يجب عليه دائما أن يحافظ على الوعي بالخاصية السامية لتكوينه الأخلاقي الذي يدخل ضمن مفهوم الفضيلة، .
إن هذا الاحترام للذات إذن هوواجب على كل إنسان تجاه نفسه.
إ . كانط، ميتافيزيقا الأخلاق - الجزء الثاني، فران ، ص 109-108.
(مقتطف من الكتاب المدرسي -السنة الثانية-الشعبة الأدبية الطبعة الأولى 1996)
كتب كانط هذه الأفكار في "أسس ميتافيزيقا الأخلاق" في القرن الثامن عشر .صحيح أن القرن العشرين قد شهد تحسنا كبيرا للشرط البشري مقارنة مع قرن الأنوار: إلغاء الرق، التخفيف من الميز ضد النساء...، بيد أنه عرف أيضا أهوال حربين عالميتين جسدتا واقعيا فكرة الدمار الشامل، إنضافت إليهما حروب محلية شهدت أبشع أنواع التطهير العرقي ومعسكرات الاعتقال... مما جعل التأمل الفلسفي يعاود مجددا طرح السؤال حول حرمة الكائن البشري وسلامته الجسدية وبالخصوص حقه في عدم التعرض للأذى، مثلما نرى في النص التالي لطوم ريغان
نص توم ريغان: "ليست الكائنات البشرية أحياء فحسب، إنهم يمتلكون حياة"
توم ريغان تقديم النص:
طوم ريغان Tom Regan فيلسو أمريكي معاصر ولد في 28 نونبر 1938 بمدينة بيطسبورغ بولاية بنسيلفانيا. عمل أستاذا جامعيا إلى حين تقاعده مؤخرا، مهتم بفلسفة "حقوق الحيوان" "وهو موضوع كتابه الشهير: "قضية حقوق الحيوان"
تنتمي فلسفة طوم ريغان إلى التقليد الكانطي، لكن في حين يؤسس كانط القيمة المطلقة التي نعزوها إلى الكائنات البشرية على خاصية العقل، وبالضبط العقل الأخلاقي العملي، التي تتمتع بها هذه الكائنات،بما يجعل منها ذواتا أخلاقية، فإن طوم ريغان يعتبر هذا التأسيس غير كاف، وحجته في ذلك أننا ملزمون باحترام القيمة المطلقة لكائنات بشرية غير عاقلة مثل الأطفال وكذا الذين يعانون من عاهات عقلية جسيمة
وعليه فإن الخاصية الحاسمة والمشتركة بين الكائنات البشرية ليست هي العقل، بل كونهم كائنات حاسة واعية يحيون حياة يعنيهم أمرها، بمعنى ان مايحدث لنا يعنينا نحن بالدرجة الأولى بغض النظر عما إذا كان يعني شخصا آخر أم لا "
ويمضي توم ريغان بهذا المبدأ إلى مداه الأقصى فبخلص إلى أن جميع المخلوقات التي يمكنها أن تكون «قابلة للحياة»، أي مواضيع لوجود يمكن أن يتحول للأفضل أو للأسوأ بالنسبة إليها، تمتلك قيمة أصلية في ذاتها وتستحق أن تحترم مصالحها في عيش حياة أفضل.
في النص التالي، يحاول الفيلسوف الأمريكي المعاصر "توم ريغان" أن يبين الأساس الفلسفي الذي تقوم عليه هذه القيمة المطلقة المسندة للشخص البشري، إن التساؤل الرئيسي بالنسبة لتوم ريغان هو "هل للحيوانات الحق في عدم الأذى ؟ " ولكنه وللجواب على السؤال يضطر أولا ليفحص الحجج والمبرات التي تمنع معاملة الكائنات البشرية كوسائل أو تعريضها للأذى
من السهل تقديم نظرية أخلاقية جديدة، ولكن من الصعب تبرير أسسها وتقديم مسوغات كافية لإقناعنا بوجوب تبنيها(...)
[ينطبق ذلك على التصور الكانطي]ا فرغم مايتمتع به هذا التصور من عمق وحصافة، وبالرغم من استلهامي إياه، فإنه لايخلو من تناقضات ومفارقات بعضها في اعتقادي عويص يصعب حله؛ سأكتفي هنا بإثارة أهم هذه المفارقات من خلال السؤالين التالين: "ماهي الكائنات البشرية التي تستحق صفة الشخص؟ وماذا يترتب أخلاقيا إذا ما أجبنا على مثل هذا السؤال من منظور كانطي؟
نبدأ بالجلي الواضح: ليس كل إنسان شخصا بالمعنى الكانطي. فالبويضة المخصبة حديثا، والمرضى الذين دخلوا حالة الغيبوبة (الكوما) الدائمة يظلون بشرا، لكنهم ليسوا أشخاصا وفق التعريف الكانطي؛ ونفس الحكم ينسحب أيضا على حديثي الولادة وعلى الأطفال حتى سن معينة، تضاف إليهم كل الكائنات البشرية التي تفتقد لهذا السبب أو ذاك القدرات الفكرية التي بموجبها يعرف كانط الشخص البشري. إن هؤلاء جميعا تعوزهم الخاصية الأخلاقية المميزة للشخص، فيفقدون بالتالي الحق في الاحترام. فكيف تستطيع النظرية الكانطية إثبات خطئنا لو أننا عاملنا أحد هذه الكائنات البشرية - الذي ليس شخصا - كمجرد وسيلة!
يتضمن الجواب الذي أقدمه هنا تخليا عن التصور الكانطي للشخص كمعيار للقيمة الأصلية للكائن البشري وتعويضه بفكرة(...) "الذوات التي تستشعر حياتها".Subject-of-life دعوني أشرح لكم المقصود بذلك:
لقد أضاف وجود الإنسان الوعي إلى ظاهرة الحياة، هذه الإضافة التي لم يستطع العلم حتى اليوم تفسيرها بشكل مقنع، ومع ذلك يظل المعطى قائما: نحن لانوجد في العالم فحسب، لكننا على وعي بهذا الوجود أيضا، بل وعلى دراية بما يعتمل في "الداخل" أي في عالم المشاعر والمعتقدات والرغبات. وبهذا المعنى، فنحن أكثر من مجرد مادة حية، إننا شيء مختلف عن النبات الذي يحيا ثم يموت أيضا مثلنا. إننا ذوات حية تستشعر حياتها، كائنات لها سيرة وتاريخ biography لا مجرد جسم تدرسه البيولوجيا biology
وما يزيد اللغز غموضا هو أن هذه الحياة التي نعيشها ونختبرها هي وحدة ونظام وليست مجرد ركام وفوضى: فوراء مشاعرنا ومعتقداتنا ورغباتنا توجد وحدة سيكلوجية، بعبارة أخرى فالمشاعر لا تنتمي إلى الشخص "أ" بينما تنتمي المعتقدات إلى الشخص "ب" فيما تعود الرغبات إلى الشخص "ج".
وعلى ضوء انتماء هذا الكل إلى نفس الفرد المتمايز عن الآخرين نستطيع أن نفهم كيف تشكلت سيرتي وقصة حياتي الفريدة عبر الزمن، وكيف أن قصة حياة كل واحد منا مختلفة عن الآخر.
[أخلص إلى القول أن قيمتنا وحقوققنا نابعة من كوننا] ذواتا نحيا حياة يمكن أن تتحول للأفضل أو للأسوأ بالنسبة إلينا بشكل مستقل منطقيا عن أي تقييم لنا من قبل أي أحد آخر او اعتباره إيانا نافعين، ولا أقصد مما سبق أن الآخرين لا يستطيعون الإسهام فيء أو الانتقاص من، قيمة حياتنا . بل على العكس، إن الخيرات الكبرى للحياة (الحب، والصداقة، وعموما ، الشعور بالرفقة) وشرورها الكبرى (الكراهية والعداوة والعزلة والاغتراب) كلها تشتمل على علاقاتنا بالأشخاص الآخرين؛ فما أقصده، بدلا من ذلك، أن كوننا ذواتا نحيا حياة هي في مختلف الظروف لأجلنا لا يعتمد منطقيا على ما يفعله الآخرون أو لا يفعلونه لنا . (...)
كلنا إذن متساوون من حيث قدرتنا على استشعار النعيم، وهذا مايجعل كل واحد منا مكافئا للآخر بغض النظر عن الجنس، الذكاء، الطبقة، السن، الديانة، مسقط الرأس، الموهبة أو المساهمة الاجتماعية
ومن منظور الحقوق الذي أتبناه، فإن كون االفرد "ذاتا تستشعر حياتها" هي القاعدة التي بموجبها يمتلك القيمة الأصيلة، وكل من يحقق هذا الشرط يلزمنا بواجب مباشر في معاملته باحترام، وبعبارة أخرى فنظرية الحقوق تعترف للكائنات البشرية المقصاة بموجب المعيار الكانطي - تعترف لها بحقوق أخلاقية: كالأطفال أو بصفة عامة كل كائن بشري مهما كان سنه ممن يعانون عاهات تمنعهم من أن يكونوا أشخاصا، لكنهم يحققون بامتياز شرط " الذات التي تستشعر حياتها" لأن كل واحد منهم يحيى حياة يمكن أن تتحول للأفضل أو للأسوأ بالنسبة إليه
[بيد اني مضطر للإعتراف ]بأن نظرية الحقوق التي أتيت على ذكرها لاتبدد كل الغموض، وككل نظرية تتناول المعايير الأخلاقية، فإن نظريتي تواجه تحديات جدية، بعضها مماثل للتحديات التي طرحتها على التصور الكانطي آنفا! بعض البشر ليسواأشخاصا حسب كانط، ولكن بعضهم أيضا ليس " ذاتا تستشعر حياتها" وفق نظريتي مثل البويضة المخصبة حديثا والمواليد بدون دماغ أو بوظائف دماغية تتجاوز بالكاد وظائف النخاع الشوكي
هل يعني ذلك أن هذه الكائنات البشرية لاتمتلك أي قيمة أو حق في أن تعامل باحترام؟ إن نظرية الحقوق تترك السؤال مفتوح، ذلك أني اقترحت معيار " الذات التي تستشعر حياتها" كمعيار كاف وليس كمعيار حصري . بمعنى أن الذين يتحقق فيهم هذا الشرط يحوزون قيمة أصيلة، ولكن هل هم الفئة الوحيدة التي تحظى بهذه القيمة؟ هذا سؤال تتركه نظريتي مفتوحا
المصدر:Tom Regan & Cal Cohen, The animal right debate. Rowman & Littlefield, 2001 pp:191-203
يبدو أن طوم ريغان نفسه يعترف بحدود تصوره أو تبريره الفلسفي لقيمة الشخص،
أين تكمن هذه الحدود ياترى؟ هل تكمن في أساس النظرية أم في النتائج المترتبة عنها؟
وضعية ادماجية مع انفتاحات ممكنة على القضايا الدولية الراهنة ومادة التاريخ
تعريف الجرائم ضد الإنسانية حسب المحكمه الجناءيه الدولية
من السهل أن نلاحظ ان هذه الاعتبارات الفلسفية حول قيمة الشخص البشري وحرمة جسده... هي نفسها التي نجدها حاضرة بقوة في مختلف إعلانات ومواثيق حقوق الإنسان. كما أنها الأساس الفلسفي المعتمد عند وصف جرائم الحرب والإبادة بجرائم " ضد الإنسانية".
مالمقصود بهذه الجرائم؟ وكيقف تكون جرائم ضد الإنسانية؟
أنشئت المحكمه الجناءيه الدولية في لاهاي (هولندا) في عام 2002 ، ويقدم نظام روما الاساسي القانون الأساسي للمحكمة الجناءيه الدولية ويمنحها اختصاص النظر في جرائم الاباده الجماعية والجرائم ضد الانسانيه وجرائم الحرب.
المطلوب:
لنحاول من خلال المادة 7 من المعاهدة القتبسة أدناه، أن نتبين كيف أن كل واحد من هذه الجرائم والانتهاكات يهدد وأحيانا يلغي قيمة الشخص على النحو المحد سابقا، وبأي معنى تكون هذه الجرائم فعلا جرائم لا ضد شخص بل ضد الإنسانية
ويفترض فينا في نهاية النقاش أن نكون قادرين على إدراك مفهوم الشخص ومن ثم قيمته في مدلولهما الكوني المجرد الذي لا تتعلق فقط بهذا "الشخص" او ذاك من بني البشر :
وضعية مشكلةوضعية إدماجية: تعريف الجرائم ضد الإنسانية حسب المحكمه الجناءيه الدولية (مقتطف من النظام الأساسي للمحكمة)
لغرض هذا النظام الاساسي ، فإن "جريمه ضد الانسانيه" تعني اي فعل من الافعال التالية عندما ترتكب كجزء من هجوم مدبر واسع النطاق او منهجي موجه ضد اي مجموعة من السكان المدنيين :
الاسترقاق؛ ابعاد السكان او النقل القسري للسكان ؛ االسجن او الحرمان الشديد علي اي نحو آخر من الحرية البدنيه بما يخالف القواعد الاساسية للقانون الدولي، الاختفاء القسري للاشخاص؛ جريمه الفصل العنصري؛ التعذيب؛ لاغتصاب والاستعباد الجنسي والبغاء القسري والحمل او التعقيم القسري ، أو أي شكل آخر من الأشكال الخطيرة للعنف الجنسي ؛ اضطهاد اية جماعة محددة ، سياسية أو عرقيه او قوميه او اثنيه أو ثقافية أو دينية ، حسبما عرف في الفقره 3 ، أو لأسباب أخرى من المسلم عالميا بأن القانون الدولي لا يجيزها ، وذلك فيما يتصل باي فعل مشار اليه في هذه الفقره او بأية جريمه تقع ضمن اختصاص المحكمه ؛ الافعال اللاانسانيه الاخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمدا فى معاناة شديدة او ضرر بالغ بالجسم او بالصحه العقليه او البدنيه جماجم لضحايا التطهير العرقي! جماجم لضحايا التطهير العرقي معروضة في موقع مورابي التذكاري بجنوب شرق رواندا
III-الشخص بين الضرورة والحتمية
وضعية مشكلةوضعية مشكلة:في فيلم "جعلوني مجرما" مثل فريد شوقي شخصية طفل يتيم، قادته إلى الانحراف ومن ثم إلى السجن قسوة الأب وزوجة الأب وظلم الوسط الاجتماعي،
لم تكن تظهر عليه في البداية أية بوادر للإنحراف والإجرام، لكن سوء المعاملة والظلم البين اللذين تعرض لهما، سيدفعانه يوما إلى رد فعل يقوده إلى السجن، وفي السجن تعلم ان يكون وحشا حتى لايفترسه الآخرون، و سيترقى سلالم التراتبية في مجتمع المساجين (المدانين كمجرمين)، مما سيجعل الوسط الاجرامي يتلقفه بالأحضان مباشرة بعد خروجه من السجن
لم يكن السجين السابق يزداد كل يوم إلا غوصا في أوحال الجريمة والقسوة والعنف، وعندما ألقي عليه القبض أخيرا، ووقف في قفص الإتهام انتصب محاميه يسرد "أوديسة" اليتم والبؤس والظلم التي عاشها موكله ليتساءل أخيرا:
ياحضرات القضاة، إن موكلي ضحية وليس مجرما! من ينبغي أن يحاكم هو المجتمع الظالم لا موكلي المظلوم...! الإنسان-الدمية
هل الشخص مجرد دمية تحرك خيوطها إشراطات لاواعية وتحدد حركاتها حتميات موضوعية؟
استشكالات أولية:
يبدو أن مدار الحديث عن مفهوم الشخص - كذات عاقلة وحرة تنسب إليها مسؤولية افعالها - ينحصر في قضيتين: الكرامة والمسؤولية. يشير المفهوم الأول إلى مايحق للمرء النمتع به بوصفه شخصا، بينما يشير المفهوم الثاني إلى ماهو ملزم او ملتزم به أو مطالب به بوصفه شخصا أيضا.
بحثنا المفهوم الأول في المحور السابق. إذا اقتصرنا الآن على المفهوم الثاني، فمن اليسير أن نتصور بأن المسؤولية لاتنفصل عن صفة أخرى وهي الحرية التي يطالب بها الفرد كجزء من كرامته، وهذه المرة أيضا، بوصفه شخصا.
لن نتوقف عند الحريات السياسية لأن المانع دونها جلي واضح، وهو النظام السياسي ومختلف أشكال التضييق والقمع التي يمارسها على حرية الأفراد في التجمع والتعبير، سيقتصر بحثنا فقط على الحرية التي يحاسب الشخص بموجبها أخلاقيا من قبل الغير أو من قبل ضميره الشخصي (تأنيب الضمير) ؛أو تلك الحرية التي تترتب عنها المسؤولية المدنية أو الجنائية والتي بموجبها يحاسب المرء قانونيا أمام العدالة، ذلك أن القاضي ملزم بإثبات خلو الفعل من الإكراه كشرط لإثبات المسؤولية أي توفر عنصر الحرية والاختيار، وبناءا عليه يعرض المتهم نفسه للعقوبات المقررة
أ- هل هي إذن حرية موهومة؟
في المحورين السابقين تمت مقاربة مفهوم الشخص من زاوية الوعي وبشكل مجرد من كل تعيين، بيد أن الكائن الشري بنية سيكوفيزيولوجية وكائن سوسيوثقافي، فلا يسعه الإنفلات من قوانين الفيزيولوجيا والمحددات النفسية والإكراهات السوسيوثقافية.
إن تجاهل هذه الشروط هي مايجعل كل إنسان يعتقد أنه السيد في مملكة نفسه، وأنه من اختار بمحض إرادته بعض ملامح شخصيته، بيد أن العلوم الإنسانية تكشف خلاف ذلك: فالشخصية في علم النفس السلوكي لاتعدو أن تكون خلاصة ومحصلة لإستجابات ترسخت كردود فعل على مثيرات خارجية تعمل على تشجيع أو كبح بنيات نفسية معينة؛ أما التحليل النفسي، فيرى البناء النفسي للشخصية كنتيجة حتمية لخبرات مرحلة الطفولة، كما أن الكثير من الأنشطة الإنسانية تحركها دوافع الهو اللاشعورية ذات الطبيعة الجنسية أو العدوانية. هذا الهو الذي قال عنه "نيتشه": وراء أفكارك وشعورك يختفي سيد مجهول يريك السبيل، إسمه الهو. في جسمك يسكن، بل هو جسمك، وصوابه أصوب من صواب حكمتك"، بل إن بول هودار يذهب إلى حد القول بأن: " كلام الإنسان كلام مهموس له به من طرف الهو، الذي يعبر عن نفسه في الإنسان عندما يحاول الإنسان أن يعبر عن ذاته !!"
أما بالنسبة لعلماء الإجتماع والأنثربولوجيا، فإن طبقات مهمة في الشخصية لاتعدو أن تكون سوى انعكاس للشخصية الأساسية للمجتمع أو الشخصية الوظيفية لجماعة الإنتماء. وإذا كانت التنشئة الإجتماعية تزود الفرد بعناصر من ثقافة المجتمع، فأن هذه الثقافة حسب التحليل الماركسي تعكس البنية التحتية المستقلة عن وعي الذوات: لأن الوجود المادي هو الذي يحدد الوعي لاالعكس. ويلاحظ غي روشيه من جهة أخرى بأن " معظم رغبات الإنسان وحاجاته وآماله لاتتكون تلقائيا أو تبعا لنوع من الضرورة اليبولوجية، بل إنها تتحدد بحسب التشجيع الذي تلقاه والمكافآت التي تقدم لها ومن ثم تنقش في الشخصية " ، وعلى هذا الأساس : فكلما تكلم الفرد أو حكم ، فالمجتمع هو الذي يتكلم أو يحكم من خلاله حسب عبارة دوركايم.
حاصل الكلام هو اختفاء الإنسان أو موته كما أعلنت البنيوية، لأن البنيات النفسية الإجتماعية اللغوية... هي التي تفعل وليس الذات أو الفرد. هل يمكن بعد كل هذا الحديث عن الإنسان كما نتحدث عن ذات أي عن كائن قادر على القيام بعمل إرادي؟ هل للسؤال "من أنا " بعد من قيمة؟ !!
ب- أم أن كونه شخصا هو بالضبط مايسمح له بأن يبارح مملكة الضرورة؟
رغم كل ماذكر فإن الإنسان لازال يقنع نفسه بأن له شيئا يفعله، شيئا يبقى عليه أن يفعله. إن النظر إلى الشخص باعتباره ذاتا ووعيا يمكننا من القول بأن وعي الإنسان بالحتميات الشارطة يمثل خطوة أولى على طريق التحرر من تأثيرها وإشراطها المطلق، بل إن مذاهبا فلسفية كثيرة وعلى رأسها الوجودية تؤسس " أسبقية الوجود على الماهية " على خاصية الوعي، لأن الإنسان ليس وجودا في ذاته كالأشياء، بل وجودا لذاته، مما يجعل وجوده مركبا لانهائيا من الإختيارات والإمكانيات، فعلى عكس الطاولة التي أو الشبل اللذان يتحدد نمط وجودهما بشكل خطي انطلاقا من ماهيتهما القبلية، فإن الإنسان مفتقر إلى مثل هذه الماهية التي قد تسمح بتعريفه أو الحديث عن شخصيته على نحو قبلي مسبق. صحيح أن الفرد يحيا على الدوام لا في المطلق، بل في وضعية محددة اجتماعيا وتاريخيا، لكن ردود أفعاله واختياراته لاتحددها هذه الشروط الموضوعية وحدها، بل وأيضا المعنى الذاتي الذي يفهم بموجبه هذه الشروط والأوضاع مما يفسح مجالا واسعا للإحتمال والحرية. من هنا نفهم تصريح سارتر بأن الإنسان مشروع في سماء الممكنات، محكوم عليه بأن يكون حرا، وبان الإنسان ليس شيئا آخر غير مايصنع بتفسه.
ونستطيع استثمار أطروحة سارتر التي أتينا على ذكرها للقول بأن الإنسان ليس آلة إلكترونية، حتى لو أضفنا لها صفات الذكاء والصنع المتقن يقول إيمانويل مونييه رافضا كل اختزال للشخص إلى شيء أو موضوع:
نص لإيمانويل مونييه: ليس البشر صنفا من أشجار متحركة أو جنسا من حيوانات ذكية
ليس الشخص موضوعا ، بل هو بالذات ، في أي إنسان، مالا يمكن أن يعامل بوصفه موضوعا. هذا شخص مجاور لي مثلا، إن له إحساسا فريدا بجسده ليس بإمكاني أن أعايشه فيه لكن بإمكاني النظر إليه من الخارج وفحص حالاته المزاجية ورصيده الوراثي. . . وبعبارة واحدة يمكنني مقاربته كمادة لمعرفة فيزيولوجية أو طبية . . . انه موظف، وهناك نظام خاص بالموظف وسيكولوجيا خاصة بالموظف أستطيع دراستهما مطبقين على حالته، بالرغم من أن هذه المعارف ليست هي هو ولا تعبر عنه في كليته وفي حقيقته.
لانقول إن هناك الأحجار والأشجار والحيوانات وبجوارهم الأشخاص كما لو كان هؤلاء صنفا من أشجار متحركة أو جنسا من حيوانات ذكية ! كلا بل حتى القول بأن "الشخص أكثر الموجودات إتقانا وروعة" قول غير صحيح لأنه ليس مجرد شيء يمكن معرفته من الخارج كبقية الأشياء.
إن الشخص هو الواقعة الوحيدة التي نعرفها ونعيشها في نفس الوقت من الداخل. واقعة حاضرة في كل مكان، لكنها ليست معطاة في أي مكان، ومع ذلك فنحن لا نلقي بها في مجال الأشياء الفير القابلة للوصف. فهي تجربة غنية منغرسة في العالم، تعبر عن نفسها بواسطة إبداع لا يتوقف لأوضاع وقواعد ومؤسسات، إنها نشاط معيش، أساسه الإبداع الذاتي والتواصل والانخراط... وهذا النشاط هو حركة شخصنة
وهكذا، فنحن أبعد مانكون عن الخطاطة التبسيطية التي تجعل الشخص والظاهرة الإنسانية عموما خاضعة على غرار الظواهر الطبيعية لمقولة الحتمية، وماذلك إلا لأن الشخصية كما يقول " برغسون" بناء مستمر وتعاقب لاينقطع لحالات نفسية فريدة لاتقبل التكرار، والحال أن الحتمية ومن ثم التنبؤ لايصدقان إلا في حالة الظواهر المتشابهة القابلة للتكرار. وماأشبه العلاقة الفريدة التي تجمع الشخصية بالفعل الصادر عنها بعلاقة المبدع بعمله الفني.
إذا كان لابد من خلاصة تجمع أطراف موضوع متشعب كموضوع "الشخص بين الضرورة والحرية"، فسنقول بأن الشخص الكائن المفكر العاقل والواعي...إلخ ينطوي في المستوى المحسوس على شخصية هي حصيلة تفاعل بين عوامل باطنية وأخرى متعلقة بالمحيط الخارجي، إنها ذلك الشكل الخاص من التنظيم الذي تخضع له البنيات الجسمية، النفسية والإجتماعية. صحيح أن هذا التنظيم يخضع لعوامل ومحددات موضوعية كثيرة، لكن ذلك لايلغي دور الشخص في بناء شخصيته. وإذا ما بدا موضوع الشخص إشكاليا متعدد الأبعاد، فماذلك إلا لأن دراسة الشخص ليست إلا إسما آخر لدراسة الإنسان بكل تعقده وغموضه.
أ-ثبات الأنا واستمراريته في الزمان:
وضعية مشكلةوضعية مشكلة: لو أن أحدهم كان سكيرا، مجرما، قاطع طريق، فظا غليظ القلب، ثم تاب- بقدرة قادر - فأصبح من أتقى الأتقياء، يفيض قلبه رحمة ويداه عطاءا وعيناه دمعا !! فهل نحن أمام نفس الشخص أم لا ؟ وماذا تعني عبارة "نفس الشخص"؟ ماذا تبقى منه؟ جسده؟ هل نختزل الشخص إذن في هيأته وجسده؟ ماذا لو أعترى الهيأة تشوه أو أصاب الجسد بتر ؟ أو تغيير جذري بسبب عملية تجميل ؟ هل نظل هنا إزاء نفس الشخص أيضا؟
لنتخيل وضعية أخرى: شخصا يهيم حبا بشخص آخر،لاتبارح صورته مخيلته ليل نهار، يسعد بقربه ويشقى بالبعد عنه، ثم حدث أن خبا هذا الحب لسبب أو لآخر، أو تعلق الهوى بمحبوب جديد وكأن شيئا لم يكن ! هل نحن هنا أمام نفس الشخص قبل الإنقلاب العاطفي وبعده؟
ألم تقل أم كلثوم في أغنية " ثورة الشك":
أكاد أشك في نفسي لأني أشك فيك وأنت مني!
ومرة أخرى: ماذا تعني عبارة "نفس الشخص"؟
ولمزيد من التفاصيل حول كيفية إنجازي لهذه الحصة، انظر هنــــــــــــــــــــا المجرم الذي أصبح تقيا!
استشكالات أولية:
رغم تعدد وتنوع بل وتعارض الحالات النفسية التي يمر منها الشخص طيلة حياته، فإن كل واحد منا يحيل باستمرار إلى نفسه بضمير "أنا" بوصفه وحدة وهوية تظل مطابقة لذاتها على الدوام. غير ان هذه الوحدة التي تبدو بديهية تطرح مع ذلك أسئلة عديدة
بل إن البديهي يشكل الموضوع الأثير والمفضل للفكر الفلسفي. ويمكن القول أن الفيلسوف يصادف إشكالية الوحدة المزعومة للهوية الشخصية في معرض بحثه في الماهيات والجواهر. يتساءل الفيلسوف: إذا كان لكل شيء ماهية تخصه، بها يتميز عن غيره، فهل هناك ماهية تخص الفرد، بها يتميز عن غيره بشكل مطلق؟ خصوصا إذا علمنا أنه ما من صفة فيه، جسمية او نفسية، إلا ويشاطره التخلق بها عدد قليل أو كثير من الأفراد؛ وإذا عرضنا الشخص على محك الزمن والتاريخ، فهل هناك جوهر يظل ثابتا رغم تغيرات الجسم وأحوال النفس وانفعالاتها؟.
نلاحظ أن الفرد يستطيع التفكير في الموجودات الماثلة أمام حواسه أو المستحضرة صورتها عبر المخيلة، ولكنه يستطيع أيضا التفكير في ذاته ، في نفسه هذه التي تفكر!!
يسمى هذا التفكير وعيا وهو نفس الوعي الذي اعتمدعليه ديكارت في " الكوجيطو" وخصوصا وعي الذات بفعل التفكير الذي تنجزه في لحظة الشك أي الوعي بالطبيعة المفكرة للذات التي تقابل عند ديكارت طبيعة الإمتداد المميزة للجسم.
كيف يتمظهر أولا هذا الوعي بالذات في التجربة البسيطة؟
الشعور بالهوية الشخصية هي ما يميز كائنا مفكرا عن آخر
نص جون لوك : "الوعي المصاحب لجميع الحالات الشعورية أساس الهوية الشخصية"
اانتبه يرى "جون لوك" أن مايجعل الشخص " هو نفسه" عبر أمكنة وأزمنة مختلفة، هو ذلك الوعي أو المعرفة التي تصاحب مختلف أفعاله وحالاته الشعورية من شم وتذوق وسمع وإحساس وإرادة، تضاف إليها الذاكرة التي تربط الخبرات الشعورية الماضية بالخبرة الحالية، مما يعطي لهذا الوعي استمرارية في الزمان
لكي نهتدي إلي ما يكون الهوية الشخصية لا بد لنا ان نتبين ما تحتمله كلمة الشخص من معنى. فالشخص، فيما اعتقد، هو كانن مفكر عاقل قأدر على التعقل و التأمل وعلي الرجوع الى ذاته بأعتبار أنها مطابقة لنفسها، و انها هي نفس الشيء الذى يفكر في أزمنة و أمكنة مختلفة. ووسيلته الوحيدة لبلوغ ذلك هو الشعور الذى يكون لديه عن أفعاله ألخاصة، و هذا الشعور لايقبل االانفصال عن الفكر بل هو، فيما يبدو لي، ضروري وأساسي تماما بالنسبة للفكر، ما دام لا يمكن لأى كائن بشري كيفما كان، أن يدرك ادراكا فكريا دون أن يشعر انه يدرك إدراكا فكريا
عندما نعرف أننا نسمع أو نشم أو نتذوق و نحس بشيء ما أو نتأمله أو نريده، فإنما نعرف ذلك فى حال حدوثه لنا. إن هذه المعرفة تصاحب على نحو دائم احساساتنا و إدراكاتنا الباطنة، و بها يكون كل واحد منا هو نفسه بالنسبة إلى ذاته
لندع جانبا مسألة البحث فيما إذا كان الأنا مستمر الوجود من خلال نفس الجوهر أو من خلال جواهر مختلفة، اذ لما كان الشعور يقترن بالفكر على نحو دانم، و كان هذا هو ما يجعل كل وأحد هو نفسه و يتميز به، من ثم، عن كل كائن مفكر آخر، فإن ذلك هو وحده ما يكون الهوية الشخصية أو الإنية وما يحعل كأئنا عاقلا يبقى دانما هو هو
وإن هوية الشخص لَتمتد بعيدا في الماضي امتدادا أقصاه أبعد وأقدم فكرة أو فعل يستطيع وعيه الحاضر أن يمتد إليهما ؛ في هذه الحالة نقول إن نفس الذات التي أنجزت هذه الأفعال في الماضي هي نفسها الآن التي تستذكرها.
أفكار عامة موجهة لعملية فهم النص وتحليله:
لفهم هذا النص وتأطيره نظريا، لابأس من أن نتذكر جميعا سؤال ديكارت في التأمل الثاني: "أي شيءأنا إذن؟ " والجواب: " أنا شيء مفكر"
لكن إذا كان كل من "لوك" و "ديكارت" يتفقان بأن الشخص هو ذلك الكائن الذي يحس ويتذكر و -يضيف التجريبي لوك- يشم ويتذوق!
فإنهما يختلفان في الجواب على السؤال التالي: ولكن هل وراء هذه الأفعال جوهر قائم بذاته؟
يجيب ديكارت بنعم : إنها النفس جوهر خاصيته الأساسية هي التفكير، بينما يجيب لوك بالنفي انسجاما مع نزعته التجريبية التي لاتقر لشيء بصفة الواقعية والحقيقة مالم يكن إحساسا أو مستنبطا من إحساس، والواقع أن " الجوهر المفكر" -من وجهة نظر المحاكمة الحسية- كينونة ميتافيزيقية لايسع لوك قبولها
، لاحظ العبارة المكتوبة بخط غليط souligné والتي يؤجل فيها لوك مناقشة السؤال: هل هذه الاستمرارية قائمة من خلال جوهر واحد او جواهر مختلفة متعاقبة ولكن دافيد هيوم أوضح من مواطنه بحيث ينكر إنكارا تاما وجود أي جوهر يسند افعال الوعي من تذكر وإحساس بالبرد او الفرح....
وباختصار فالهوية الشخصية تكمن في فعل الوعي، وعندما يتعلق الأمربالماضي يصبح الوعي ذاكرة بكل بساطة، وكل هذا لكي يتجنب لوك القول بوجود جوهر مفكر باختصار أكثر : الوعي عند "جون لوك" فعل أو علاقة تربط الكائن بأفعاله وإحساساته وماضيه، وليس جوهرا
انقتاحات ممكنة للنص:
قارن نص لوك مع القولة التالية لكانط : "إنّ "الأنا أفكر" يرافق بالضّرورة كلّ تمثّلاتي" أي أنه يمثل شرط الوحدة والتّأليف بين الحدوس والإدراكات المتنوعة المعطاة في الوعي.
ولنلاحظ كبف يكتفي جون لوك في بداية الفقرة الأخيرة بإثارة مسألة شائكة دون التوقف عتدها وهي : " هل هذه الأنا التي نحس باستمراريتها في الزمان، هل هي واحد أم مجموع هل هي جوهر بسيط أم مركب؟ هل هي جوهر واحد كما اعتقد ديكارت أم أنها ليست سوى ذلك الركام من الخبرات والذكريات والأفكار والانطباعات الحسية؟ كما سيقول مواطنه الفيلسوف التجريبي دافيد هيوم
يقدم لنا النص التالي مثالا حيا للفكرة القائلة بأن الفلاسفة غالبا مايطرحون نفس السؤال ولكن بصيغ مختلفة! لننظر كيف يطرح "باسكال" السؤال حول ماهية هذا " الأنا"
هل هناك فعلا ذات أي جوهر قائم بذاته وراء المتغير ؟ أم الموجود هو الصفات العرضية لاغير؟
نص لباسكال : " ذاك الذي يحب شخصا لجمال محياه، هل يحبه فعلا؟"
ماهو الأنا؟ عندما يطل إنسان من النافذة من أجل رؤية المارة، وإذا ما مررت أنا من أمام النافذة التي يطل منها ذاك الإنسان، فهل يمكنني أن أقول إن الذي يقف وراء النافذة إنما يقوم بذلك من أجل رؤيتي؟ كلا، لأنه لا يفكر فيّ أنا على وجه الخصوص. وذاك الذي يحب شخصا لجمال محياه، كل يحبه فعلا؟ كلا، لأن داء الجذري قد يقضى على جماله دون أن يقضي على شخصه مما قد يدفع بالشخص المحب إلى إعراضه عن الشخص المحبوب.
و إذا كنت أنا محبوبا بسبب سداد رأيي و قوة ذاكرتي، فهل أنا محبوب حقا؟ كلا، لأنني قد أفقد هاتين الصفتين، دون أن أفقد ذاتى. فأين هو إذن ذاك الأنا، إذا لم يكن موجودا لا في الجسم و لا في النفس؟ كيف يمكن إذن أن نحب الجسم أو النفس إن لم نكن نحبهما لتلك الصفات التي لا تشكل الأنا البتة ما دامت فانية. فهل نستطيع أن نحب، بصفة مجردة، جوهر النفس مهما كانت الصفات التي تسمها؟ إن هذا أمر غير ممكن و غير عادل. نحن إذن لانحب أحدا[في ذاته]، لكننا نحب صفاته فقط
بعد فحص إحتمالات وجود الذات في النفس أو الجسم، لايعثر باسكال على غير صفات عرضية زائلة، فيخلص إذن إلى أن وجود الذات وجود إشكالي وليس وجودا بديهيا كما يتراءى لأول وهلة،متسائلا: فأين هو إذن ذاك الأنا، إذا لم يكن موجودا لا في الجسم و لا في النفس؟ على هذا السؤال سيجيب الفيلسوف التجريبي دافيد هيوم : لاوجود للأنا في أي مكان!
لاوجود للأنا !
نص دافيد هيوم: "لاوجود للأنا !"
اانتبهحول صاحب النص: دافيد هيوم فيلسوف تجريبي، لايعترف بغير الانطباعات الحسية مصدرا للأفكار، وفي هذا الإطار رفض إضفاء صفات الموضوعية والضرورية على فكرة السببية، وردها بعد التحليل إلى العادة.
من وجهة النظر التجريبية (لوك وهيوم) هناك نوعان لاغير من الحالات الشعورية أو محتويات الوعي: إحساسات بسيطة مباشرة وأفكار مشتقة أو مركبة منها.
إن مصوغات إنكار السببية هي نفسها مسوغات إنكار " الأنا". مثلما لا أعثر في الواقع سوى على حدثين يتكرر حدوث أحدهما بعد الآخر، كذلك، عندما أتأمل مايسمى بأناي، لاأعثر سوى على انطباعات مفردة كإحساس بالبرد او الحر، بالضوء أو الظل، بالحب أو الكراهية....
يعتقد بعض الفلاسفة أننا نكون في كل لحظة على وعي بما يسمى الأنا، وأننا نشعر بوجوده واستمرارية وجوده، واننا متيقنون من هويته وبساطته التامتين يقينا تفوق بداهته ما يمنحنا إياه البرهان، إن أقوى الاحساسات وأعنف الأهواء - في نظرهم - لاتصرفنا عن الوعي بالأنا ولا تزيده إلا قوة، ذلك أن اللذة و والألم اللذين يرافقان هذه الاحساسات إنما يوجهان انباهنا إلى تأثيرات تمارس على هذا الأنا. إن كل محاولة لتقديم دليل إضافي على هذا اليقين لن يؤدي سوى إلى إضعاف بداهته، لأن من المحال -في نظر هؤلاء الفلاسفة- إقامة دليل على واقعة نعيها بشكل حميمي، ولانستطيع أن نتيقين من أي شيء أخر لو لم نتيقن منها أولا
والواقع أن كل هذه الأطروحات تتناقض بالضبط مع التجارب التي تقدم لتبريرها، لأننا لانملك اي فكرة عن الأنا على النحو الذي قدموه
حسنا، ماهو بالضبط الانطباع الحسي المولد لهذه الفكرة؟ من الصعب تجنب التناقض والحيرة أثناء الجواب على هذا السؤال. ولكن لامفر من التصدي لهذا السؤال من أجل أن تغدو فكرة الأنا واضحة ومفهومة.
لكي تكون فكرة ما واقعية، فلابد أن تشتق من انطباع حسي ما، لكن الأنا أو الشخص ليس انطباعا حسيا مفردا، بل هو ماتنسب إليه مختلف الانطباعات. فإذا وجد انطباع حسي مولد لفكرة "الأنا" فلابد أن يتصف هذا الانطباع بنفس صفات الأنا وهي الثبات والاستمرارية طيلة حياتنا، والحال أنه لاوجود لانطباع مستمر وثابت: إن الألم واللذة، الفرح والحزن، الأهواء والاحساسات، تتعاقي ولاتوجد أبدا متزامنة مجتمعة. وعليه ففكرة الأنا لايمكن ان تتولد عن هذه الانطباعات ولاعن أي إنطباع آخر، ومن ثم فلا وجود لمثل هذه الفكرة واقعيا.
عندما أجهد نفسي لاستبطان هذا الأنا، لاأعثر دائما سوى على هذا الانطباع أو ذاك: على احساس بالبرد او الحر، بالضوء أو الظلام، بالحب أو الكراهية، بالألم أو اللذة. أي انني لاأستطيع ان اتصور نفسي إلا مقرونة بادراك ما، ولا أظفر بغير هذا الإدراك.
عندما يغيب الإدراك لمدة معينةكما في النوم العميق، فإنني لاأعي ذاتي. بل أستطيع القول وبكل صواب أنني غير موجود
ب- الذاكرة والهوية الشخصية
br>
وضعية مشكلةوضعية مشكلة:لو خيرنا شخصا بين قتله ومسح ذاكرته مسحا تاما كاملا وإذا افترضنا أن الوظائف الحسية الحركية كالمشي واقفا وتجنب مصادر الخطر، ومهارة الإمساك بالملعقة والوظائف الاجتماعية الدنيا كستر العورة... قد بقيت سالمة، لاختار مسح الذاكرة، رغم أن النتيجة في كلتا الحالتين واحدة
كيف ولماذا؟
وما رأيك وتعليقك على الجواب التالي؟
إن مسح ذاكرته كقتله سواء بسواء، في كلتا الحالتين ينتهى الشخص الأول ولا يعود له أي وجود! لم يعد نفس الشخص إلا بالنسبة للغير، أما بالنسبة لإدراكه هو لذاته، فإنه لايعرف حتى من هو! ولا ماذا يفعل في هذا المكان بالضبط! عليه أن يتعلم كل شيء من جديد بدءا من اللغة و أسماء أيام الأسبوع وصولا إلى الدين والمعتقد، الإنسان-الذي ميحت ذاكرته
تريد هوية جديدة؟ تفضل هذه ذاكرة جديدة !
لم تعد أنت هو أنت!
يميزابن سينا بين بين عنصر متغير ومتحلل هو الجسم وعنصر ثابت مستمر هو النفس، بيد أن هذه الاستمرارية لاتحضر إلا من خلال فعل التذكر وملكة الذاكرة
يقول الشيخ الرئيس:
" تأمل أيها العاقل أنك اليوم في نفسك هو الذي كان موجودا جميع عمرك حتى إنك تتذكر كثيرا مما جرى من أحوالك، فأنت إذن ثابت مستمر لاشك في ذلك وبدنك وأجزاؤه ليس ثابتا مستمرا بل هو أبدا في التحلل والإنتقاص..."
والواقع أن ابن سينا يشير هنا إلى ظاهرة "الوعي بالذات" التي تصاحب مختلف حالات الوجود البشري بحيث تمنح الفرد شعورا بهويته وأناه وبثباتها.ويتجلى هذا واضحا في شعور الفرد داخلياً وعبر حياته باستمرار وحدة شخصيته وهويتها وثباتها ضمن الظروف المتعددة التي تمر بها، كما يظهر بوضوح في وحدة الخبرة التي يمر بها في الحاضر واستمرار اتصالها مع الخبرة الماضية التي كان يمر بها.
إذا كانت الذاكرة هي مايعطي لشعور الشخص بأناه وبهويته مادتهما الخام، فإن امتداد هذه الهوية في الزمان، كما يلاحظ جون لوك، مرهون باتساع أو تقلص مدى الذكريات التي يستطيع الفكر أن يطالها الآن: وبعبارة أخرى إنني الآن هو نفسه الذي كان ماضيا وصاحب هذا الفعل الماضي هو نفس الشخص الذي يستحضره الآن في ذاكرته.
لهذا السبب، وعندما يتساءل برغسون عن ماهية الوعي المصاحب لجميع عمليات تفكيرنا، يجيب ببساطة: إن الوعي ذاكرة، يوجد بوجودها ويتلف بتلفها:
نص برغسون: "الوعي ذاكرة"
إن من يقول فكرا يقول قبل كل شيء وعيا. لكن ما الوعي؟ إنك تعتقد تماعا أنني لن أعرف شيئأ يتسم بمثل هذا الطابع الملموس وبمثل هذا الحضور الدائم في تجربة كل واحد منا. ولكن أستطيع دون اعطاء تحديد للوعي أقل وضوحا منه، أن أميزه بأكثر سماته بروزا:
يعني الوعي قبل كل شيء الذاكرة. قد تفتقر الذاكرة إلى الاتساع، وقد لا تشمل إلا قسما من الماضي، وقد لا تحفظ إلا ما حصل من قريب. ولكن الذاكرة تكون موجودة ء وإلا فلن يكون الوعي موجودا فيها. فالوعي الذي لا يحفظ شيئا من ماضيه، وينسى ذاته باستمرار يتلف تم يعود في كل لحظة...
إن كل وعي هو ذاكرة أي احتفاظ بالماضي وتراكم في الحاضر. ولكن كل وعي هو استباق للمستقبل. انظر إلى توجهك في أية لحظة، وستجد أنه يهتم بما هو قائم، لكن من أجل ماسوف يكون، إن الانتباه انتظار، ولا يوجد وعي بدون انتباه لحياة المستقبل. إنه يوجد هناك، وهو يدعونا، بل إنه يجرنا إليه. وهذا الجر الذي لا ينقطع، يجعلنا نتقدم على طريق الزمن، هو أيضا دافع يدفعنا إلى التحرك باستمرار، وكل عمل هو استشراف للمستقبل. . .لنقل إذن، إن شئتم ألوعي هو وصل بين ما كان وها سيكون، بين ألماضي والمستقبل. هزي برغسون، الطاقة الروحية، المطابع الجامعية الفرنسية 1985 ص: 4 - 5
ج- دور الغير في تشكيل الهوية الذاتية:
ومن الجدير بالذكر أن الوعي بالذات على هذا النحو الأرقى ليس مقدرة غريزية او إشراقا فجائيا، بل هو مسلسل تدريجي بطيء يمر أولا عبر إدراك وحدة الجسم الذي ينفصل به الكائن عما عداه، وعبر العلاقة مع الغير.
الإشارة إلى الطفل بضمير أنت بقدر مانشير إلى الطفل باستمرار ونخاطبه مستعملين ضمير "أنت"، بقدر مانلفت انتباهه إلى كينونته المستقلة، وندفعه، بشكل غير مباشر، لاستعمال ضمير "أنا"
II-الشخص بوصفه قيمة
استشكالات أولية:
مالذي يؤسس البعد القيمي-الأخلاقي للشخص؟ وهل يمكن فلسفيا تبرير الاحترام والكرامة الواجبة بشكل مطلق للشخص البشري ؟ وما علاقة ذلك بمسؤوليته والتزامه كذات عاقلة وحرة تنسب إليها مسؤولية افعالها ؟
وضعية مشكلةوضعية مشكلة:لماذا يقول القرآن الكريم في سورة المائدة آية 32 : " أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا"
ولماذا توصف بعض الجرائم بعبارة جرائم ضذ الإنسانية رغم أنها لم تستهدف ولم يذهب ضحيتها سوى عدد محدد من الناس قد يقل أو يكثر؟ وماهي بالضبط هذه الجرائم؟
يستفاد من المحورين السابقين أن الفرد وبشكل مجرد سابق على كل تعيين - أي وقبل أن يتحدد بطول قامته أو لون عينيه او مزاجه أو ثروته- هو ذات مفكرة، عاقلة، واعية قوامها الأنا الذي يمثل جوهرها البسيط الثابت ، بغض النظر عن الاختلاف القائم بين الفلاسفة حول طبيعة هذا الأنا وعلاقته بالجسد والانطباعات الحسية والذاكرة...
ولكن مافائدة هذا التجريد النظري على المستوى العملي؟ هل يمكن أن نرتب عليه نتائج أخلاقية ملموسة؟ انطلاقا من هذا التجريد، ذهب كانط بأن الإنسان هو أكثر من مجرد معطى طبيعي، إنه ذات لعقل عملي أخلاقي يستمد منه كرامة أي قيمة داخلية مطلقة تتجاوز كل تقويم أو سعر. مادم هذا العقل ومقتضياته كونيا، فإن الأنسانية جمعاء تجثم بداخل كل فرد مما يستوجب معاملته كغاية لاكوسيلة والنظر إليه كما لو كان عينة تختزل الإنسانية جمعاء.
نص إيمانويل كانط: "العقل أساس كرامة الشخص وقيمته المطلقة"
يعتبر الإنسان داخل نظام الطبيعة (كظاهرة من ظواهر الطبيعة وكحيوان عاقل) غير ذي أهمية قصوى : إذ أنه يمتلك مع مجموع الحيوانات الأخرى - بوصفها منتوجات للارض - قيمة مبتذلة. لكن ما جعله - إضافة إلى امتلاكه ملكة الفهم - يسمو على جميع الكائنات الأخرى هو كونه قادرا على تحديد غايات لنفسه لا يكسب بذلك إلا قيمة خارجية نفعيه، هذا بالرغم من كوننا قادرين على تفضيل هذا الإنسان عن ذاك (وكأننا أمام تجارة للبشر). الأمر الذي يؤدي بنا إلى القول أن الإنسان يقوم بسعر وكأنه بضاعة داخل تجارة للبشر منظورا إليهم من زاوية الحيوان أو الأشياء، لكن سعره ذاك يظل أقل قيمة من قيمة متوسط العملة السائدة والتي تؤخذ كقيمة عليا . .
لكن عندما نعتبره كشخص، أي كذات لعقل أخلاقي عملي، سنجده يتجاوز كل سعر. وبالفعل لا يمكن أن تقدره - بوصفه كذلك أي بوصفه شيئا في ذاته - فقط كوسيلة لتحقيق غايات الآخرين أووسيلة لتحقيق غاياته الخاصة بل يمكن تقديره كغاية في ذاته وهذا معنى أنه يمتلك كرامة (وهي قيمة داخلية مطلقة). وبامتلاكه لهذه القيمة يرغم كل الكائنات العاقلة الأخرى على احترام ذاته ويتمكن من مقارنة ذاته بكل مخلوقات نوعه، ويتبادل معها نفس الاحترام على أساس قاعدة المساوا ة. .
وهكذا تكون الإنسانية التي تجثم في شخصه موضوع احترام يمكنه أن يلزم به كل الآخرين. ولن يستطيع أي إنسان أن يحرم نفسه منه أو أن يتخلى عنه (..) .
وهذا يعني أنه لا ينبغي عليه أن يبحث عن غايته - وهذا من واجباته - بطريقة منحطة (...) ولا ينبغي عليه أن يتخلى عن كرامته، بل يجب عليه دائما أن يحافظ على الوعي بالخاصية السامية لتكوينه الأخلاقي الذي يدخل ضمن مفهوم الفضيلة، .
إن هذا الاحترام للذات إذن هوواجب على كل إنسان تجاه نفسه.
إ . كانط، ميتافيزيقا الأخلاق - الجزء الثاني، فران ، ص 109-108.
(مقتطف من الكتاب المدرسي -السنة الثانية-الشعبة الأدبية الطبعة الأولى 1996)
كتب كانط هذه الأفكار في "أسس ميتافيزيقا الأخلاق" في القرن الثامن عشر .صحيح أن القرن العشرين قد شهد تحسنا كبيرا للشرط البشري مقارنة مع قرن الأنوار: إلغاء الرق، التخفيف من الميز ضد النساء...، بيد أنه عرف أيضا أهوال حربين عالميتين جسدتا واقعيا فكرة الدمار الشامل، إنضافت إليهما حروب محلية شهدت أبشع أنواع التطهير العرقي ومعسكرات الاعتقال... مما جعل التأمل الفلسفي يعاود مجددا طرح السؤال حول حرمة الكائن البشري وسلامته الجسدية وبالخصوص حقه في عدم التعرض للأذى، مثلما نرى في النص التالي لطوم ريغان
نص توم ريغان: "ليست الكائنات البشرية أحياء فحسب، إنهم يمتلكون حياة"
توم ريغان تقديم النص:
طوم ريغان Tom Regan فيلسو أمريكي معاصر ولد في 28 نونبر 1938 بمدينة بيطسبورغ بولاية بنسيلفانيا. عمل أستاذا جامعيا إلى حين تقاعده مؤخرا، مهتم بفلسفة "حقوق الحيوان" "وهو موضوع كتابه الشهير: "قضية حقوق الحيوان"
تنتمي فلسفة طوم ريغان إلى التقليد الكانطي، لكن في حين يؤسس كانط القيمة المطلقة التي نعزوها إلى الكائنات البشرية على خاصية العقل، وبالضبط العقل الأخلاقي العملي، التي تتمتع بها هذه الكائنات،بما يجعل منها ذواتا أخلاقية، فإن طوم ريغان يعتبر هذا التأسيس غير كاف، وحجته في ذلك أننا ملزمون باحترام القيمة المطلقة لكائنات بشرية غير عاقلة مثل الأطفال وكذا الذين يعانون من عاهات عقلية جسيمة
وعليه فإن الخاصية الحاسمة والمشتركة بين الكائنات البشرية ليست هي العقل، بل كونهم كائنات حاسة واعية يحيون حياة يعنيهم أمرها، بمعنى ان مايحدث لنا يعنينا نحن بالدرجة الأولى بغض النظر عما إذا كان يعني شخصا آخر أم لا "
ويمضي توم ريغان بهذا المبدأ إلى مداه الأقصى فبخلص إلى أن جميع المخلوقات التي يمكنها أن تكون «قابلة للحياة»، أي مواضيع لوجود يمكن أن يتحول للأفضل أو للأسوأ بالنسبة إليها، تمتلك قيمة أصلية في ذاتها وتستحق أن تحترم مصالحها في عيش حياة أفضل.
في النص التالي، يحاول الفيلسوف الأمريكي المعاصر "توم ريغان" أن يبين الأساس الفلسفي الذي تقوم عليه هذه القيمة المطلقة المسندة للشخص البشري، إن التساؤل الرئيسي بالنسبة لتوم ريغان هو "هل للحيوانات الحق في عدم الأذى ؟ " ولكنه وللجواب على السؤال يضطر أولا ليفحص الحجج والمبرات التي تمنع معاملة الكائنات البشرية كوسائل أو تعريضها للأذى
من السهل تقديم نظرية أخلاقية جديدة، ولكن من الصعب تبرير أسسها وتقديم مسوغات كافية لإقناعنا بوجوب تبنيها(...)
[ينطبق ذلك على التصور الكانطي]ا فرغم مايتمتع به هذا التصور من عمق وحصافة، وبالرغم من استلهامي إياه، فإنه لايخلو من تناقضات ومفارقات بعضها في اعتقادي عويص يصعب حله؛ سأكتفي هنا بإثارة أهم هذه المفارقات من خلال السؤالين التالين: "ماهي الكائنات البشرية التي تستحق صفة الشخص؟ وماذا يترتب أخلاقيا إذا ما أجبنا على مثل هذا السؤال من منظور كانطي؟
نبدأ بالجلي الواضح: ليس كل إنسان شخصا بالمعنى الكانطي. فالبويضة المخصبة حديثا، والمرضى الذين دخلوا حالة الغيبوبة (الكوما) الدائمة يظلون بشرا، لكنهم ليسوا أشخاصا وفق التعريف الكانطي؛ ونفس الحكم ينسحب أيضا على حديثي الولادة وعلى الأطفال حتى سن معينة، تضاف إليهم كل الكائنات البشرية التي تفتقد لهذا السبب أو ذاك القدرات الفكرية التي بموجبها يعرف كانط الشخص البشري. إن هؤلاء جميعا تعوزهم الخاصية الأخلاقية المميزة للشخص، فيفقدون بالتالي الحق في الاحترام. فكيف تستطيع النظرية الكانطية إثبات خطئنا لو أننا عاملنا أحد هذه الكائنات البشرية - الذي ليس شخصا - كمجرد وسيلة!
يتضمن الجواب الذي أقدمه هنا تخليا عن التصور الكانطي للشخص كمعيار للقيمة الأصلية للكائن البشري وتعويضه بفكرة(...) "الذوات التي تستشعر حياتها".Subject-of-life دعوني أشرح لكم المقصود بذلك:
لقد أضاف وجود الإنسان الوعي إلى ظاهرة الحياة، هذه الإضافة التي لم يستطع العلم حتى اليوم تفسيرها بشكل مقنع، ومع ذلك يظل المعطى قائما: نحن لانوجد في العالم فحسب، لكننا على وعي بهذا الوجود أيضا، بل وعلى دراية بما يعتمل في "الداخل" أي في عالم المشاعر والمعتقدات والرغبات. وبهذا المعنى، فنحن أكثر من مجرد مادة حية، إننا شيء مختلف عن النبات الذي يحيا ثم يموت أيضا مثلنا. إننا ذوات حية تستشعر حياتها، كائنات لها سيرة وتاريخ biography لا مجرد جسم تدرسه البيولوجيا biology
وما يزيد اللغز غموضا هو أن هذه الحياة التي نعيشها ونختبرها هي وحدة ونظام وليست مجرد ركام وفوضى: فوراء مشاعرنا ومعتقداتنا ورغباتنا توجد وحدة سيكلوجية، بعبارة أخرى فالمشاعر لا تنتمي إلى الشخص "أ" بينما تنتمي المعتقدات إلى الشخص "ب" فيما تعود الرغبات إلى الشخص "ج".
وعلى ضوء انتماء هذا الكل إلى نفس الفرد المتمايز عن الآخرين نستطيع أن نفهم كيف تشكلت سيرتي وقصة حياتي الفريدة عبر الزمن، وكيف أن قصة حياة كل واحد منا مختلفة عن الآخر.
[أخلص إلى القول أن قيمتنا وحقوققنا نابعة من كوننا] ذواتا نحيا حياة يمكن أن تتحول للأفضل أو للأسوأ بالنسبة إلينا بشكل مستقل منطقيا عن أي تقييم لنا من قبل أي أحد آخر او اعتباره إيانا نافعين، ولا أقصد مما سبق أن الآخرين لا يستطيعون الإسهام فيء أو الانتقاص من، قيمة حياتنا . بل على العكس، إن الخيرات الكبرى للحياة (الحب، والصداقة، وعموما ، الشعور بالرفقة) وشرورها الكبرى (الكراهية والعداوة والعزلة والاغتراب) كلها تشتمل على علاقاتنا بالأشخاص الآخرين؛ فما أقصده، بدلا من ذلك، أن كوننا ذواتا نحيا حياة هي في مختلف الظروف لأجلنا لا يعتمد منطقيا على ما يفعله الآخرون أو لا يفعلونه لنا . (...)
كلنا إذن متساوون من حيث قدرتنا على استشعار النعيم، وهذا مايجعل كل واحد منا مكافئا للآخر بغض النظر عن الجنس، الذكاء، الطبقة، السن، الديانة، مسقط الرأس، الموهبة أو المساهمة الاجتماعية
ومن منظور الحقوق الذي أتبناه، فإن كون االفرد "ذاتا تستشعر حياتها" هي القاعدة التي بموجبها يمتلك القيمة الأصيلة، وكل من يحقق هذا الشرط يلزمنا بواجب مباشر في معاملته باحترام، وبعبارة أخرى فنظرية الحقوق تعترف للكائنات البشرية المقصاة بموجب المعيار الكانطي - تعترف لها بحقوق أخلاقية: كالأطفال أو بصفة عامة كل كائن بشري مهما كان سنه ممن يعانون عاهات تمنعهم من أن يكونوا أشخاصا، لكنهم يحققون بامتياز شرط " الذات التي تستشعر حياتها" لأن كل واحد منهم يحيى حياة يمكن أن تتحول للأفضل أو للأسوأ بالنسبة إليه
[بيد اني مضطر للإعتراف ]بأن نظرية الحقوق التي أتيت على ذكرها لاتبدد كل الغموض، وككل نظرية تتناول المعايير الأخلاقية، فإن نظريتي تواجه تحديات جدية، بعضها مماثل للتحديات التي طرحتها على التصور الكانطي آنفا! بعض البشر ليسواأشخاصا حسب كانط، ولكن بعضهم أيضا ليس " ذاتا تستشعر حياتها" وفق نظريتي مثل البويضة المخصبة حديثا والمواليد بدون دماغ أو بوظائف دماغية تتجاوز بالكاد وظائف النخاع الشوكي
هل يعني ذلك أن هذه الكائنات البشرية لاتمتلك أي قيمة أو حق في أن تعامل باحترام؟ إن نظرية الحقوق تترك السؤال مفتوح، ذلك أني اقترحت معيار " الذات التي تستشعر حياتها" كمعيار كاف وليس كمعيار حصري . بمعنى أن الذين يتحقق فيهم هذا الشرط يحوزون قيمة أصيلة، ولكن هل هم الفئة الوحيدة التي تحظى بهذه القيمة؟ هذا سؤال تتركه نظريتي مفتوحا
المصدر:Tom Regan & Cal Cohen, The animal right debate. Rowman & Littlefield, 2001 pp:191-203
يبدو أن طوم ريغان نفسه يعترف بحدود تصوره أو تبريره الفلسفي لقيمة الشخص،
أين تكمن هذه الحدود ياترى؟ هل تكمن في أساس النظرية أم في النتائج المترتبة عنها؟
وضعية ادماجية مع انفتاحات ممكنة على القضايا الدولية الراهنة ومادة التاريخ
تعريف الجرائم ضد الإنسانية حسب المحكمه الجناءيه الدولية
من السهل أن نلاحظ ان هذه الاعتبارات الفلسفية حول قيمة الشخص البشري وحرمة جسده... هي نفسها التي نجدها حاضرة بقوة في مختلف إعلانات ومواثيق حقوق الإنسان. كما أنها الأساس الفلسفي المعتمد عند وصف جرائم الحرب والإبادة بجرائم " ضد الإنسانية".
مالمقصود بهذه الجرائم؟ وكيقف تكون جرائم ضد الإنسانية؟
أنشئت المحكمه الجناءيه الدولية في لاهاي (هولندا) في عام 2002 ، ويقدم نظام روما الاساسي القانون الأساسي للمحكمة الجناءيه الدولية ويمنحها اختصاص النظر في جرائم الاباده الجماعية والجرائم ضد الانسانيه وجرائم الحرب.
المطلوب:
لنحاول من خلال المادة 7 من المعاهدة القتبسة أدناه، أن نتبين كيف أن كل واحد من هذه الجرائم والانتهاكات يهدد وأحيانا يلغي قيمة الشخص على النحو المحد سابقا، وبأي معنى تكون هذه الجرائم فعلا جرائم لا ضد شخص بل ضد الإنسانية
ويفترض فينا في نهاية النقاش أن نكون قادرين على إدراك مفهوم الشخص ومن ثم قيمته في مدلولهما الكوني المجرد الذي لا تتعلق فقط بهذا "الشخص" او ذاك من بني البشر :
وضعية مشكلةوضعية إدماجية: تعريف الجرائم ضد الإنسانية حسب المحكمه الجناءيه الدولية (مقتطف من النظام الأساسي للمحكمة)
لغرض هذا النظام الاساسي ، فإن "جريمه ضد الانسانيه" تعني اي فعل من الافعال التالية عندما ترتكب كجزء من هجوم مدبر واسع النطاق او منهجي موجه ضد اي مجموعة من السكان المدنيين :
الاسترقاق؛ ابعاد السكان او النقل القسري للسكان ؛ االسجن او الحرمان الشديد علي اي نحو آخر من الحرية البدنيه بما يخالف القواعد الاساسية للقانون الدولي، الاختفاء القسري للاشخاص؛ جريمه الفصل العنصري؛ التعذيب؛ لاغتصاب والاستعباد الجنسي والبغاء القسري والحمل او التعقيم القسري ، أو أي شكل آخر من الأشكال الخطيرة للعنف الجنسي ؛ اضطهاد اية جماعة محددة ، سياسية أو عرقيه او قوميه او اثنيه أو ثقافية أو دينية ، حسبما عرف في الفقره 3 ، أو لأسباب أخرى من المسلم عالميا بأن القانون الدولي لا يجيزها ، وذلك فيما يتصل باي فعل مشار اليه في هذه الفقره او بأية جريمه تقع ضمن اختصاص المحكمه ؛ الافعال اللاانسانيه الاخرى ذات الطابع المماثل التي تتسبب عمدا فى معاناة شديدة او ضرر بالغ بالجسم او بالصحه العقليه او البدنيه جماجم لضحايا التطهير العرقي! جماجم لضحايا التطهير العرقي معروضة في موقع مورابي التذكاري بجنوب شرق رواندا
III-الشخص بين الضرورة والحتمية
وضعية مشكلةوضعية مشكلة:في فيلم "جعلوني مجرما" مثل فريد شوقي شخصية طفل يتيم، قادته إلى الانحراف ومن ثم إلى السجن قسوة الأب وزوجة الأب وظلم الوسط الاجتماعي،
لم تكن تظهر عليه في البداية أية بوادر للإنحراف والإجرام، لكن سوء المعاملة والظلم البين اللذين تعرض لهما، سيدفعانه يوما إلى رد فعل يقوده إلى السجن، وفي السجن تعلم ان يكون وحشا حتى لايفترسه الآخرون، و سيترقى سلالم التراتبية في مجتمع المساجين (المدانين كمجرمين)، مما سيجعل الوسط الاجرامي يتلقفه بالأحضان مباشرة بعد خروجه من السجن
لم يكن السجين السابق يزداد كل يوم إلا غوصا في أوحال الجريمة والقسوة والعنف، وعندما ألقي عليه القبض أخيرا، ووقف في قفص الإتهام انتصب محاميه يسرد "أوديسة" اليتم والبؤس والظلم التي عاشها موكله ليتساءل أخيرا:
ياحضرات القضاة، إن موكلي ضحية وليس مجرما! من ينبغي أن يحاكم هو المجتمع الظالم لا موكلي المظلوم...! الإنسان-الدمية
هل الشخص مجرد دمية تحرك خيوطها إشراطات لاواعية وتحدد حركاتها حتميات موضوعية؟
استشكالات أولية:
يبدو أن مدار الحديث عن مفهوم الشخص - كذات عاقلة وحرة تنسب إليها مسؤولية افعالها - ينحصر في قضيتين: الكرامة والمسؤولية. يشير المفهوم الأول إلى مايحق للمرء النمتع به بوصفه شخصا، بينما يشير المفهوم الثاني إلى ماهو ملزم او ملتزم به أو مطالب به بوصفه شخصا أيضا.
بحثنا المفهوم الأول في المحور السابق. إذا اقتصرنا الآن على المفهوم الثاني، فمن اليسير أن نتصور بأن المسؤولية لاتنفصل عن صفة أخرى وهي الحرية التي يطالب بها الفرد كجزء من كرامته، وهذه المرة أيضا، بوصفه شخصا.
لن نتوقف عند الحريات السياسية لأن المانع دونها جلي واضح، وهو النظام السياسي ومختلف أشكال التضييق والقمع التي يمارسها على حرية الأفراد في التجمع والتعبير، سيقتصر بحثنا فقط على الحرية التي يحاسب الشخص بموجبها أخلاقيا من قبل الغير أو من قبل ضميره الشخصي (تأنيب الضمير) ؛أو تلك الحرية التي تترتب عنها المسؤولية المدنية أو الجنائية والتي بموجبها يحاسب المرء قانونيا أمام العدالة، ذلك أن القاضي ملزم بإثبات خلو الفعل من الإكراه كشرط لإثبات المسؤولية أي توفر عنصر الحرية والاختيار، وبناءا عليه يعرض المتهم نفسه للعقوبات المقررة
أ- هل هي إذن حرية موهومة؟
في المحورين السابقين تمت مقاربة مفهوم الشخص من زاوية الوعي وبشكل مجرد من كل تعيين، بيد أن الكائن الشري بنية سيكوفيزيولوجية وكائن سوسيوثقافي، فلا يسعه الإنفلات من قوانين الفيزيولوجيا والمحددات النفسية والإكراهات السوسيوثقافية.
إن تجاهل هذه الشروط هي مايجعل كل إنسان يعتقد أنه السيد في مملكة نفسه، وأنه من اختار بمحض إرادته بعض ملامح شخصيته، بيد أن العلوم الإنسانية تكشف خلاف ذلك: فالشخصية في علم النفس السلوكي لاتعدو أن تكون خلاصة ومحصلة لإستجابات ترسخت كردود فعل على مثيرات خارجية تعمل على تشجيع أو كبح بنيات نفسية معينة؛ أما التحليل النفسي، فيرى البناء النفسي للشخصية كنتيجة حتمية لخبرات مرحلة الطفولة، كما أن الكثير من الأنشطة الإنسانية تحركها دوافع الهو اللاشعورية ذات الطبيعة الجنسية أو العدوانية. هذا الهو الذي قال عنه "نيتشه": وراء أفكارك وشعورك يختفي سيد مجهول يريك السبيل، إسمه الهو. في جسمك يسكن، بل هو جسمك، وصوابه أصوب من صواب حكمتك"، بل إن بول هودار يذهب إلى حد القول بأن: " كلام الإنسان كلام مهموس له به من طرف الهو، الذي يعبر عن نفسه في الإنسان عندما يحاول الإنسان أن يعبر عن ذاته !!"
أما بالنسبة لعلماء الإجتماع والأنثربولوجيا، فإن طبقات مهمة في الشخصية لاتعدو أن تكون سوى انعكاس للشخصية الأساسية للمجتمع أو الشخصية الوظيفية لجماعة الإنتماء. وإذا كانت التنشئة الإجتماعية تزود الفرد بعناصر من ثقافة المجتمع، فأن هذه الثقافة حسب التحليل الماركسي تعكس البنية التحتية المستقلة عن وعي الذوات: لأن الوجود المادي هو الذي يحدد الوعي لاالعكس. ويلاحظ غي روشيه من جهة أخرى بأن " معظم رغبات الإنسان وحاجاته وآماله لاتتكون تلقائيا أو تبعا لنوع من الضرورة اليبولوجية، بل إنها تتحدد بحسب التشجيع الذي تلقاه والمكافآت التي تقدم لها ومن ثم تنقش في الشخصية " ، وعلى هذا الأساس : فكلما تكلم الفرد أو حكم ، فالمجتمع هو الذي يتكلم أو يحكم من خلاله حسب عبارة دوركايم.
حاصل الكلام هو اختفاء الإنسان أو موته كما أعلنت البنيوية، لأن البنيات النفسية الإجتماعية اللغوية... هي التي تفعل وليس الذات أو الفرد. هل يمكن بعد كل هذا الحديث عن الإنسان كما نتحدث عن ذات أي عن كائن قادر على القيام بعمل إرادي؟ هل للسؤال "من أنا " بعد من قيمة؟ !!
ب- أم أن كونه شخصا هو بالضبط مايسمح له بأن يبارح مملكة الضرورة؟
رغم كل ماذكر فإن الإنسان لازال يقنع نفسه بأن له شيئا يفعله، شيئا يبقى عليه أن يفعله. إن النظر إلى الشخص باعتباره ذاتا ووعيا يمكننا من القول بأن وعي الإنسان بالحتميات الشارطة يمثل خطوة أولى على طريق التحرر من تأثيرها وإشراطها المطلق، بل إن مذاهبا فلسفية كثيرة وعلى رأسها الوجودية تؤسس " أسبقية الوجود على الماهية " على خاصية الوعي، لأن الإنسان ليس وجودا في ذاته كالأشياء، بل وجودا لذاته، مما يجعل وجوده مركبا لانهائيا من الإختيارات والإمكانيات، فعلى عكس الطاولة التي أو الشبل اللذان يتحدد نمط وجودهما بشكل خطي انطلاقا من ماهيتهما القبلية، فإن الإنسان مفتقر إلى مثل هذه الماهية التي قد تسمح بتعريفه أو الحديث عن شخصيته على نحو قبلي مسبق. صحيح أن الفرد يحيا على الدوام لا في المطلق، بل في وضعية محددة اجتماعيا وتاريخيا، لكن ردود أفعاله واختياراته لاتحددها هذه الشروط الموضوعية وحدها، بل وأيضا المعنى الذاتي الذي يفهم بموجبه هذه الشروط والأوضاع مما يفسح مجالا واسعا للإحتمال والحرية. من هنا نفهم تصريح سارتر بأن الإنسان مشروع في سماء الممكنات، محكوم عليه بأن يكون حرا، وبان الإنسان ليس شيئا آخر غير مايصنع بتفسه.
ونستطيع استثمار أطروحة سارتر التي أتينا على ذكرها للقول بأن الإنسان ليس آلة إلكترونية، حتى لو أضفنا لها صفات الذكاء والصنع المتقن يقول إيمانويل مونييه رافضا كل اختزال للشخص إلى شيء أو موضوع:
نص لإيمانويل مونييه: ليس البشر صنفا من أشجار متحركة أو جنسا من حيوانات ذكية
ليس الشخص موضوعا ، بل هو بالذات ، في أي إنسان، مالا يمكن أن يعامل بوصفه موضوعا. هذا شخص مجاور لي مثلا، إن له إحساسا فريدا بجسده ليس بإمكاني أن أعايشه فيه لكن بإمكاني النظر إليه من الخارج وفحص حالاته المزاجية ورصيده الوراثي. . . وبعبارة واحدة يمكنني مقاربته كمادة لمعرفة فيزيولوجية أو طبية . . . انه موظف، وهناك نظام خاص بالموظف وسيكولوجيا خاصة بالموظف أستطيع دراستهما مطبقين على حالته، بالرغم من أن هذه المعارف ليست هي هو ولا تعبر عنه في كليته وفي حقيقته.
لانقول إن هناك الأحجار والأشجار والحيوانات وبجوارهم الأشخاص كما لو كان هؤلاء صنفا من أشجار متحركة أو جنسا من حيوانات ذكية ! كلا بل حتى القول بأن "الشخص أكثر الموجودات إتقانا وروعة" قول غير صحيح لأنه ليس مجرد شيء يمكن معرفته من الخارج كبقية الأشياء.
إن الشخص هو الواقعة الوحيدة التي نعرفها ونعيشها في نفس الوقت من الداخل. واقعة حاضرة في كل مكان، لكنها ليست معطاة في أي مكان، ومع ذلك فنحن لا نلقي بها في مجال الأشياء الفير القابلة للوصف. فهي تجربة غنية منغرسة في العالم، تعبر عن نفسها بواسطة إبداع لا يتوقف لأوضاع وقواعد ومؤسسات، إنها نشاط معيش، أساسه الإبداع الذاتي والتواصل والانخراط... وهذا النشاط هو حركة شخصنة
وهكذا، فنحن أبعد مانكون عن الخطاطة التبسيطية التي تجعل الشخص والظاهرة الإنسانية عموما خاضعة على غرار الظواهر الطبيعية لمقولة الحتمية، وماذلك إلا لأن الشخصية كما يقول " برغسون" بناء مستمر وتعاقب لاينقطع لحالات نفسية فريدة لاتقبل التكرار، والحال أن الحتمية ومن ثم التنبؤ لايصدقان إلا في حالة الظواهر المتشابهة القابلة للتكرار. وماأشبه العلاقة الفريدة التي تجمع الشخصية بالفعل الصادر عنها بعلاقة المبدع بعمله الفني.
إذا كان لابد من خلاصة تجمع أطراف موضوع متشعب كموضوع "الشخص بين الضرورة والحرية"، فسنقول بأن الشخص الكائن المفكر العاقل والواعي...إلخ ينطوي في المستوى المحسوس على شخصية هي حصيلة تفاعل بين عوامل باطنية وأخرى متعلقة بالمحيط الخارجي، إنها ذلك الشكل الخاص من التنظيم الذي تخضع له البنيات الجسمية، النفسية والإجتماعية. صحيح أن هذا التنظيم يخضع لعوامل ومحددات موضوعية كثيرة، لكن ذلك لايلغي دور الشخص في بناء شخصيته. وإذا ما بدا موضوع الشخص إشكاليا متعدد الأبعاد، فماذلك إلا لأن دراسة الشخص ليست إلا إسما آخر لدراسة الإنسان بكل تعقده وغموضه.
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)